عدد القراءات: 9243

الشرق العربي... بين عصرين

كانت الامبراطورية العثمانية الوريثة لعصر الانحطاط والجمود التاريخيين، رغم اتساعها وتفوقها العسكري ووصولها الى قلب اوروبا التي كانت منهكة من نتائج حروبها الصليبية، ولم تكن وريثة له وحسب، بل عملت على اعادة انتاجه وتكريسه دينيا وفقهيا وعلميا وثقافيا ومجتمعيا عبر عدة قرون حتى سقوطها في  بداية القرن العشرين.
في الوقت الذي كانت فيه هذه الامبراطورية تعيد انتاج انحطاط الشرق الاسلامي بكل سماته التي ذكرنا، كان الغرب الاوروبي يعيد النظر في اسباب هزيمته في الشرق ويستفيد من نتائج احتكاكه به خلال الحروب الصليبية فضلا عن تاثره بنهضة الاندلس، وقد اخذت تتجمع لديه بذور ومقدمات لصيرورة نهضة تاريخية جديدة تقطع مع عصر انحطاط القرون الوسطى في اطوار مترابطة ومتلاحقة كان اولها مرحلة النهضه، ثم مرحلة التنوير ثم مرحلة الحداثة وما رافقها من ثورة دينية وفكرية وعلمية وصناعية نقلت اوروبا كلها والامريكتين الى عصر نوعي جديد يقوم على قطيعة معرفية وعلمية مع ما سبق !


كل هذه التحولات النوعية للغرب تمت بمعزل عن الشرق العثماني الذي يغط في اوهام تفوقه العسكري والامبراطوري وجموده الديني والفكري و العلمي الموروث، مما جعل ميزان القوى يميل بشكل ساحق ونوعي لصالح الغرب مع بداية القرن التاسع عشر، حيث اخذ يقضم اطراف الامبراطورية ويحاصرها من كل الجهات عبر استعماره للخليج والهند بعد اكتشاف راس الرجاء الصالح والمحرك البخاري،  ثم انقضّ على المغرب العربي ومصر ثم بلاد الشام اثر الحرب العالمية الاولى، وكاد ان يستولي على تركيا نفسها لولا توازنات القوى بين الدول الغربية!
كانت المنطقة العربية في ظل السلطنة العثمانية مجرد دولايات ادارية ملحقة وتابعة لها ولاتمتلك في أي جزء منها -شرقا او غربا- أية مقومات للدولة- باستثناء مصر حيث حاول محمد علي تأسيس دولة حديثة فيها، الا انه تم تحجيمها وتفكيكها بعد هزيمته أمام التحالف الغربي ثم وقوعها تحت الاحتلال البريطاني اواخر القرن التاسع عشر.
أي ان سقوط الامبراطورية العثمانية اثر الحرب العالمية الاولى جعل منطقتنا العربية في حالة شبه انعدام وزن او انعدام كامل لغياب أي كيان او كيانات سياسية يلمها ويدافع عنها، وخصوصا المشرق العربي والجزيرة لان هذه الولايات مجرد هيئات ادارية لا ترتقي اطلاقا الى مستوى الدولة، مما جعلها تقع وبسهولة تحت السيطرة المطلقة لقوى الغرب أي الاحتلال الكامل او النفوذ المطلق بدون احتلال، كشأن الجزيرة العربية، على الرغم من المقاومة الاهلية هنا وهناك والتي  قادتها زعامات محلية وقبلية الا انها  لم تفلح  في منع الاحتلال (عرابي والمختار والخطابي وعبد القادر وهنانو والاطرش،،،،)نتيجة الفارق النوعي في نوع وموازين القوى بين شرق متخلف قديم وبين غرب حقق نقلات وثورات نهضوية كبرى
ويتضافر مع غياب الكيان السياسي المحلي او العربي  تلك البنية الانقسامية العصبوية للبنى المجتمعية في الشرق العربي،  سواء في شكلها القبلي والعشائري والعائلي  السائد في البوادى
والصحاري التي تشكل نسبة 90% من مجمل الارض العربية او في شكلها الطائفي العصبوي المغلق في الجبال او المدن والبلدات، وبدون تجاهل للبنى الاقطاعية الاستعبادية السائدة في الريف  والتي يتحكم بها اقطاعيون من جذور مدينية، مما اضاف مشكلة اخرى وهي تتعلق بالعلاقة السلبية بين الريف والمدينة، او كراهية الريف للمدينة وتعالي المدينة على الريف

 

-2-
في ظل الإمبراطورية العثمانية كان الفرد في الشرق العربي يتوزعه انتماءان لا ثالث لهما:
انتماء سياسي مغلف بشرعية دينية للدولة العلية او الباب العالي السلطاني
وانتماء محلي ضيق طائفي ديني او عرقي قبلي اثني مجتمعي وفقا لنظام الملل العثماني (طوائف دينية او اعراق قبلية عشائرية او اثنية ) في بيئات جغرافية شديدة التنوع
وقد كان الامر على هذه الحال لقرون طويلة يعود الى ماقبل الحقبة العثمانية، سواء في الحقبة المملوكية او الايوبية او الفاطمية اوالعباسية او الاموية كبنى أساسية وهيكلية مجتمعية عامة، مع الاخذ بالاعتبار التباينات النسبية بين مناطق البداوة ومناطق الحضر ووديان الأنهار والهضاب، مثل مصر النيل وعراق الرافدين وهضبة الشام، بالمقارنة مع الصحارى والبوادى الشاسعة  التي تسودها البنى القبلية والعشائرية.
أي من زاوية علم الاجتماع والتطور التاريخي المجتمعي، فإن اغلب مكونات هذه الإمبراطورية في الشرق العربي لم تغادر بنيتها القبلية والعرقية والطائفية لتندمج في شعب او امة او حتى شعوب الا الحالة المصرية نسبيا، نظرا لعراقتها التاريخية ومركزية النيل مما جعلها تؤسس دولة مركزية في عهود تاريخية مبكرة ساهمت في تحقيق معدل اندماجي مجتمعي افضل، رغم ان الصعيد والريف ما زال يغلب عليه البنية القبلية والعشائرية حتى الان.
ان الدولة الإمبراطورية العثمانية بما تملكه من شرعية تاريخية ودينية موروثة كامتداد للخلافة الإسلامية في العقل الجمعي الإسلامي العام و السني تحديدا، وبما لديها من قدرة عسكرية وإدارية امبراطورية على التحكم والسيطرة، مكنها كل ذلك من احتواء كل تلك المكونات بكل تبايناتها وتناقضاتها وصراعاتها والسيطرة عليها لأمد طويل في منطقة تمتد من شرق أوروبا الى تخوم ايران ( الأقاليم السبع )
ان الهزائم المتواصلة للامبراطورية العثمانية امام الزحف الاستعماري للغرب الراسمالي المتفوق علميا وتنظيميا وعسكريا، والتي توجت بالهزيمة الشاملة في الحرب الأولى على يد الحلفاء، جعل الشرق العربي بكل مكوناته أعزلا مجردا وعاريا من أية حماية كيانية سياسية دولية ذاتيه، تلملم حبات مسبحته التي انفرطت، واخذ كل مكون من مكوناته الطائفية والقبلية والعرقية يبحث بنفسه عن نفسه وهويته ومصيره وكيانه !! الى درجة ان احدى المدن كالنجف تقطنها اربع قبائل في اربع احياء كل حي منها شكل دولة مستقلة بدستور وعلم وقياده ؟؟ وفي البصرة قامت دولة وفي بغداد  دولة، وفي الموصل دولة، الى ان جاء الإنكليزوألغوها وأسسوا مملكة العراق وعاصمتها بغداد وإادارات ذاتيه للولايات !؟؟
وفي الشام او سوريا تشكلت 6 دول برعاية فرنسية استمرت من عام 1924 حتى عام 1936، حيث قامت فرنسا بالغائها نظراً لأعبائها الإدارية الكبيرة والمرهقة، حتى ليبيا كانت ثلاث ولايات مستقلة طبرق وبرقة وطرابلس، وعليه فانني أتوقع لو تركت هذه البني الطائفية والقبلية والعرقية تعبر عن هوياتها
اتقسمت المنطقة العربية الى عشرات من الدول والامارات والمشيخات القزمة والصغيرة وليس الى 22 دولة فقط بفعل سايكس بيكو..


-3-
ما اردنا قوله ان سقوط الدولة العثمانية أسقط الانتماء السياسي لها من قبل مكوناتها،  ولم يك هناك  بديل لهوية سياسية او كيان سياسي  ناجز او جاهز عنها، كما لم يسفر عن سقوطها  ظهور شعوب محددة الهوية والانتماء او كيانات وطنية كما يتهيأ للبعض، أي لم يكن هناك شيء اسمه شعب عراقي او شعب سوري او شعب لبناني او شعب اردني او فلسطيني، ولم يك على رأس هذه الشعوب سلطات او دول ذاتية الإدارة خلال حكم الدولة العثمانية كما في مصر مثلا.. بل كانت ولايات او متصرفيّات كمتصرفية جبل لبنان والقدس ودمشق الخ؟؟، أي ان سقوط الكيان السياسي الامبراطوري العثماني العام دفع باغلب مكونات المنطقة آلياً الى الارتكاس والارتداد الى الهويات المحلية، سواء الطائفية منها او العرقية او الجهوية او القبلية، في محاولة الى جعلها أيضا هويات سياسية وكيانيات سياسية كما رأينا في العراق وبلاد الشام، وخصوصا بعد انهيار مشروع الشريف حسين لإقامة مملكة عربية في الشرق العربي كبديل للهوية السياسية  العثمانية الإسلامية،  حسب التفاهمات التي كانت بينه وبين مكماهون وزير خارجية بريطانيا مقابل الوقوف الى جانب الحلفاء في الحرب الأولى ضد العثمانيين
ان مشروع الشريف حسين في استعادة الملك او الخلافة العربية اصطدم بمشاريع الغرب الاستعمارية في السيطرة على المنطقة وتقسيمها سياسيا الي كيانات صغيرة وتابعه، بما يتفق ومصالحه الراسمالية العالمية، والتي كانت واضحة جلية في احتلاله الخليج ومصر وليبيا والمغرب العربي، لذا كان من الحماقة المراهنة والتحالف مع الحلفاء في الحرب العالمية ضد الدولة العثمانية لاستعادة الملك العربي المفقود، فانتقل العرب من السيطرة العثمانية موحدين في كيان واحد  وان كان ضعيفا الى السيطرة الغربية الاستعمارية الأجنبية التي اعملت فيهم تقسيما وتمزيقا عبر صفقة  سايكس – بيكوا المشهورة بين بريطانيا وفرنسا وروسيا  ؟؟؟
هذه اللحظة التاريخية.. لحظة فاصلة بين تاريخين( بل بين عصرين وبين شريعتين ).. تاريخ سقوط الخلافة وشرعيتها نهائيا.. وتاريخ الانخراط المطلق في السيطرة الغربية الاستعمارية الغربية العالمية وما ارتبط بها من نتائج سياسية وثقافية واقتصادية رسمت ملامح و تاريخ المنطقة من ذلك الحين الى الان
لحظة تاريخية  مركبة ومعقدة انجدلت فيها بنية مجتمعية راكدة متخلفة متذررة ومفككة ومنقسمة طائفيا وقبليا وعرقيا وطبقيا ( اقطاعية تجارية تقليدية ) مع سيطرة خارجية اجنبية غربية متفوقة في كل ابعادها العسكرية والعلمية والاقتصادية والثقافية تولت إعادة صياغة كل شيء في  هذه البنية المجتمعية وفقا لمصالحها وحاجاتها وأهدافها بحيث أصبحت مجرد ترس في ماكينتها الراسمالية الكبرى ( التبعية )
اخطر مافي هذه اللحظة انها جمعت مابين انقسامين.. انقسام مجتمعي شاقولي تاريخي طائفيا وعرقيا وقبليا.. وانقسام كياني سياسي مصطنع لايتفق مع معطيات المجتمع التاريخية بل ينسجم ويتطابق مع مصالح الغرب الاستعماري الراسمالي، أي مجتمعات تعاني من ركود
وتخلف تاريخي وانقسامات مجتمعية بنيوية  أضاف عليها الاستعمار انقسامات سياسية وروابط تبعية ثقافية واقتصادية أي ضعف  على ضعف (او ضعف اس 2) أي انقسام سياسي تم تركيبه على انقسامات مجتمعية غائرة في تاريخنا وثقافتنا تحت وطأة احتلال اجنبي مما افرز ظاهرة التبعية الكاملة والشاملة للغرب
أي ان سايكس بيكوا قسم سياسيا ماهو مقسم مجتمعيا، وأصبحت القبيلة الواحدة في كيانين سياسيين وأيضا الطائفة والطبقة والعرق. مثلا قبيلة واحدة او الطائفة الواحدة تجدها في الجزيرة وسوريا والعراق وقس على ذلك الكثير!!!


-4-
منذ ذلك التاريخ أصبحت المنطقة العربية كلها عارية ومكشوفة وفاقدة لاية مناعة تجاه الخارج، وأصبحت منطقة صراع القوى الدولية الكبرى عليها ويقرر مصيرها تماما من الخارج، و بلغ  الأمر حداً ان تعطي بريطانيا ارضا ليست لها لعصابات من اليهود المهاجرين، أي خلع شعب فلسطين بأكمله من ارضه واحلال اليهود المغتصبين وإقامة دولة إسرائيل رغم كل المقاومة البطولية التي ابدتها شعوب المنطقة هنا وهناك ( ثورة العشرين في العراق، الثورة السورية، ثورة القسام، عمر المختار، الجزائري، الخطابي، الخ ) الا ان الفارق العلمي والتقني العسكري والاقتصادي الهائل في أدوات الصراع بين غرب متقدم جدا وشرق غط في ظلام انحطاط طويل جعل انتصار هذه المقاومات شبه مستحيل.!
وبناء على ماسبق فإن العرب في الشرق العربي لو حافظوا على كيانهم في اطار الكيان العثماني رغم كل تناقضاتهم مع الباب العالي ولم يتحالفوا ويراهنوا على الغرب المستعمر لتغير تاريخهم في اتجاه اخر تماما يجعلهم اكثر مناعه وحصانة من التفتيت الذاتي والاستعماري ومن ثم اكثر قدرة مع الاتراك على مواجهة الحملة الاستعمارية الغربية ومن ثم حماية انفسهم من اليات الاستتباع الاقتصادي والثقافي والسياسي الغربي ولما تعرضت المنطقة لكارثة فلسطين.!
ان التناقضات مع سلطة الباب العالي هي تناقضات البيت الواحد والكيان الواحد والحضارة الواحدة أي تعتبر ثانوية ( استبداد وتخلف وتتريك ) بالمقارنة مع تناقضاتنا مع الغرب الأساسية  (استعمار واغتصاب وتبعية وتخريب ) أي ليست تناقضات عدائية مدمرة كما هي مع الغرب الاستعماري الذي كانت نواياه واضحة جدا وجليه في اطماعه حين احتل الخليج والجزائر والمغرب وليبيا وتونس ومصر مبكرا !
ألم تكن هذه الدول دول عربية ومستعمرة من بريطانيا وفرنسا ومع ذلك يتحالف الشريف معها لتاسيس مملكته وعرشه الموهوم فيما تبقى من بلاد العرب ؟

ان الذين لايميزون بين الصديق والعدو او لايعرفون من هو حليفهم بحق مآلهم الهزيمة باقتدار بل حتما، وهكذا كان ودخل الشرق العربي في عصر جديد... عصر الاحتلال والتقسيم والتبعية   وهذا لنا فيه حديث اخر.

التعليقات

بناء على ماجاء في الفقرة الاخيرة ...لو بقي العرب والعثمانيين في حلف لبقي للعرب فرصة في تجنب التقسيم ولما اهديت فلسطين لليهود بالرغم من من كل المآسي التي خلفها لهم العثمانيين من تخلف وفقر وجهل مما ادى الى انتقال الموقف للعداء من العثمانيين بدل التحالف والتوحد ...هذا الموقف يقودنا ايضا الى ..لو اسقطنا هذا التحليل على واقع الثورة السورية الآن هل سيكون رأي الاستاذ موفق بنفس الطريقة ...اي هل كان على السوريين ان يرتضوا باستمرار حكم آل الاسد والبحث عن مصالحة ما وبطريقة ما لتحفظ للسوريين حياتهم التي هدرت والحفاظ على عمران مدنهم التي دمرت وبناهم التحية التي خربت ...ان ماجاء في الحديث يتبادر للذهن وللوهلة الاولى من خلال المقارنة بين الوضعين سيختار الاخ موفق الموقف الثاني اي المصالحة مع نظام سحق واستبد طوال خمسين عاما نتج عنه الفقر نفسه وزاد طين التخلف بلة بل وزاد في شرذمة المقسم عموديا وافقيا كما جاء في تحليل الاستاذ موفق ...اعتقد انها سقطة غير مقصودة من الأخ موفق بما عهدناه عنه ثائرا على الظلم والفساد ثائرا على القمع والاستبداد ويطمح الى بناء وطنا حرا ديموقراطيا لاسيادة الا للشعب في ظل دولة الحق والقانون ... الاخ العزيز موفق ..عندما تثور الشعوب تكون المرحلة التا يخة الحاسمة قد ازفت وبلغ الشوق الى التغيير مداه وهذا ماحدث ايضا في انفصال العرب عن العثمانيين ...اخ موفق تحياتي وتقبل مروري مشكورا

علِّق

المنشورات: 5
القراءات: 59416