عدد القراءات: 3369

الوجه الجميل للحروب والأزمات

 

 

الحروب هي البركان الذي يوقده البشر بأيديهم وينفخون فيه بأفواههم، فالحرب أم المآسي والخراب، وهي مفتاح التشرد واللجوء، ومهما حاول السياسيون أن يُبرّروا حروبهم إلا أن محاولتهم كلها ليست إلا عبثاً.

لا سيما وأننا اليوم لم نعد نشهد ذلك النوع من الحرب الذي يكون بين دولتين متكافئتين إلى حدّ ما، حيث تبقى الخسائر تحت السيطرة طالما أنه ليس ثمة فرقاً شاسعاً في ميزان القوى، وذلك كالحروب القديمة التي كان تشتعل بين الروم والفرس.

فلقد أضحت الحروب – خاصة تلك التي شهدناها في عالمنا العربي والإسلامي خلال الخمسين سنة الماضية - اعتداءً شرساً يشنه وحش كاسر على مجموعة خراف تائهة في المرعى أو ربما ليست تائهة ولكن يحكمها كبشٌ نائم جُلّ ما يُطيقه – إن صحا - النطح الذي تمرّن عليه ليُسكت خرافه إذا علت مأمأتهم ( المأمأة هي صوت الخروف).

لو تأملنا في نتائج الحروب لوجدنا أن شرورها تصيب الناس الذين لم يختاروها، فهي تأتي عليهم وتلاحقهم دون سابق استئذان أو حتى إنذار، أما الرحمة والرأفة فليستا محل نقاش في الحروب.

هذه الصورة القاتمة ليست كل القصة، إذ يصرّ كثير من الناس – ممن يكابدون صراعاً أو أزمة - على ممارسة حياتهم وتحقيق النجاح تلو الآخر، بل ربما كانت الكارثة فرصة لهم، حتى يظن من يراهم عن بعد وكأن الكارثة لا تَعنيهم، حتى وإن اشتدت فإنهم يبدون وكأنهم ينفضون الغبار عن كواهلهم بين الحين والآخر ليس أكثر.

وكم من بلدان ذاقت ويلات الحروب والأزمات ولكنها وبسبب بضع أفرادٍ فيها قدموا نجاحات وإنجازات فأذاقوا العالم طعماً حلواً استمر حتى يومنا هذا.

 

خلال الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 – والتي تعرف أيضاً بحرب الخنادق - وُلدت جراحة الوجه والفكين لإنقاذ الناس الذين تعرّضوا لتشوّهات جرّاء القصف غير المسبوق، وكذلك تم خلال الحرب أول عملية نقل للدم، بالإضافة إلى الكثير من الاختراعات في المجال الطبي والصناعي والفني والتي نجدها موسّعة في بعض الكتب ومنها كتاب " مئة سؤال حول الحرب العالمية الأولى 100 questions sur la Grande Guerre " لمؤلفه جان بيير Jean Pierre.

في كندا تعتبر مقاطعة الكيبك اليوم إحدى أبرز مناطق العالم تميزاً في مجال العمل التطوعي، وتعود البذرة الأولى للعمل التطوعي فيها إلى عام 1682م عندما نشب حريق كبير أدى إلى حالة مأساوية هائلة فقد خلالها كثير من السكان بيوتهم وأموالهم، فتجمع بعض المواطنين وأنشؤوا أول منظمة تطوعية في الكيبك باسم: مكتب الفقراء.

وفيما يتعلق بالحالة الراهنة التي نعيشها يمكننا مطالعة بعض النماذج في موقع السوري الجديد الذي خصص زاوية بعنوان: "سوريون" سلط فيها الضوء على مساهمات شباب وشابات لم يمنعهم كونهم لاجئين أو حتى لازالوا في مناطق محاصرة أو تحت القصف من أن يكونوا مبادرين بصورة مميزة.

 

في مجال الحروب الأهلية لا تقتصر النتائج الإيجابية على قضايا الاختراعات والمبادرات الإنسانية التي تولد في أيام الصراعات ثم تستمر لما بعدها وتنمو، بل لعل الأهم من ذلك كله هو ما تقوم به الشعوب من مراجعة للفكر والسلوك الذي كان سائداً قبل الحرب والذي ربما يكون له مساهمة في إشعال فتيل الصراع أو ربما أدى إلى تطور الصراع لاحقاً.

إن عملية المراجعة هذه تُفضي إلى فهمٍ أعمق للأفكار والممارسات التي كانت سبباً في تفريق الناس وبث روح العداء فيما بينهم، وعدم التفافهم حول مصالحهم المشتركة، مقابل تقديس التاريخ وما يحمله من مبالغات وأكاذيب.

لذلك نجد أن الأمم التي تريد أن تستمر في الحياة وألا تكرر خطيئتها في الاقتتال والصراع، إذا وضعت الحرب أوزارها التف الجميع حول بعضهم ليعثروا على طريقة سلمية سليمة يتشاطرون فيها المنافع، بعيداً عما يعتقدونه من أوهام وأطماع لم تجلب لهم ولأولادهم إلا الدمار.

 

في هذا الخصوص نشرت صحيفة واشنطن بوست Washington Post  مقالأ بتاريخ 28/6/2016 تحت عنوان: باحثون يكتشفون أن للحرب آثاراً ملحوظة وخارقة Researchers have found that war has a remarkable and miraculous effect . جاء فيه: ( أكدت حوالي 20 دراسة أن هناك آثاراً إيجابية للحروب على السكان.

فعلى سبيل المثال وبعد الحرب الأهلية التي بدأت عام 1991 في سيراليون، تبين أن الأشخاص الذين تعرضوا للعنف كانوا أكثر نشاطاً في مجتمعهم، مقارنة بجيرانهم من البلاد التي لم تتعرض لمثل ذلك.

كما أكدت الدراسات أنه لا صحة للرأي الشائع من أن المجتمعات التي تتعرض للحرب ستصبح حتماً محرومة من رأس المال الاجتماعي، ولن يعود فيها مكان للثقة أو للعمل الجماعي.

في سيراليون طرح الباحثون لعبة تقوم على تبادل المال، فتبين أن الأشخاص  الأكثر عرضة للصراع كانوا أكثر الأشخاص مرونة في تبادل أموالهم مع الآخرين.

وفي لعبة مشابهة في نيبال تبين أن سكان القرى المتضررة من الحرب كانوا يُفضّلون التعاون على العمل الفردي، وإن كان العمل الفردي يدرُّ عليهم مالاً أكثر).

 

لا تخلو أية ظاهرة من جوانب سلبية وأخرى إيجابية، حتى الحروب التي لا نملك ما يكفي لإيقافها إلا أننا لو بحثنا فإننا سنجد مساحة كافية لنزرع ولو ابتسامة على وجه طفل تكبر معه كلما كبر، فليس العاجز ذاك الذي فقد طرفاً أو أصابته إعاقة، إنما العاجز الحقيقي من لا يرى الفرصة مهما كانت قريبة منه، ويبقى عمره يلوم الزمن ويشتم الحظ.

ويبقى فهم أسباب الحروب، والجرأة على الاعتراف بالخطأ، وأين كنا محقين وواقعين، وأين كنا متجاوزين وخياليين، من أهم الدروس التي يمكن أن نقدمها لمجتمعنا بل وللإنسانية جمعاء.

 

علِّق