عدد القراءات: 5246

مناهجنا الإصلاحية، وفقر الدم السياسي

 

بين عامي 1995-2001 كنت طالباً في كلية الهندسة الكهربائية بدمشق، ومن جملة المواد النظرية التي درسناها مادة البرمجة والتي كانت مخصصة لتدريبنا على لغة (فورتران) ثم (باسكاللنكتشف وقتها أن هذه اللغات البرمجية انقرضت ولم يعد أحد يستخدمها !.

وبنفس الأجواء كانت المواد العملية في المخابر إما تعتمد على محركات أقرب ما تكون لعصر ماقبل البخار أو أنها حصص غير كافية، الأمر الذي أحدث فجوة عميقة بين المنهاج والواقع، جعل معظمنا يرمي  بالمنهاج الذي أضعنا سنوات في دراسته، لنستسلم تدريجياً لرحلة واقعية بلا منهاج واضح.

بينما قلة من الطلاب كانوا يتمردون على المنهاج ويطالعون مناهج حديثة، فيربطونها مع الواقع المتطور الذي لا يهدأ، وهؤلاء هم الذين تميّزوا.

 

لا تختلف الصورة أبداً في كلية الشريعة التي دخلتها بين عامي 1998-2002، فكما عجزت المناهج هناك عن تخريج المهندس الذي نحتاج، كذلك هنا عجزت المناهج عن تخريج الفقيه الذي نحتاج، إلا أن المتخرجين من كلية الشريعة ربما تكون خيبة أملهم أكبر، وذلك لأن حماسه نحو تقديم شيء لمجتمعه وأمته يكون عالياً نظراً لما تعلمه من ضرورة المساهمة في بناء المجتمع والدولة، ولكنه فجأة يجد نفسه أنه لم يمر ولم يناقش ولم يدرس إلا جزءاً بسيطاً جداً من المشكلات التي يعاني منها مجتمعه، لذلك إما أن يعلق شهادته على الحائط ويلتفت إلى عمل تجاري بعيد عن دراسته، أو أن يلقي بنفسه ضمن جوقة ما فتأت تعيد ألحاناً يزيد عمرها على ألف عام، وقلة هم أولئك الذين يصرون على البحث فيعثرون على شيء يستحق التقديم .

مما سبق يتضح أنه لم يكن من السهل تقديم برامج إصلاحية أو خطط بناء ذات فاعلية، في بيئة يتم تغذية الأشخاص فيها بأفكار مريضة أو هزيلة بحاجة إلى حقن دم جديد، لا سيما إن كان الحديث عن أي عملية للتطوير أو التغيير – مهما كان بسيطاً - يعتبر محرماً أشد التحريم.

وحتى لا نغرق في إلقاء اللوم على الذين قدموا جهدهم وإمكاناتهم وعملوا في إطار ما تعلموه، يبدو البحث عن الثغرات والنواقص واستدراكها أكثر نفعاً.

 

لقد طرحت الأحداث الأخيرة في سوريا منذ عام 2011 أسئلة محيرة كثيرة، سمعنا عليها إجابات سطحية مختصرة جداً وغير مقنعة، مثل: أن ما يجري هو عقاب لنا على ذنوبنا، أو أن ماجرى من دمار وخراب هو بسبب الخروج على الحاكم، أو أن على الشعوب ألا تخوض في السياسة فهي فوق مجال إدراكها؟، وغير ذلك الكثير.

خلال هذه السنوات الست قررت أن أقرأ خارج المنهاج الذي تعلمناه، فطالعت عشرات الكتب السياسية والتاريخية النقدية، كبداية لتكوين فهم مختلف لتفاصيل الواقع الذي نعيشه، ولعل من أبرز تلك الكتب – من وجهة نظري – كانت هذه العشرة سأذكرها مع سنة النشر أو الترجمة:

1- حول الحرية ، جون ستيورات مل، 1859م.

2- روح الثورات والثورة الفرنسية، غوستاف لوبون، 1934م.

3- مدخل إلى علم السياسة، د.عصام سليمان، 1989م.

4- الدين والدولة، د. عبد العزيز بايندر، 1993م.

5- الأخلاق والسياسة الخارجية، كارن أي. سميث و مارغوت لايت، 2001م.

6- الإنسان والدولة والحرب، كينيف ولتز، 2001م.

7- الخلافات السياسية بين الصحابة، محمد المختار الشنقيطي، 2004.

8- الإنسان المهدور، د. مصطفى حجازي، 2005م.

9- الفتوحات العربية في روايات المغلوبين، حسام عيتاني، 2011م.

10- دراسة في سوسيولوجيا الإسلام، علي الوردي، 2013م.

 

تتضمن هذه الكتب إجابات عديدة عن قضايا مغلقة تشتعل في داخلنا ويظنها كثير من الناس برداً وسلاماً، مثل: دوافع العنف، وأسباب الطائفية، وتركيبة الماضي التي تؤثر في حاضرنا، ومحاولات الإصلاح التي تفاعلت معنا وتفاعلنا معها، ولعل من أهم الموضوعات التي سنتعرف عليها لو قلّبنا صفحاتها هي الخطوط الأساسية في كيفية إدارة أو المشاركة في إدارة شؤون بلادنا في ظل تشابك العلاقات الداخلية والخارجية، الأمر الذي يعرفه البعض بالسياسة.

هناك ضرورة ملحة في مجتمعنا العربي لرفع مستوى الوعي السياسي لدى قيادات المجتمع أولاً ثم بين صفوف المجتمع، فكما أن رفع مستوى الثقافة الزوجية يقلل من حالات الطلاق والعنف الأسري، وكذلك رفع مستوى الثقافة الصحية يحد من انتشار الأمراض، فإن توعية المجتمع بالقضايا والمفاهيم السياسية له دور كبير في الحماية من أخطار كبيرة بالإضافة إلى ما يقدمه هذه الوعي من آليات وطرق ومفاهيم تساعدنا على إدراك واقعنا القريب والبعيد بشكل صحيح.

 

على الرغم مما ذكرت لا يزال الكثير من القيادات الاجتماعية - وخاصة الدينية - تسكت عن تراجع الخبرة والوعي السياسيين لدينا، ولا تنظر إليهما كأحد أهم العوامل التي تعيق تقدمنا وتسهل أحداث التصادم والنزاع فيما بيننا، وفوق ذلك يصرون على اعتبار المعضلة في ذلك كله هو جهل الناس بما تم تدوينه في الكتب الفقهية قبل مئات السنين!!! . فعلى سبيل المثال: منذ يومين إحدى الجمعيات المهتمة بالسوريين والتي تختصر نشاطها بعبارة: (جمعية للتعليم والثقافة والأبحاث)، أقامت دورتين واحدة للرجال وأخرى للنساء تضمنت التجويد والفقه والحديث والتفسير، دون أن يتم تخصيص وقت أو كتاب يناقش (بشكل مباشر وواقعي وعلمي) أسباب وحلول ما نعانيه نحن لا ما كان يعانيه أجداد أجدادنا.

أيضاً أحد الأصدقاء ينشر لنا كل أسبوع كتاباً ينصحنا بقراءته، ولو أجرينا مسحاً لتلك الكتب لوجدنا أن أحدث كتاب يعود تاريخ نشره لعام 1000 م في أحسن الأحوال!.

 

بالطبع لا أقصد من هذا الكلام أن ننبذ كل ما هو قديم ونقبل كل ما هو جديد، ولكن الذي أقصده أنه من الواجب على كل شخص يتوجه للناس بخطاب إصلاحي أو خطة إصلاحية ألا يكتفي بما قرأه ودرسه في المناهج، إذ لو كانت تلك المناهج تغني لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، بينما تفتح لنا عملية الخروج عن المناهج - ولو قليلاً – أفقاً مليئاً بأطياف الحكمة الحقيقية والعملية التي نفتقدها، ولنبقى دائما أوفياء لما تعلمناه في تراثنا حول ضرورة البحث غير المحدود وغير المقيد والذي تلخصه العبارة الشهيرة : الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها.

 

علِّق