عدد القراءات: 681

كيف جفّ القلم العربي ؟

 

لو كتبنا في محرك البحث اسم العالم العربي "ابن بطوطة" وفتحنا موقع الويكيبيديا سنجد أن ما كُتب عنه باللغة العربية يعادل 14 صفحة بينما ما كتب عنه باللغة الانكليزية 23 صفحة، أما لو نظرنا في قائمة المراجع البالغ عددها 79 مرجعاً سنرى أن عدد المراجع العربية لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة!.

 

لا يختلف باحثان حول فقر المضمون العربي ليس فقط على مستوى الأعمال المنشورة رقمياً بل وكذلك المطبوعة والمرئية أيضاً، ناهيك عن وجود العديد من الموضوعات التي لا يوجد للقلم العربي فيها أي دور يذكر؛ سواء على سبيل المشاركة أو النقد أو الترجمة أو حتى نقل الخبر، ومن الأمثلة التي تستحضرني الآن والتي لم يكتب عنها القلم العربي سوى تعريفاً هزيلاً: " السياحة المنصفة tourisme équitable" هذا المفهوم الذي ظهر عام 2001 في أوروبا، وتحول اليوم إلى نشاط بشري واسع ومهم، يقوم على تخليص السياحة التقليدية من سلبياتها وتحويلها إلى سلوك يحافظ على قيم المجتمعات، ويحمي حقوق الأفراد من استغلال الشركات الكبرى.

بالطبع لم يجف القلم العربي نتيجة العوامل الجوية، إنما حصل ذلك بفعل فاعل معلوم وليس بمجهول؛ فالمواطن العربي الذي يمتنع عن وضع إشارة " أعجبني" على مقال سياسي ما - خشية أن يوصله هذا الإعجاب إلى قبو في الأرض السابعة – لن تراوده مطلقاً نية التعليق – فضلاً عن الكتابة– حول القضايا السياسية نقداً أو تحليلاً، فالأسلم له تجاهل ذلك تماماً، فالسعيد من غضَّ بصره عن السياسة.

أما الكتابة حول نقد الممارسات الدينية الخاطئة فلا يزال طريقه وعراً، إذ يعتبره البعض بداية الكفر، في حين لو تجاوزنا السياسة والدين وأمسكنا بالقلم لنكتب حول العادات الاجتماعية السلبية فنحن مستغربون أو قليلو أدب!.

لا تشكل هذه القيود -على قسوتها- سبباً كافياً لحالة الجفاف التي يعاني منها القلم العربي، فالمشكلة تبدأ من طبيعة المناهج التعليمية -الرسمية وغير الرسمية - القائمة على التلقين والحفظ، إذ يصبح همّ الطالب وأسرته كيف تتوسع الذاكرة لتستوعب أكبر قدر من المعلومات خلال أقل وقت على أن يتم استرجاع كل ذلك خلال ثواني، إذ الهدف النهائي هو الحصول على أعلى الدرجات أو الفوز في مسابقة الحفظ الفلانية.

وحتى في المجال الأكاديمي فإن المخطوط كلما زاد عمره كلما زاد اهتمام الباحثين فيه، وهكذا نستمر في التنقيب عن التراث والتحقق منه لدرجة أن من ينظر إلينا من بعيد لا يستطيع أن يعثر على أكثر من عشرة فوارق بين واقعنا وبين ماضينا القديم!.

مع الأسف لا يتم ذلك بصورة متوازنة، إنما بصورة مبالغ فيها جداً، دون أن نترك للإبداع إلا هامشاً بسيطاً يقترب من الصفر، وهكذا - ومع مرور الوقت - تموت قدرة الشخص على التحليل والنقد، ليكتفي بدور التمرير دون أدنى محاكمة عقلية أو نقدية لما يصله، ولا أدلّ على ذلك مما نشاهده اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي من تداول القصص الخرافية تحت مسميات علمية، ناهيك عن ملايين الإعجابات التي يحظى بها مقطع لداعية ما، لا يعدو أن يكون مجرد قصة قرأناها في منهاج الصف الرابع الإبتدائي!.

 

وحتى لا نكتفي بعرض الثغرة دون تقديم أي حل، وكذلك حتى لا يفهم البعض من كلامي أنه دعوة للكتابة كيفما كانت، وتشجيع للنقد لمجرد النقد، من المفيد أن أطلعكم على  ظاهرة إيجابية بدأت منذ فترة في أوروبا وانتقلت إلينا بشكل خجول مؤخراً، ألا وهي :" محترَفات الكتابة" أو "ورشات الكتابة"، وهي أشبه ما تكون بدورات يقدمها مجموعة من الخبراء والمختصين لهدفين:

1-    خلق فضاء حر للشباب حتى يعبروا عن وجهات نظرهم.

2-    تحفيز الموهوبين في مجال الكتابة على استخراج ما لديهم، ثم صقل تلك المواهب لتصبح قادرة على تقديم شيء يمكن عرضه على الجمهور، حيث تقوم بعض المحترَفات بمتابعة الأعمال الكتابية خطوة بخطوة إلى أن يتم طباعتها ونشرها.

برنارد فيربير Bernard Werber كاتب فرنسي، ولد عام 1961، اشتُهر بثلاثيته " النمل " La trilogie des Fourmis والتي كانت عمله الأول،  وقد تُرجمت لثلاثين لغة، قدّم ورشة عمل موجهة للشباب يشرح لهم فيها منهجيته في الكتابة ويشجعهم على البدء بالإمساك بالقلم والتعبير عما بداخلهم، ومما قاله حول ذلك:

( نحن نخاف من الكتابة لأننا نخشى من حُكم الآخرين علينا، أو نخشى أن نقدّم كتاباً سيئاً، أو لا نتمكن من نشره، وربما نمتنع عن الكتابة لأننا نخاف أن نبدأ ثم لا نصل إلى النهاية، ربما نمتنع عن الكتابة لأن ذاكرتنا لا تزال تحتفظ بعلامة سيئة حصلنا عليها في مادة التعبير يوم كنا على مقاعد الدراسة.

ينبغي عليكم أن تقفزوا عن كل هذه المخاوف، فالمكسب المهم من الكتابة هو أن ننتصر على كل ألوان الصراعات النفسية، والتي تمنعنا من التعبير عن الأشياء التي بداخلنا.

لا تكتبوا ما يطلبه الجمهور، ولا بهدف النشر، أو تقليد الآخرين، بل اكتبوا ما بداخلكم أنتم، عندها ستكتشفون أن الكتابة لون جديد من ألوان السعادة لم يسبق لكم أن شعرتم به، لأنها بهذه الطريقة ستكون الشيء الوحيد الذي يعبر عما بداخلكم بصدق، دون مجاملة أو مواربة.

ربما لا يكون كتابكم الأول كاملاً، وقد لا يحقق لكم شهرة أو ربحاً،  ولكن يكفي أن يعبر عنكم أنتم كما أنتم).

 

أمامنا الكثير حتى نعيد الندى للقلم العربي، إلا أن الخطوة الأولى تكمن في تشجيع الشباب على عصف الذهن لتقديم أفكارهم الخاصة ورؤاهم الجديدة، حتى لو كانت خيالية أو شخصية، فنحن بأمس الحاجة لتحقيق موازنة عقلانية بين البحث في التراث والاستفادة منه ومن تجارب الماضي، وبين المساهمة في القضايا المعاصرة التي انقطعنا عن بعضها، واكتفينا باستيراد بعضها الآخر كما هو.

نحن بحاجة لإطلاق مسابقات حول الكتابة والترجمة والتحليل والنقد، أكثر من حاجتنا لمسابقات الحفظ والتلقين،  فالكتابة تتيح للشخص أن يبدع شيئاً جديداً، بينما لا يتيح الحفظ والتسميع سوى تكرار الإبداع، لذلك فقد أقسم الله بالكتابة وبأدواتها، فقال تعالى: ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ ( سورة القلم: 1).

 

رابط ورشة العمل حول الكتابة لبرنارد فيربير (اضغط هنا)

 

علِّق