No votes yet
عدد القراءات: 4000

وقامت الثورة

الكاتب الأصلي: 
Wendy Pearlman
تاريخ النشر: 
20 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

 

من كتابها "عبرنا جسراً واختلج بنا"، هذه مجموعة من المقابلات التي أجرتها وحررتها ويندي بيرلمان مع لاجئين سوريين بين عامي 2012 و 2016. صدر الكتاب هذا الشهر من خلال مؤسسة Custom House للنشر.

 

إلياس، طبيب أسنان، ريف حماة

بدت سوريا دولة مستقرة، لكنه لم يكن استقراراً، بل كان حالة إرهاب. كان كل مواطن سوري يعيش في حالة من الرعب، كذلك النظام وسلطات الدولة. كلما زادت مسؤولية أي كان في الدولة، زادت حالة الرعب لديه. لم يثق الأخ بأخيه، ولا الولد بأبيه، وإن نطق أحدهم بشيء خارج عن المألوف ظن الآخرون أنه جاسوس للحكومة يختبر ردات فعل الناس.

وأعادت كل مؤسسات الدولة تصنيع هذا النوع من السطوة. فالرئيس يتمتع بسلطة مطلقة في البلد، وناظر المدرسة يتمتع بسلطة مطلقة في مدرسته. وفي الوقت ذاته، يكون الناظر مرعوباً، ممن؟ من عمال النظافة الذين يمسحون الأرض، لأنهم جميعاً مخبرون للنظام.

 

آدم، منسق إعلامي، اللاذقية

عمت المظاهرات في تونس وشدت اهتمام السوريين، ثم عمت في مصر وأصبح الكل يطالب بالاستقالة فاستقال مبارك. فظننّا أننا نملك نفوذاً ما.

ثم جاء دور ليبيا وهنا تابع السوريون باهتمام شديد، لأن القذافي كان على وشك إطلاق العنان للجيش من فوره، كنا نعلم ذلك وكذلك الليبيون. فأخذ الليبيون يناشدون المساعدة فيما رأينا فيه انعكاساً مطابقاً لحالنا، فتدخل المجتمع الدولي ولسان حاله يقول "سوف نحمي الليبيين". ووصلت الرسالة إلى الكل في سوريا: إن ساءت الأمور سيدعمنا العالم. طبعاً سنقدم بعض التضحيات وسيموت البعض، لكننا لم نظن أبداً أن الجيش سيهاجمنا لأن العالم سيحمينا، مؤمنين بأنه حال وصول قوات دولية إلى سوريا سينشق الجيش برمته.

 

وليد، شاعر، ريف دمشق

بدأنا نتحدث عن الوضع في سوريا، وأجمعنا أن الثورة في مصر قد حان أوانها، وأننا في سوريا نحتاج إلى خمس سنوات على الأقل من الحراك والنشاط السياسي قبل أن نصل إلى المرحلة التي وصلت إليها مصر. ثم جاء النداء للقيام بالثورة في 15 آذار، فخرجنا. وبهذه البساطة بدأت الثورة، هل كنا لنقول "مهلاً، ما زلنا بحاجة لخمس سنوات أخرى؟".

 

أبو ثائر، مهندس، درعا

كانت أول مظاهرة يوم جمعة، ثم أصبح هناك جنازات ومظاهرات. بدأ الاعتصام في الجامع العمري مساء الثلاثاء، فاقتحمت قوات النظام الجامع من كل المحاور حوالي الثالثة صباحاً، وقتلوا وجرحوا العشرات. أحرقوا المصاحف وكتبوا على الجدران عبارات مثل "لا تركع لله، اركع للأسد".

سمع سكان القرى المحيطة بمذبحة الجامع العمري وبدؤوا يتوافدون إلى درعا منادين "سلمية سلمية"، لكن قوات الأمن أطلقت الرصاص عليهم، وهكذا اندلعت الثورة في المحافظة كلها. كانت الحكومة ترسل جثث المدنيين لكل قرية، فأخذ الناس يشيعون الجثث وانقلبت كل جنازة إلى مظاهرة.

 

محمـد، ممثل، حمص

خوفي منعني من التظاهر، ولم أخرج إلا مرة واحدة لأن صديقتي أرادت الذهاب. كنت أظن أن كل من في المظاهرة وفي سيارة الأجرة عميل للأمن يوشك أن يقبض علي. تم القبض على أحد معارفي بهذه الطريقة. أخذوه للتحقيق لكنه لم يعترف بأنه حضر مظاهرة، ثم أروه مقطع فيديو وسألوه "إن لم تذهب، من هذا إذاً؟" فاصفر وجهه. كان في وسط مظاهرة في الفيديو يجلس على أكتاف أحدهم، اتضح فيما بعد أنه المحقق الذي يواجهه.

 

جمال، طبيب، حماة

كان من المستحيل تجميع عدد كبير من الناس للتظاهر في دمشق، إذ كان الناس خائفون جداً، فلجأنا إلى المظاهرات الطيارة، حيث نتظاهر لخمس دقائق ثم نهرب.

ثم أخذ الناس يبتكرون طرقاً بديلة لإظهار معارضتهم للنظام. كنا نتفق على مكان ووقت معين يأتي إليه الجميع مرتدين ثياباً بلون واحد، فنجتمع مثلاً في نفس المقهى وجميعنا نرتدي الأسود دون أن ننبس بشيء، فقط لكي نظهر للآخرين حجم المعارضة. في النهاية كشفت قوات الأمن الأمر وأصبحوا يلاحقون الناس الذين يلبسون ثياباً من نفس اللون.

لو أننا التزمنا بكلام أهلينا لما خرجنا من الأساس. عاش ذاك الجيل مجزرة حماة في عام 1982، وجيلي خائف أيضاً لكن ليس مثله. والآن أقول لوالدي "لماذا بقيت صامتاً كل تلك السنين؟"، ونوجه السؤال ذاته لذاك الجيل بأكمله.

 

سنا، مصممة جرافيك، دمشق

كنت خائفة جداً في طريقي إلى المظاهرة. كان الوقت ليلاً، وكنا نغطي وجوهنا كيلا يتعرف علينا رجال الأمن. مشينا عبر الأزقة إلى الساحة، كانت مضيئة والناس تعزف فيها على الطبول والنايات. لا أعرف من أمسك بيدي لكننا أخذنا نغني ونرقص ونقفز، كانت حفلة لإسقاط النظام. وفي تلك اللحظة لم أكترث لأي شيء آخر، كنت في قمة السعادة، كانت لحظة لن أنساها ما حييت عندما وقفت مع غرباء نصدح لإسقاط بشار الأسد.

اتفقنا أنا وزوجي أن نتناوب بالذهاب إلى المظاهرات بينما يبقى الآخر في البيت تحسباً. ذهب هو قبلي وعاد إلى المنزل يبكي ويقول: "من لم يعش تلك اللحظة لم يعش". وعندما عدت من أول مظاهرة لي سألني كيف كانت، فقلت أنه كان محقاً فيما قال.

 

أيهم، مصمم ويب، دمشق

كانت هناك محاولات ممنهجة لشيطنة الحراك. ففي كل مرة تمر فيها مظاهرة من شارع ما يطاردها رجال الشرطة فيكسرون الشبابيك ومصابيح الشارع أو أحياناً يرسمون على الجدران بطلاء بخاخ. يمكنك أن ترى العديد من الفيديوهات وهم يقومون بذلك على يوتيوب. ثم ينشر النظام صور الأملاك المخربة تلك على التلفاز ويقول: "هذه الحرية التي تريديون، حرية تخريب البلد، حرية امتهان الأديان، الخ".

دائماً ما كنا نواجه هذا السؤال: ما هي الحرية التي تنادون بها؟ لذا حاولنا تعريفها، نريد حرية التعبير، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين لأننا نعرف أنهم يمكن أن يكونوا قادة. يزج النظام بكل القادة في السجون ثم يقول أن الحراك ليس فيه قائد. كيف يمكن أن يكون فيه قائد عندما تعتقلهم كلهم؟

 

أشرف، فنان، القامشلي

ليست المشكلة في أن العالم لم يفعل شيئاً، بل بأن الكل قال: "انتفضوا، نحن معكم، ثوروا". والرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن أن قصف حمص خط أحمر، والرئيس أوباما قال أن استخدام الأسلحة الكيماوية هو خط أحمر. وعندما تخطى النظام تلك الخطوط الحمراء ولم يتدخل أحد بقي الشعب في في حالة يأس، وفهم أنه لا يمكنه أن يعول على أحد إلا نفسه.

 

خليل، ضابط منشق، دير الزور

كنت عقيداً في الفرقة الرابعة، تم إرسالنا لقمع المظاهرات في درايا والمعضمية في ريف دمشق. وقال رؤساؤنا أننا نحارب عصابات مسلحة. عرفت أن هذا غير صحيح، لكنها أوامر عسكرية، والأوامر العسكرية غير قابلة للنقاش.

في أول أسبوعين استخدمنا الهراوات في حين أطلق ضباط المخابرات الجوية والقناصة النيران من خلفنا. ومع حلول الأسبوع الثالث وصلتنا الأوامر بإطلاق الرصاص على أرجل المتظاهرين، وإن أصبحوا على مسافة مائتي متر علينا إصابتهم في مقتل.

رؤيتي لمظاهرة لأول مرة كانت كالنشوة، كان قلبي مع الشعب منذ البداية، لكن الجيش سيقتلك إن عرف أنك ستنشق. قبل أن أنشق، كان علي أن أضمن سلامة زوجتي وأولادي، وحالما تحقق لي ذلك اختلقت قصة لأبدو وكأنني اختطفت ثم اختفيت. ولفترة لم يتضح للجيش إن كنت قد اختطفت أو انشقيت، ثم جاؤوا إلى منزلي في دمشق وسرقوا ما استطاعوا وأحرقوا ما تبقى، وفعلوا ذات الشيء في منزل عائلتي في دير الزور. لا أبكي على خسارة البيوت، بل لأنه ما بقي لي مكان أعود إليه.

 

أمين، معالج فيزيائي، حلب

وجدت نفسي أعمل في مخيم للمهجرين داخلياً، وكان لدي انطباع بأنني سأساعد الناس، لكنني أدركت أن الناس، بعد ثلاث سنوات من بدء الثورة لم تعد تهتم. كنا نذهب للمريض ونقول "نريد أن نعالجك كي تتمكن من المشي مرة أخرى" فيقول "أنا انتهيت. أريد فقط أن أموت". أو نقول للأطفال "يجب أن تتابعوا تعليمكم" فيقولون "لم أعد أريد أن يجرني أحد بالكرسي المتحرك، فالأولاد يسخرون مني." كان هناك طفل في المخيم يعاني من شلل الأطفال، وكان يحدثني ويقول "عندما كنت طفلاً صغيراً…. "، عمره لم يتجاوز العشرة أعوام.

في كل مرة يموت أحد نقول أننا يجب أن نستمر، يجب أن نستمر، لكن نستمر بماذا؟ نحن نقترب من نهاية الطريق. رأيت العديد من أصدقائي يموتون في الثورة، كذلك أصدقاء في الجيش عندما كنت أؤدي الخدمة الإلزامية، كانوا في مقتبل العمر. أفتح قائمة أصدقائي على هاتفي لأجد واحداً أو اثنين فقط منهم ما زالوا على قيد الحياة. قالوا لنا "إن مات أحد لا تلغوا رقم هاتفه، فقط غيروا اسمه إلى شهيد"، بهذه الطريقة يمكنك أن تعرف أن أحداً ما قد حصل على الهاتف إن جاءتك رسالة من رقمه، وأنه قد يستخدمه للإيقاع بك.

بت أفتح قائمة أصدقائي لأجدها كل من فيها شهيد، شهيد، شهيد.

 

أم ناجي، أم، مخيم اليرموك

كان يجب أن نغادر عندما كان الحصار جزئياً، لكننا لم نتوقع أبداً أن يصبح كلياً. عشت تحت الحصار لتسعة أشهر، وكنا قد خزنا بعض الغذاء في البيت، لكن الوقت مضى وأكلناه كله. اقتحم رجال مسلحون أو عملاء النظام المتاجر ولم يبق فيها شيء للمدنيين، كان لدينا المال ولكن لم يكن هناك شيء لنشتريه. فكنا أنا وزوجي نجمع العشب وأوراق الشجر لنقليهم بزيت الزيتون، وبعد ذلك لم نعد نجد العشب حتى. كان أولادي الأربعة يستلقون على الأرض لا يقوون حتى على الكلام، كانوا يتضورون جوعاً امامي، ولم يكن بوسعي عمل أي شيء.

 

يوسف، طالب سابق، ريف الحسكة

تم اعتقالي عندما كنت في السنة الثانية من دراسة الطب وأمضيت خمسة أشهر في المعتقل، كنت في البيت أسترد صحتي عندما ظهرت الدولة الإسلامية.

تقع مناطق النفط في سوريا في منطقتنا، في شرق البلاد، وأدركت الدولة الإسلامية أهمية تلك المناطق، فأخذوا قريتنا بدعم من طيران النظام، حيث قصف الثوار والمدنيين وترك الدولة الإسلامية. والآن كل نفط المنطقة بيد الدولة الإسلامية، كما لديها الأسلحة والقمح وكل شيء.

مقاتلو الدولة الإسلامية ليسوا مخلوقات غريبة كما يصفهم البعض، إنهم ناس عاديون، وهي منظمة مثل غيرها من المنظمات. كان هناك الكثير من الرجال مستعدون لقتالها، والنساء أيضاً، كان لنا أن نهزمهم، لكننا لم نملك ما يكفي من السلاح. لم يدعمنا أحد، بل بدأ التحالف بقيادة الولايات المتحدة بالقصف، وقتلت طائرات التحالف سبعة وعشرين شخصاً في قريتي كانوا في طابور المخبز. لقد دمرت الغارات الجوية البلد، أكثر الأضرار تأتي من الطائرات، والدولة الإسلامية ليس لديها طائرات.

 

شام، عاملة إغاثة، دوما

كان من المفترض ألا يزعج الجيش الهلال الأحمر، لكنهم كانوا أحياناً يأخذون الجرحى من داخل سيارات الإسعاف، ولم نكن نستطيع أن نقول شيئاً.

في  إحدى المرات، اعتقل جنود فريق صديقي، وأوقفوهم في صف على الحائط وأطلقوا النار على رأس صديقي. ذهبنا وراءه إلى المشفى وانتظرنا، وعندما جاء شخص وقال لي أنه توفي، أغمي علي، فحملني صديق آخر وعالجني صديق ثالث، كلاهما قُتل فيما بعد.

وعندما اعتقل ضباط المخابرات زوجي منير للمرة الثالثة قالوا "كل شيء على ما يرام، سيبقى عندنا لساعة فقط". دامت تلك الساعة سنة وشهراً، وفي الشهور الخمسة الأولى لم أكن أعرف إن كان منير حياً أم ميتاً، اختفى وانتهى. كل المحامين قالوا "سنخرجه" لكنهم كانوا يكذبون علي لأظل أدفع لهم الأموال.

وفي شهر آب من ذاك العام وقع الهجوم الكيماوي على الغوطة، رأينا الناس متسمرون في سياراتهم بعد أن قُتلوا خنقاً. قال لي زملائي أنها كانت المرة الأولى التي يزيحون فيها جثثاً بلا دماء. وصلتني أخبار أن الغاز قد طال السجن، فكاد خوفي على منير أن يفتك بي.

وفي تلك الأثناء قال لي أحد المقربين من النظام أنني إن دفعت ما يكفي من المال يمكنه أن يخرج منير من السجن، فدفعت، وخرج منير.

كل ما مررنا به قتلنا، نحن أحياء أموات. أحياناً أمازح منير بقولي أنه يجدر بأحد أن يجمعنا نحن السوريين كلنا في مكان واحد ويقتلنا لنفرغ من الأمر، فنذهب جميعنا إلى الجنة ونترك بشار الأسد ليحكم بلداً خاوياً على عروشه.

--------------------

الكاتب:

ويندي بيرلمان ( ): أستاذة في جامعة نورث ويسترن في شيكاجو مختصة بسياسات الشرق الأوسط وحاصلة على عدة جوائز. تلقت تعليمها في جامعات هارفارد وجورج تاون وبراون. تتحدث العربية بطلاقة وعاشت في العالم العربي لما يزيد عن عشرين عاماً.

علِّق

مقالات المترجم