عدد القراءات: 9915

المرأة الحرة في القرآن الكريم

 

يرى البعض أن مفهوم (الحرية) يتعارض مع مفهوم (الإيمان)، وأن الشخص الحر لا يكون مؤمناً، وبالمقابل فالمؤمن ليس حراً، إلا أن المعرفة الصحيحة للحرية والإيمان لا تزيل التعارض بينهما فحسب بل تظهر لنا مدى التناغم والانسجام بين المفهومين.

الحرية – التي كتب عنها الحكماء والفلاسفة – لا تعني الفلتان أو التسيّب بل تعني باختصار: حفظ الحقوق وعدم التعدي عليها، ومن المعلوم لدينا بأن الحق المطلق هو الله، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ (سورة الحج، الآية 62)، وبالتالي فإن الإيمان بالله يعني الإيمان بالحق والتخلي عن الظلم، والعبودية لله هي التمسك بالحق والتبرؤ من الظلم وهذا أعلى درجات الحرية.

 

ومن هنا فإن الإنسان الحر هو الإنسان الذي يحافظ على الحق ويتحمل كل تبعاته، ويرفض الظلم والباطل ويبذل جهده للخلاص منه، ولقد ذكر لنا القرآن الكريم نماذج كثيرة عن هذا الإنسان الحر، وفي مقالتنا هذه سنستعرض ثلاثة نماذج عن المرأة الحرة في القرآن الكريم.

النموذج الأول هو السيدة مريم عليها السلام، التي جاءت قومها وقابلتهم بكل جرأة لأنها على يقين بأن الرضيع – عيسى عليه السلام – الذي بين يديها هو هبة من الله وليس عن خطيئة منها.

ربما لم تكن مريم – حين أتت قومها – تعلم أن طفلها سينطق وهو في المهد، ومع ذلك قررت أن تواجه المجتمع ولا تختبئ أو تنتحر؛ لأنها بكل بساطة على الحق، وبالطبع فإن المجتمع يومها - كعادة المجتمعات في استقبال المتهم وإن كان بريئاً – لم يعطها الفرصة وهاجمها بكلام لاذع متسرّع:

﴿ قالوا يا مريمُ لقدْ جئتِ شيئاً فرياً ﴾ (سورة مريم، الآية: 27).

 

أما النموذج الثاني للمرأة الحرة فهي زوجة الطاغية فرعون، هذه المرأة لم يغريها المال، ولم يعمي قلبها الجاه والسلطة، بل كانت ترى كل ذلك جحيماً طالما أنها تعيش مع ظالم، ولذلك جعلها القرآن الكريم مثلاً للذين آمنوا : ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة التحريم، الآية:11).

يبقى لدينا النموذج الثالث وهو النموذج الأقرب لحياة المرأة، إنه نموذج (خولة)، تلك المرأة التي ظلمها زوجها، فلم تسكت، ولم تخجل، وجاءت إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم تشتكي، إلا أن المفاجأة أن الجواب لم يكن بشرياً بل نزل القرآن الكريم بسورة كاملة سميت سورة (المجادلة) أنصفت خولة وكل امرأة حرة، قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (سورة المجادلة، الآية:1).

 

لم يكتف القرآن الكريم بعرض هذه النماذج فقط ليحافظ على مكانة المرأة ودورها، فهناك العشرات من الآيات التي تناولت قضايا المرأة وحقوقها، وبهذا فإن أي تفسير يتعارض مع هذه العناوين الصريحة والواضحة فهو غير صحيح، إذ من غير المنطقي أن يدعو القرآن لاحترام المرأة ويستمع الله لشكواها ويضرب المثل بمواقفها، ثم تأتي آيات وتأمرنا بالانتقاص من قدرها أو مكانتها!!!.

 

علِّق