No votes yet
عدد القراءات: 10273

كيف يمكن لقرار الأمم المتحدة الجديد أن يحقق العدالة لسوريا يوماً ما؟

الكاتب الأصلي: 
Mark Kersten
تاريخ النشر: 
31 كانون اﻷول (ديسمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

مع كل الحديث عن الفظائع المرتكبة بالجملة في سوريا والآليات العديدة التي تهدف إلى إجبار المجتمع الدولي على إخضاع مجرمي الحرب السوريين إلى العدالة، لم يظهر العالم تحركاً يذكر. إلا أن بعض التطورات التي حدثت مؤخراً في مجلس الأمن للأمم المتحدة قد تكون الأساس اللازم لإحقاق العدل يوماً ما في سوريا.

تحت قيادة قوى صغرى ومتوسطة مثل ليختنشتاين وكندا، حققت الجمعية العامة للأمم المتحدة إنجازاً تاريخياً وغير مسبوق يوم 21 كانون الأول/ديسمبر، وهو تصويت الغالبية العظمى من أعضائها بالموافقة على قرار لتطوير "آلية دولية مستقلة غير منحازة للمساعدة في التحقيقات والملاحقة القضائية ضد المسؤولين عن أخطر الجرائم في القانون الدولي التي تم ارتكابها في الجمهورية العربية السورية منذ آذار/مارس 2011". على أن تعمل تلك الآلية على جمع وتفنيد الدلائل على الجرائم الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا بهدف تسهيل العمل المستقبلي للقضاء الدولي.

رغم أهمية وإيجابية هذه البادرة، إلا أنه من غير المرجح أن تنعكس بمحاسبة جادة فورية تحقق العدالة للسوريين، وخاصة على المدى القصير. فالجمعية العامة لا تملك الصلاحية لإنشاء محكمة دولية أو لإجبار الدول على التعاون معها في التحقيقات. لذا، بدون موافقة الحكومة السورية أو موافقة مجلس الأمن، وكلاهما لا يبدو متاحاً، لا يمكن تأسيس محكمة فاعلة بناء على قرار الجمعية العامة.

 

 

إذاً ما الفائدة منه؟

إن تم تطبيقه بشكل جيد، يمكن للآلية أن تحقق أمرين: محاسبة المسؤولين عن الجرائم في سوريا وكذلك حل مشكلة التكاليف ووتيرة المحاكمات غير الفعالة، وهي عقبات في طريق كل محاكم جرائم الحرب. كانت الدول الداعمة للقرار تأمل أنه إن تم الاتفاق على إطار المحكمة المرجوة يمكن بعد ذلك أن تتبلور فعلاً من مبدأ إن بدأنا بالأمر سينضم إلينا المزيد. تحمل هذه المقاربة في طياتها بعض المخاطرة طبعاً، إذ أن مستوى التوقعات من العدالة الدولية مرتفع وغير محقق، والتعامل مع مسألة تشكيل الآلية على أنها أمر مفروغ منه دون وضع خطة لتنفيذه يخاطر بزيادة الهوة بين التوقعات والواقع.

 

تبقى هناك بعض الأمور المعلقة مثل: من سيمول تلك الآلية؟ ومن سيكون مسؤولاً عنها؟ ما هو مدى صلاحياتها؟ من البحوث التي أجريتها على آليات المحاسبة، هناك عدة إحتمالات.

كنت قد كتبت سابقاً عن ظهور "سوق" لمؤسسات العدالة الدولية، فقد أنتج العجز بين العرض والطلب للمحاسبة (وخاصة في حالة سوريا) تنافساً بين المؤسسات القضائية وآليات المحاسبة. هناك مؤسسات مدنية مثل منظمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان توثق الانتهاكات والجرائم. وتعمل لجنة التحقيق المخصصة لسوريا التي أنشأها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على دراسة الأدلة على الجرائم وإصدار تقارير عنها. وفي حين لا تملك محكمة العدل الدولية الصلاحية في سوريا إلا أنها يمكن أن تستهدف المقاتلين الذين يحملون جنسيات دول أعضاء فيها، إذ تبدو السلطات القضائية المحلية (لسوريا) بطيئة بالرغم من وجود عدد كبير من السوريين تحت صلاحيتها. وأخيراً هناك لجنة العدالة والمساءلة الدولية (سيجا)، وهي منظمة خاصة غير ربحية يعمل محققوها على جمع الأدلة على الأرض منذ عام 2012 بهدف توفير ملفات جاهزة للمحاكمة لمن يهمه استخدامها من المدعين القضائيين.

رغم اتفاقهم بأهداف مشتركة، إلا أن هذه المنظمات والمؤسسات قد تختلف فيما بينها أحياناً، إذ تملك كل منها رؤية مختلفة عن أفضل الطرق والمقاربات للوصول إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم وتدافع عن رؤاها بشراسة. وتعد أي تطورات تطرأ على أنها خطر يهدد مصالحها كمؤسسة، وقد كان الأمر جلياً في الحالة السورية.

تفتح الآلية الدولية المستقلة غير المنحازة المجال أمام رؤية جديدة تؤمن التعاون بين مختلف المؤسسات والآليات التي تعمل على تحقيق العدالة في سوريا. إحدي الطرق التي تمكنها من تحقيق ذلك هي تحديد كيفية تعاون هذه الآليات مع بعضها رسمياً بما يدعم الأعمال التي تقوم بها الآلية الدولية المستقلة.

أولاً يمكن للآلية الدولية أن تعتمد على الإمكانيات والموارد المتاحة لسيجا وللجنة التحقيقات في سوريا وأي تحقيق محلي. باعتمادها الأعمال المنجزة سلفاً، لا تحتاج الدول إلى إنشاء وتمويل آلية تحقيقات جديدة حول الجرائم في سوريا. ويمكن للدول المسؤولة عن الآلية الدولية الاطمئنان إلى ذلك لأن العديد منهم ممولون رئيسيون لسيجا. كما سبق أن ذكرت في موقع آخر أن ما يميز سيجا عن المؤسسات العامة  كمحكمة العدل الدولية أو أي مؤسسة للأمم المتحدة هو أنها تستطيع احتمال مخاطرة أكبر، لذا يمكن لموظفيها التحقيق على الأرض خلال الصراع، مما يتيح لها الحصول على أهم الأدلة المتاحة للاستخدام الفوري من قبل المدعي القضائي، مما من شأنه أن يسرع بالعمليات القضائية ويجعل من العدالة الجنائية الدولية أكثر فعالية.

 

تتخوف العديد من المجموعات من تبني منحى سيجا كنموذج جديد للتحقيق في جرائم الحرب وجمع الأدلة وحفظها. لكن سيجا متواجدة على الأرض منذ بدء الصراع، وهو أمر لا يمكن تجاهله، إذ يوجد منظمة واحدة فقط قامت بجمع النوع المطلوب من الأدلة على الجرائم الدولية في سوريا الذي يمكن استخدامه في إدانة مجرمي الحرب في سوريا.

هناك سلبيات يجب مواجهتها طبعاً، فبحكم طبيعة عملها على الأرض، طورت سيجا علاقة تعاونية مع قوات المعارضة تدفعها إلى عدم التحقيق في ممارساتهم والتركيز على جرائم الحكومة والدولة الإسلامية، وهذا يعرضها للوقوع بمشكلة أخرى تعاني منها محاكم العدل الدولية وهي ملاحقة طرف واحد في الحرب وليس الآخر. للتخلص من هذا التحيز يجب على الآلية الدولية إيجاد وسيلة للتحقيق في كل أطراف النزاع السوري.

يمكن أن يساعد حل معضلة المحاسبة السورية في حل أحجية العدالة الجنائية الدولية الأوسع، وهو أمر بغاية الأهمية. قال سفير ليختنشتاين للأمم المتحدة كريستيان ويناويسر أمام الجمعية العامة قبل التصويت: "لقد أجلنا القيام بعمل مجدي للمحاسبة مرات عديدة ولفترة طويلة." كانت الجهود المبذولة للوصول إلى العدالة في سوريا شحيحة وضحية تنافس مختلف آليات المحاسبة. وهنا يمثل قرار الجمعية العامة بتشكيل آلية دولية مستقلة وغير منحازة فرصة نادرة لإعادة النظر وإعادة تشكيل كيفية عمل آليات العدل الدولية مع بعضها للوصول يوماً ما للمحاسبة من أجل ضحايا الفظائع في سوريا وكذلك من أجل الناجين منها.

 

*مارك كيرستين باحث في كلية مَنك للعلاقات الدولية في جامعة تورونتو وهو صاحب مدونة العدل في النزاعات.

 

علِّق

مقالات المترجم