عدد القراءات: 1430

القراءة المعاصرة وسؤال النهضة

 

نزل نابليون بونابرت أرض مصر عام 1798م، معلناً بذلك بداية مفصلية في تاريخ العرب والمسلمين، قسمت تاريخهم بعد ذلك إلى عهدين متمايزين: عهد ما قبل الحملة (وهو العهد المتصل بما سبقه) وعهد بعد الحملة (وهو العهد المنفصل عمّا سبقه).

قبل الحملة الفرنسية لم تكن أخبار الغرب تصل إلينا إلا مثل موجز الأنباء الذي يتصدّر نشرات الأخبار، ولكن عندما نزل الفرنسيون حاملين معهم جزءاً من ثقافتهم وعلومهم شهد العرب والمسلمون – يومها - بأمّ أعينهم جزءاً مما كان مستتراً عنهم وراء البحار، وهنا طرحوا السؤال التالي:

كيف نتطور، ولماذا نحن متخلفون ؟ والذي يعرفه الباحثون بـ "سؤال النهضة".

في تلك الحقبة تصدّر للإجابة على هذا السؤال تياران:

التيار الأول: هم الحداثيون العرب، والتيار الثاني: هم الإصلاحيون الإسلاميون ( انظر كتاب: الدين والنص والحقيقة، د. مصطفى الحسن).

كان التيار الأول واضحاً في رؤيته ولم يخلط بين الأوراق، فقد ادّعى أنه لا يمكن لنا أن نتطور إلا إذا خلعنا تراثنا بكل تفاصيله، ثم أقبلنا على الفكر الغربي بكل تفاصيله ومشينا عليه. وهكذا لم تمتد يد هذا التيار إلى التراث الإسلامي ولا حاول أصلاً؛ فهو يريد اسئصالاً كاملاً لما بين أيدينا دون استثناء، واستيراد بضاعة جديدة.

أما التيار الثاني فقد اعترف بوجود جوانب مظلمة في التراث الإسلامي لا بد من تصفيته منها، من خلال العودة للتمسك بالجذوة التي أنارت للعرب والمسلمين ردحاً طويلاً من الزمن، مع الاستفادة مما قدمه الغرب في المجالات العلمية والتقنية، فاتبع هذا التيار سياسة العودة للتراث والتجاوز عن سلبياته إلا أنه لم يقدم خطة عمل واضحة تنهض بالمجتمع العربي والإسلامي من خلال الجمع بين الأصالة والحداثة.

 

صحيح أن كلا التيارين لم يكن في حسابه إفناء الآخر، لا سيما وأن الهدف كان واحداً لكلا التيارين وهو النهضة بالأمة، إلا أن المشروع الذي كان يحمله كل فريق يتعارض تماماً مع مشروع الآخر، ولا يمكن لأي أرض أن تستوعبهما سويّة؛ فالحداثيون العرب لا يعترفون بمرجعية النصوص الإسلامية، والإصلاحيون الإسلاميون لا يتخلّون عنها.

لم يمكث الفريقان في أرض الملعب كثيراً؛ فقد أُخرج (الحداثيون العرب) من ساحة التنافس ولم يعودوا إليها؛ بالطبع ليس بسبب تفوق (الإصلاحيين الإسلاميين) وإنما لأسباب أخرى من أبرزها:

- احتلال البلاد العربية من قبل الغرب الأمر الذي جعل أية دعوة لتبنّي الفكر الغربي تبدو كأنها شراكة مبطّنة مع القوى الأجنبية.

- وصول أنظمة قمعية ظلت مرتبطة بالاحتلال الأجنبي، وتعاملت مع قضايا التراث والحداثة من خلال:

دعم كل تيار يربط الجهل والتخلف بالاحتلال الأجنبي الخارجي، ويدعو الناس إلى الوقوف مع الحاكم، وبهذا تمكّنت هذه الأنظمة من توجيه البوصلة باتجاهها، فلم يعد هناك حاجة إلى نموذج غربي لتقليده، كما لا حاجة للعودة إلى التراث وتصفيته فقد جاء المخلّص بصورة الحاكم، ونام الجميع بأمان وسلام.

إبقاء التيار الحركي الإسلامي - الذي لا يهتم بالنهضة بقدر اهتمامه بالوصول إلى الحكم - على قيد الحياة، وذلك لخلق ذريعة وتهمة يلجأ إليها الحكام كلما أحسوا بأن الكرسي تحتهم بدأ يهتز.

 

ترسّخت الصلة بالتراث لاسيما بعد نكسة حزيران عام 1967م التي أصابت المثقفين العرب بعُصاب جماعي فارتدوا ناكصين إلى الوراء: إلى التراث (انظر كتاب: التراث والحداثة، د. محمد عابد الجابري).

هذا الارتداد نراه واضحاً على أرض الواقع حيث قطع الدعاة والكتاب والمفكرون - المتعلقون بالتراث - شوطاً واسعاً في إعادة إحياءه ونقله كما هو للمجتمع، دون أن يعترض عليهم أحد أو يقاطعهم متكلّم، إلى أن وقعت حرب الخليج الثانية عام 1991م، ثم الثالثة ثم أخيراً الربيع العربي بأشكاله المختلفة ونتائجه المتباينة، الأمر الذي طرح سؤال النهضة ثانية ولكن هذه المرة بصورة مختلفة تماماً، فقد غدا "سؤال النهضة " هاجس كل عربي ومسلم يحلم به ويفكر فيه متمنياً لو يقع بين يديه تطبيق في متجر Apple Store يعثر له على جواب شافٍ.

في هذه الأجواء تولدت محاولات جديدة عن المألوف اتخذت مسمى " القراءة المعاصرة للتراث الإسلامي" لم تنحصر بعمل أو بلد إنما كانت توجُّهاً لدى الكثيرين من الكتاب والمفكرين كمحاولة لإيجاد الجواب.

إلا أن حب الشهرة والسعي نحو استقطاب وسائل الإعلام قد حال دون أن تأخذ القراءة المعاصرة حيزها الصحيح، فصار طابع القراءة المعاصرة لا يعدو أن يكون وريثاً للحداثيين العرب من حيث المرجعية للنموذج الغربي، أو وريثاً للإصلاحيين الإسلاميين من حيث التنظير البعيد عن الواقع.

 

في وسط هذه الزحمة ثمة محاولات جادة انطلقت بقراءة حرة لا يشدها الماضي على أصالته كما لا يجذبها الحاضر على حداثته، ولعل من أبرز محاولات "القراءة المعاصرة الحقيقية" ما طرحه أ. محمد المختار الشنقيطي في كتابه (الخلافات السياسية بين الصحابة)، و د. محمد العبد الكريم في كتابه ( تفكيك الاستبداد: دراسة مقاصدية في فقه التحرر من التغلب).

الملفت في هذا التيار أنه لم يخضع لتأثير الحقل المغناطيسي لعولمة الفكر الغربي، وبالتالي لم يعتنق "النموذج الغربي بكل تفاصيله"، ولم يكن معنياً بإيجاد "طريق إسلامي" يصل بنا إلى ذلك النموذج بكل جوانبه، وهكذا لم تتحول جهودهم لمجرد بحث عن مستند "إسلامي" يبيح للمرأة كشف رأسها تحت مسمى " القراءة المعاصرة" !!!.

بالمقابل قلّص هذا التيار هامش القداسة في تراثنا الإسلامي ليتمكن من اقتحامه والتجول فيه بحرية فظهر له الكثير من العلل، فأبان للناس ما المقصود بطاعة ولي الأمر، وهل ما قام به الخلفاء من توريث الحكم لأبناءهم عدل، وماهي الحدود الثابتة في الشريعة ...

أعتقد أن هذا النوع من "القراءة المعاصرة" - فيما لو انتشر بصورة أوسع – فإنه قادر على إيجاد رؤية جديدة لا تسعى للوصول بنا قسراً إلى النموذج الغربي ولا إلى النموذج الأموي.

لا نبالغ إن قلنا بأن القراءة المعاصرة هي دعوة قرآنية فقد قال الله تعالى:﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾(سورة القمر:22)، لذا لا يمكن لأحد أن يقف سدّاً في وجه إعادة قراءة التراث الإسلامي ولاسيما القرآن الكريم والحديث الشريف، فهذا الموضوع مفتوح إلى يوم الدين ولا يملك أحد إيقافه.

إلا أنه عندما نبدأ قراءة نص بهدف الوصول إلى فكرة محددة مسبقاً فهذا يسمى "قراءة مسبقة"، بينما "القراءة المعاصرة" فهي تعني قراءة النص بصورة حيادية، فالهدف هو استنباط فهم جديد وفكرة جديدة من خلال " النص" وليس استعمال النص لإثبات نموذج ما.

صحيح أنه لم يعد بالإمكان بناء أسوار تفصل بين الأمم، ولا بين الأمة وتراثها - فقد بات الاتصال بين الأمم أمراً واقعياً، كما أن الصلة بالتراث جزء من هوية كل أمة - ولكن عندما نتحدث عن النهضة الحقيقية لأمة ما فإن ذلك لا يتم إطلاقاً بعملية نقل دم خارجي أو دم قديم وحقنه في جسدها، إنما يكون بتشخيص حقيقي للمرض ثم معالجته؛ لتصحّ الأمة ثم تصبح قادرة على المساهمة بحصتها في البناء الحضاري البشري، وهكذا يبقى الجواب النهائي عن سؤال النهضة لأمتنا الإسلامية كامناً في ثنايا جدلية " الأصالة والحداثة" بانتظار من يعثر عليه.

علِّق