No votes yet
عدد القراءات: 3144

"عش ودعهم يموتون" هل تنبأ ميشيل فوكو بأزمة اللاجئين في أوربّا؟ - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Stephane J Baele
تاريخ النشر: 
21 آيار (مايو), 2016
اللغة الأصلية: 

 

في شهر آذار من عام 1976، وصف الفيلسوف ميشيل فوكو ظهور منطق جديد في الحكم خاصٍّ بالمجتمعات الغربية الليبرالية، أطلق عليه اسم البيوسياسة biopolitics. حيث بدأت الدول تصبح مهووسة بصحة سكانها ورفاهيتهم.
بما لا يدعو إلى الشك، نادراً ما كانت الدول الغربية أكثر انشغالاً مما هي عليه الآن بعد أربعين عام، بالترويج للطعام الصحي أو منع التدخين، أو وضع قوانين للمشروبات الكحولية، أو تنظيم فحوصات سرطان الثدي، أو الإفاضة بالمعلومات حول احتمالات الخطر لهذا المرض أو ذاك.
لم يدّع فوكو أن هذا الاتجاه سيّء -فهو في النهاية يحفظ حياة الناس-، لكنه بالتأكيد حذر من أن الكثير من الاهتمام بصحة سكان منطقة معينة وثروتهم يحتّم استثناء هؤلاء غير المشمولين ببرنامج تحسين الصحة إلى الحد الأمثل -ويُنظر إليهم على أنهم يعرضونه للخطر-.
البيوسياسة هي إذن سياسة عش ودعهم يموتون. كلما زادت الدولة من تركيزها على سكانها خلقت المزيد من الظروف المكيفة لإمكانية موت الآخرين، ” حيث تعرّض أناساً للموت وتزيد من خطر موت بعض الناس ”.

* عش ودعهم يموتون live and let die: هذه العبارة تتضمن طباقاً مبنياَ على العبارة live and let live والتي تعني الدعوة إلى تقبل الآخرين واختلافهم. Live and let die اسم فيلم لجيمس بوند ظهر في عام 1973 وهي لازمة أغنية الفيلم. (المترجم)
نادراً ما كانت هذه المفارقة أكثر وضوحاً مما هي عليه في هذه الأزمة التي شهدت مئات الآلاف من الناس يطلبون اللجوء في أورباً خلال السنوات القليلة الماضية. إنه لمن الصادم مشاهدة المجتمعات الأوربية تستثمر بهذا القدر الكبير في مجال الصحة داخلياً  وفي نفس الوقت تقيم الحواجز المنيعة القانونية والمادية التي تبقي اللاجئين في منأى عنها، مساهمة بشكل فاعل في موت بشر.
الصراع في الشرق الأوسط حرب طاحنة. حيث تشير معظم التقديرات إلى أن 300000 قد قتلوا في سوريا وحدها.


أظهر لنا هذا الصراع بعضاً من أشنع الممارسات التي يمكن أن تنتجها الحرب، بما في ذلك قصف عدة آلاف من المدنيين في دمشق بالغاز السام في عام 2013. والمجموعات المتطرفة كالدولة الإسلامية تظهر مستويات من العنف لا يمكن تصورها. فقد قطعوا رؤوس أناس بالسكاكين أو أعدموهم بالمتفجرات، أو أحرقوا أناساً بعد حبسهم في أقفاص، وصلبوا آخرين، و رموا أناساً من أعالي الأبنية، أو آخر ما فعلوه إذ فجروا أشخاصاً محبوسين في سيارة (من المفترض أن من فجّر القنبلة طفل). لقد تم تصدير هذا العنف إلى أوربا. وتبدو بعض أكبر المدن السورية الآن شبيهة جداً بستالين غراد في عام 1943.
لا بد من هروب الناس – كما فرّ البلجيكيون على سبيل المثال من بلدهم في السنوات الأولى من الحرب العالمية الأولى (250000 إلى المملكة المتحدة وحدها، بمعدل يصل إلى 16000 شخص يفد في اليوم الواحد).
لا مفر من هذه الهجرة ببساطة لأن الحياة العادية أصبحت مستحيلة في معظم أرجاء البلد، وغالباً ستستمر هذه الهجرة ما دام هناك ناس يعيشون في هذه المنطقة التي مزقتها الحرب. يستقبل الأردن حالياً -وهو بلد يقل عدد سكانه بقليل عن 10 ملايين- أكثر من مليون لاجئ. وتستقبل تركيّا ما يقارب المليونين.

 

امنعهم من الدخول وابق بعيداً
ماذا سيفعل الاتحاد الأوربي والدول الأعضاء فيه في مواجهة هذه الكارثة في الجوار؟ تماماً ما توقع فوكو. باستثناء ألمانيا، هم يتنافسون في رسم تصور لوضع سياسات تضمن عدم وصول اللاجئين، ويعبّرون بشكل متزايد الوضوح عن موانعهم لاستقبال اللاجئين.
لقد قامت النمسا بشكل أحادي الجانب بوضع حدود على عدد طالبي اللجوء الذين سيتم قبولهم على حدودها كل يوم ملقية بذلك على اليونان المفلسة بعبء التعامل مع تدفق اللاجئين وحدها.
قبل ذلك بأسبوع، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فال Manuel Valls أن فرنسا وأوربّا "“ لا يمكنهما قبول المزيد من اللاجئين ”، وقد كانت بلاده قد وافقت سابقاً على استقبال 30000  لاجئاً على مدى عامين. بالنظر إلى  عدد السكان، يمكن فهم ذلك على أنه إذا كانت فرنسا قرية مؤلفة من 2200 ساكناً فإنهها لن تتقبل أكثثر من شخص واحد خلال هذه المدة.
ومع ذلك تقوم السلطات في فرنسا بتدمير أجزاء من التجمعات القريبة من كاليه Calais والتي يسكن فيها المهاجرون (الكثير منهم أطفال) في ظروف مريعة.
في الدنمارك يُسمح للشرطة بمصادرة الأشياء الثمينة من اللاجئين، مجرّدين إياهم من كل ما بقي في حوزتهم من ممتلكات. سلوفاكيا تريد قبول اللاجئين السوريين المسيحيين فقط، وليس أكثر من 200 منهم، متذرعة بأن المسلمين لن "يشعروا بأنهم في الوطن” ولن يكونوا مقبولين من قبل السكان المحليين على أية حال.


المملكة المتحدة في هذه الأثناء أكثر انشغالاً من السابق بـ "استعادة القدرة على ضبط حدودها” (على الرغم من أنها ليست في منطقة الشنغن).أما بلجيكا فقد علقت مشاركتها في شنغن وأعادت صياغة عمليات المراقبة على الحدود.
تصيغ الدول الغربية سياسة متزايدة البطش لمراقبة الحدود، وتستورد تقنيات عسكرية لتصمم أنظمة مراقبة خبيرة وأسواراً غير قابلة للتجاوز في اليونان أو بلجيكا أو الجيوب الإسبانية في المغرب. يخلق ذلك حقيقةً "الشروط المكيفة لاحتمالية موت الآخرين". فالسوريون إما متروكون ليغالبوا في سوريا، أو يقدموا على رحلات شديدة الخطورة نحو مكان آمن ولكنه مقفل بإحكام.


لتبرير هذه السياسة تصاغ مبررات أكثر أو أقل تعقيداً، ولكن يمكن نقضها جميعاً بسهولة على أسس أخلاقية وعقلية. الاستدلال الوحيد الذي يبقى هو استدلال فوكو. في شرحه سبب قدرة مجتمع مهووس بالصحة على قتل الناس (بشكل أكثر مباشرة أو أقل) الذين كان يمكن لهم في الواقع ان يشاركوا في هذه الصحة، يرمي فوكو كلمة قوية: العنصرية، المفهومة عموماً.
دعوى فوكو التي أُثبتت لاحقاً عبر آلاف التجارب في علم النفس الاجتماعي هي أنه حتى يجد الناس السياسات المتطرفة عاديةً وحتى أخلاقية عليهم أن ينظروا إلى هؤلاء الذين يموتون على أنهم مختلفون، ليسوا أعضاء من مجموعتهم الخاصة.
وهكذا يمكن فهم لمَ استقبلت المملكة المتحدة 250000 بلجيكي بالشاي والكعك في 1914-1916 بينما تساهم اليوم بشكل أو بآخر إلى جانب معظم البلدان الأخرى في الاتحاد الأوربي في موت الآلاف من البشر الهاربين من الحرب التي يقودها نظام دكتاتوري والمجموعة الإرهابية الأكثر تطرفاً عبر التاريخ (من الناحية الكمية وربما النوعية أيضاً). ما يتبقى من الآخلاقية في الدول الأوربية يتبخر.

علِّق