عدد القراءات: 3192

العرب وعقد النقص

 

إذا كنتم لا تشعرون بعبء انتمائكم للعروبة ، ولاتسعون للتخلص منها،  فتعالوا معي:

 

شاب من فلسطين جلس يحدّثني عن صعوبة تنقّله بين الدول العربية؛ لأنه لا يحمل جواز سفر معترَفاً به، قلت له: " لا تشكيلي ببكيلك، ولكن أملنا يوماً ما أن نحمل جوازاً عربياً واحداً - لا سورياً ولا فلسطينياً ولا مصرياً ... - يتيح لنا زيارة أي بلد عربي بكل حرية "، نظر إليّ وقال:" لا يا زلمة ، شو بدنا بالجواز العربي، ليش شو شفنا من العرب؟!!!".

بالطبع هذا الحوار ربما جرى ملايين المرات، ويتكرر يومياً على أبواب السفارات ونقاط الحدود بين الدول العربية، وفي قوارب الموت التي يبتعد بها العربي مُكرَهاً عن أرضه التي يرتبط بها بقلبه وعقله.

نعم إنها حقيقة مُرّة عندما لا نرى وقفة حقيقية للعرب تجاه أبناء جلدتهم، وعندما يعجز الملايين عن مجرد التعبيرعن رأيهم تجاه قضية حساسة مثل: استقبال اللاجئين السوريين، هذا فضلاً عن المشاركة في دعمهم والوقوف إلى جانبهم.

أما الحقيقة الأمرّ فهي أننا وصلنا إلى مرحلة لم نعد نريد أن نحلم – مجرد حلم - بأن نصبح يوماً ما أمة بما تعنيه هذه الكلمة، وكأن الحلم عيب أو حرام، ناهيك عن أن قيم عظيمة مثل " أمة عربية واحدة " قد تحولت إلى محط السخرية والازدراء.

لست أكتب هذا الكلام لأستعيد أمجاد أحزاب القومية العربية - التي عفا عنها الدهر -  فهذا ليس مضماري، ولكنني بالمقابل لا أقبل أن أُصفّق لمن يقول : " ياريت يرجع الاستعمار الفرنسي ونرتاح؟ "، أو ذلك الذي يقول:" سجون الاحتلال الصهيوني أرحم من السجون العربية ".

لا ننكر أبداً أن هذه العبارات تحمل نصف الحقيقة، ولكن بالمقابل فإن للحكاية بقية ولا بد أن ندركها حتى يكون تصورنا صحيحاً؛ نعم لقد بنى الاحتلال الفرنسي الجسر المعلق في مدينة دير الزور، ثم جاء سوريون ودمروه بأيدهم، وفي الكنيست الإسرائيلي يستطيع شخص مثل الدكتور أحمد الطيبي أن يهاجم رئيس الحكومة الإسرائيلية علناً دون أن يمسّ أحدٌ شعرةً منه.

إلا أن هذا لا يعني أبداً أن نكون ساذجين لدرجة لا نقيم أي اعتبار للدوافع السياسية والاقتصادية التي تقف وراء أي عملية توسيع نفوذ يسعى له السياسيون على حساب الأمم الأخرى،  ولا يتورّعون في سبيل ذلك من اتباع مختلف الطرق والوسائل من تذويب ثقافي إلى سرقة خيرات البلاد إلى استعمال القوة وما العراق منا ببعيد.

ولو ابتعدنا عن الجانب السياسي والعسكري فربما يقول قائل: ألا ترى أن التفوق العلمي والتقني الذي وصل إليه الغرب يستحق منا أن نرفع لهم القبعة؟ ألم يصبحوا بذلك سادة العالم الفعليين والناس تبعٌ لهم؟.

كما سبق وذكرنا بأن مثل هذه التساؤلات تحمل نصف الحقيقة، فتفوّق الغرب علينا لفترة زمنية معينة لا يعني أن نحتقر أنفسنا؛ لأن سباق الأمم لا يقف، ومن كان اليوم في المرتبة الأولى فهذا لا يعني بالضرورة أن يحافظ غداً على مرتبته، فالتقدم الحضاري دور تمارسه كل أمة خلال فترة، وليس التقدم الحضاري جينة موجودة في عرق أو دم أمة من الأمم، ثم إن التقدم الحضاري لا يكون بالذوبان إنما على العكس، فهاهي دول الاتحاد الأوروبي في سبيل تحقيق الاتحاد فيما بينها تنازلت عن كل شيء إلا اللغة، إذ بقيت كل دولة محتفظة بلغتها؛ لأن اللغة هي أهم مكون من مكونات هوية الأمة التي إن ضاعت اندثرت الأمة ولم تعد لها باقية.

 

لعل من أخطر نتائج الاعتماد على نصف الحقيقة النظرة السوداوية التي يكتبسها العربي تجاه أمته، لدرجة أن كثيرين من العرب تجدهم – مثلاً - مقتنعين بأن موقف السياسيين الغربيين تجاه قضايانا لا يعبر عن موقف المجتمع الغربي الإنساني،  فإن حاولوا سحب نفس التحليل على الواقع العربي عجزوا وخلطوا بين السياسة والمجتمع، وقرروا أنه: " لا سبيل لسعادة العالم إلا بزوال العرب جميعاً "!!!.

لقد أصبح أحدنا إن صادف شيئاً سيئاً في حياته اليومية يقول: ( يأخي هالعرب إيمتا رح يصيروا ؟!)، فتكوّن لدينا ربط تلقائي بين (ما هو سيء) و(العرب)، وكأن باقي الأمم معصومة.

ومع مرور الوقت - بما يحمله من أحداث ومواقف - تولّد لدى الفرد العربي اشمئزاز من كل شيء (عربي) حتى من الإنسان العربي الذي يمشي معه في الطريق أو يجاوره بنفس العمارة، ولو دققنا النظر لوجدنا كم أصبحت هشّةً بنية المجتمع العربي لدرجة يبدو كل عربي وكأنه ذرة منفصلة عن باقي المجتمع تدور في فلكها الخاص، حتى في صفوف الصلاة لا نلمس تراصّاً بقدر ما نلمس تنافراً.

بالطبع تزداد هذه العقدة تشابكاً عندما تلتقي معها عقدة "ابن المدينة وابن الريف"، وعقدة " أنت أجنبي" للمقيم العربي في دول الخليج، وعقدة " هذا خليجي بدوي" لأبناء شبه الجزيرة العربية، وصدّق كثير من العرب تلك الخطوط المرسومة على الخرائط التي لم تقسمّنا إلى دول فقط بل جعلتنا مستويات أيضاً، فعضّينا عليها بالنواجذ وتقاتلنا دفاعاً عنها.

يصعب القول بأنه ثمة مؤامرة أوصلتنا إلى هذه الدرجة من التفكك والفردية، إلا أننا ربما صنعنا بأنفسنا ما تعجز عشرات المؤامرات عن صناعته، وحتى على اعتبار أن ما قدمته الحكومات العربية من قوانين قد رسّخت هذا التفكك، إلا أنه ثمّة هامش جيد نستطيع فيه أن نتحرك بوعي وإدراك من غير أن نكون مجرد كومبارس لمسرحية سياسية ما.

يبدو أننا فُتنّا بغيرنا أكثر من اللازم لدرجة لم نعد نبصر الجمال الذي بين أيدينا، فقسونا على أنفسنا في حين أن شجرة يزرعها عربي في أرض عربية وما يبذله في سبيل ذلك من جهود وتضحيات تعادل زراعة غابة في الغرب.

لذلك خير من أن نطرح أفكار تعود بنا للوراء أن نطرح شيئاً يأخذنا للأمام: لنصافح  معتزّين كل يد عربية ولنمسك بها بقوة، ولنحيّ كل وجه عربي بكل رحابة وسعة صدر، فبهذه اليد ومع هذا الوجه يمكن أن نعود أمة واحدة، لأن الأمة التي لا تحافظ على تماسكها بنفسها وتصون هويتها سوف تذوب وتختفي أو على الأقل ستتحول إلى مجرد دعامة لوجود أمة أخرى.

علِّق