عدد القراءات: 1571

القازعون؛ وهل أهلكنا إلا فلسفة الدين !

 

حتى لحظة كتابة هذا المقال تلقى ابني - ذو 9 سنوات - ثلاثة توجيهات (واحدة منها باستعمال اليد) بتهمة أن حلاقة شعره تسمّى قزعاً، ورغم أني متخرج من كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر إلا أن كل محاولاتي في إقناع أصحاب تلك التوجيهات بأن حلاقة ابني ليست قزعاً لم تُفلح، ولم أحظَ إلا برد من قبيل: الله يهديك أنت وابنك!، وحتى لا يتطور الحوار لأبعد من ذلك طلبت منهم قائمة بالقصات المحرمة والموديلات المنهي عنها، طالما أن كل شخص يرى القزع بصورة مختلفة!.

 

القضية – من وجهة نظري – لا تقف عند مسألة قصة شعر، ولكنها أكبر من ذلك بكثير، إنها قضية ربط كل تفاصيل الحياة التي نعيشها بالفتاوى والاجتهادات، وبالتالي لم يعد بمقدورنا زيارة حلاق الشعر إلا بعد قراءة كتاب كامل عن أحكام القص والصبغة!.

إذا كان هناك فئة من الشباب المنحرف أخلاقياً قد اتخذت شكلاً معيناً في لباسها أو شعرها فإنه من البديهي والفطري ألا أقلد أشكال قصاتهم وثيابهم، ولا حاجة لي إلى فتاوى أو خلافات فقهية لا تنتهي!.

المسلم الذي يحتاج إلى فتوى عندما يريد القيام بأبسط مهمات حياته هو مسلم رضيع، فالدين الإسلامي أيقظ الفطرة، وحرسها بمجموعة من القيم كالتوحيد والعدل والإحسان، وربطها بمجموعة من الممارسات كالصلاة والحج والزكاة، فكان الإسلام:

- كاملاً قال تعالى:﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ ( سورة المائدة: 3).

- سهلاً قال تعالى :﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ (سورة البقرة:185).

- واضحاً قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ ( سورة القمر: 22).

- واقعياً قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (سورة البقرة:286).

وبناء على هذه الآيات – وغيرها الكثير – وبناء على كون عدد صفحات القرآن الكريم لا يزيد على 600 صفحة، يظهر لنا أن الله تعالى أراد أن يكون الدين منضبطاً لا يتغير بتغير الزمان، محفوظاً من إضافات البشر، مرناً وسهل التطبيق والفهم حتى ينتشر بين جميع الناس على اختلافهم.

إلا أنه لو نظرنا إلى الدين الذي نعرفه اليوم لن نجد فيه ولا واحدة من تلك الصفات؛ بل سنجده ناقصاً وبحاجة إلى إضافات واجتهادات بشرية لا تنقطع، وسنجده شاقاً وصعباً، بل وعسير الفهم لا بد له من دروس مع كبار العلماء والمفسرين، هذا إن اتفقوا!.

فأين المشكلة ؟ وهل نستطيع العودة إلى الدين الذي أنزله الله كما هو ؟ أم أن الخيوط تشابكت، واختلطت الأوراق؟!.

 

إن نزوع البشر نحو الاكتشاف والمعرفة يولد لديهم ميلاً نحو البحث عن التفاصيل والسؤال عما سُكت عنه والذي يعرفه البعض بالفلسفة، ولقد أثبت هذا الميل نجاعته في كل العلوم إلا في الدين فإنه أفسده وأدى إلى تحريفه.

لذلك نجد القرآن الكريم والسنة الشريفة قد حضّت على البحث والخوض في تفاصيل كل شيء؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (سورة العنكبوت: 20).

إلا الدين، فإن كلّاً من القرآن الكريم والحديث الشريف قد نصّا بوضوح على عدم الخوض في تفاصيل الدين، يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ (سورة المائدة:101)، وفي الحديث المتفق عليه يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: " ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".

فإذا كان هذا موقف القرآن والحديث من السؤال عن تفاصيل الدين في عصر الرسالة فكيف إذاً يكون موقفهما فيما بعد عصر الرسالة؟ بل كيف يكون موقفهما من أولئك الذين يتخيلون التفاصيل ثم يبحثون لها عن أحكام في الدين ؟!.

 

إن خطورة الخوض في التفاصيل فيما بعد عصر الرسالة تكمن  بأن هذه التفاصيل تحتاج إلى من يجيب عنها، وبعد موت النبي محمد صلى الله عليه وسلم  سيقوم البعض بما يشبه سياسة ملء الفراغ، ممارساً دوره في الإجابة على تلك التفاصيل التي نُهينا عن السؤال عنها،  فتتحول تلك الإجابات إلى دين لا يقل عن الدين الأصلي، كما يتحول دور المُجيب – الذي لا حاجة له في الأصل – إلى مهنة بل وطبقة في المجتمع هي طبقة : رجال الدين أو ما يمكن تسميتهم بفلاسفة الدين.

لقد تطور دور فلاسفة الدين مع الوقت من إطار الإجابة على التساؤلات إلى التأليف والكتابة في التفاصيل التي سُئلوا عنها، وشيئاً فشيئاً ضمّوا إليها تفاصيل الحياة الاجتماعية والقضايا الشخصية التي عاشها مجتمع الصحابة لما يقارب من خمسين سنة، ممزوجاً كله بتحليلات وتأويلات، حتى صار كل هذا التراث الضخم ديناً يجب الإيمان به والدفاع عنه.

ونظراً لأن الكتابات والإجابات لم تكن واحدة بل متعددة فقد نشأ لدينا أديان متعددة ( تحت مسمى المذاهب) وصار الدفاع عنها جهاداً مقدساً، وانطبق علينا قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (سورة آل عمران:105).

حتى الإيمان بالله الذي جاء بسيطاً واضحاً في القرآن الكريم،  لم يسلم من الفسلفة فتحول إلى علم العقيدة، وصار كل إمام يرسم صورة معينة عن الله، وعلى الناس أن يؤمنوا بهذه الصورة وإلا صاروا كفاراً!.

وكي ندرك حجم كارثة فلسفة الدين يكفينا أن ننظر في المكتبة الإسلامية وما تم ضخه فيها - خلال 500 عام سبقت وحتى اليوم- من صفحات وجهود وأوقات وبرامج، ثم لننظر إلى أين اتجه المسلمون وأين اتجه غيرهم ؟!.

 

إن الوضوء جاء في القرآن الكريم واضحاً بسيطاً بآية واحدة قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ... ﴾ (سورة المائدة: 6)، إلا أنه نتيجة فلسفة الدين تحولت هذه الآية الواحدة إلى آلاف الصفحات والكتب والأبحاث والمحاضرات لتشرح لنا الوضوء !.

يا ترى لو أن المسلمين بذلوا في أبحاث الطب والسياسة والاقتصاد والتربية والعلوم معشار ما بذلوه في البحث عن تفاصيل الدين هل كان حالنا كما نحن عليه اليوم؟!.

لا يمكن القبول بأنه في فترة من الفترات كانت فلسفة الدين مقبولة، لأن هذه الفلسفة نمت مع الوقت وصار الاهتمام بها قربة إلى الله، وأصبح من يتفلسف في الدين يسمى عالماً، ومن يدرس على يديه يسمى طالب علم، وأصبحت هذه الفلسفة تسمى الشريعة، وانكب الناس على ذلك ونسوا دينهم ودنياهم، فصاروا زعماء الفلسفة الدينية ولكنهم عملياً غثاء، ولا نبالغ إن قلنا بأن فلاسفة الدين اليوم يناقشون ويبحثون في تفاصيل لم تخطر ببال كبار الصحابة، فهل نحن فهمنا الدين أفضل منهم؟.

 

إن الخطوة الأهم والتحدي الأصعب أمامنا هو في تنقية الدين من شوائب لحقت به على مدار مئات السنين، وليس في إضافة المزيد من الشوائب تحت مسميات مختلفة، فالمغالاة والتحريف والتأويل – وما أكثرها بين أيدينا- هي من الآفات التي ينبغي على كل محق أن ينكرها ويرفضها صوناً لدين الله عن العبث به عن قصد أو جهل.

علِّق