عدد القراءات: 4030

الدبكة والأرض

 

 

كثيرون هم الذين لا يُجيدون " الدبكة "، بل لعل نسبة كبيرة من العرب لا يعرفونها لا سيما  قبل انتشار القنوات الفضائية، إذ إن هذه الرقصة الشعبية هي أداء خاص ببلاد الشام وتركيا والعراق.

لم أكن أتوقع يوماً ما أن أكتب عن " الدبكة "؛ فهذا التراث ليس سائداً في أفراح المدن ولاسيما دمشق،   ناهيك عن أن المرء ربما يتأثر - أكثر من اللازم - بمن يعتبرون مثل هذه الأنشطة أمراً قادحاً في المروءة.

إلا أنني اليوم رأيتُ فيها شيئاً مختلفاً خاصة بعد أن حضرتها عن قرب وفي أجواء هي الأولى  في حياتي؛ فالشيء الذي لفت نظري فيها والذي وجدته يُـميّزها عن غيرها من الرقصات الشعبية هو: ضرب الأرض بالقدم بقوة، وإنّ كل شخص يمعن النظر في " الدبكة " يلحظ هذا الشيء بشكل لافت، ولذا نجد – على سبيل المثال – أن المقالات والأبحاث الفرنسية عند حديثها عنها - كأحد الفنون الشعبية للمنطقة - استعملت التعبير التالي: Frapper le sol fortement، ويعني: ضرب الأرض بقوة.

وأكثر من ذلك فإن الدّبّيكة – وهم المشاركون بالدبكة – لا يكتفون بضرب الأرض بقوتهم الجماعية، بل إنهم يقتربون منها وينزلون إليها ويلمسونها بين الحين والآخر.

لا تبدو لي هذه الإيماءات عفوية أو سطحية خاصة إن قرأنا البيئة التي احتضنتها منذ زمن بعيد، فأبناء بلاد الشام يمارسونها على اختلاف أديانهم وطوائفهم، ويشبكون أيديهم مع بعضهم، يرفعون رؤوسهم بنفس اللحظة، ويضربون أقدامهم بأرضهم في اللحظة التي تليها، وكأنهم يُعلنون للعالم : هذه أرضنا جميعاً ولن نتخلى عنها.

 

لست أكتب هذه الكلمات لأسوّق للدبكة، ولكنا ترانا بأمس الحاجة اليوم لنعثر على الخيوط التي نسجت تلك الخيمة الكبيرة فعشنا تحت ظلّها مئات السنين إن لم تكن آلاف السنين، قبل أن يُصيبنا داء التصحّر البشري الذي بدأ اليوم يفرز أبناء الأرض الواحدة على أسس طائفية وعرقية!.

لقد ثمة أسباب كثيرة تجعل ارتباط سكان بلاد الشام بأرضهم يفوق التوقعات، فالصراع الخارجي القديم والجديد على هذه الأرض، ومنافسة سكانها الأصليين على أرضهم، و قدسية تلك البقاع ومكانتها، وخصوبة تربتها وغناها بالخيرات، كل ذلك يدفع أهلها للتمسك بها أشدّ من غيرهم، وينمّي فيهم الإصرار على البقاء فيها، والتعبير عن ذلك بشتى الوسائل حتى في أفراحهم ومناسباتهم.

 

خلال السنوات الثلاث الأخيرة حضرتُ عدة أفراح لإخوة وأصدقاء من فلسطين الحبيبة، جُلُّ الشباب كانوا من أبناء الجيل الثالث الذين لم يولدوا في فلسطين، ولا زاروها ولا حتى مرُّوا بجوارها، وكذلك آباؤهم والبعض منهم ولا حتى أجدادهم، إلا أنه ومع كل هذا لم يتمكنوا من إخفاء إنتماءهم لأرضهم ووطنهم، فحملوا علم فلسطين والكوفية الفلسطينية – التي باتت تحمل معانٍ وطنية أكثر من كونها مجرد زِيّ - ورقصوا الدبكة على أنغام:

علَّ الكوفية علَّ و لولح فيها.

صورة مشابهة في المشهد السوري، فبعد ست سنوات من الدمار والقتل، واضطرار مئات الآلاف من الشباب إلى مغادرتها مكرَهين، ومع عدم القدرة على التكهّن بنهاية ما، ومع أن الكثيرين قد وجدوا فرصاً ربما لم تكن ستتاح لهم في بلدهم، إلا أنهم لا يزالون  يحِنّون لأرضهم ويذرفون دموع الشوق والأسى إن شاهدوا صورها أو سمعوا أغنية: جميلةٌ وأحبُّها واسمها شآم.

ناهيك عن الرسائل والمشروعات التي يقدمها الكثيرون منهم – عن بعد - خدمة لبلدهم.

 

إن انتماء الشخص لأرضه ووطنه وتعبيره عن ذلك شيء فطري أودعه الله في قلب وعقل كل إنسان، بل إن حرص الشخص على أرضه وإدراكه أهمية أن يـُمسك بها مع كل الذين يشاركونه ترابها هو ضرورة لاستمرار الحياة وإعمار هذه الأرض بالمفهوم الواسع، وما تلك الحالات التي يتنازع فيها الجيران إلا مطبّات اجتماعية لا ينتج عنها سوى الخراب.

قد تتعدد المسميات التي تطلق على العلاقة بين الإنسان ووطنه ومن يشاركونه فيه، فسمِّها إن شئت انتماءً أو وطنية أو ارتباطاً ولكن ما يهمّنا هو المحافظة على هذه العلاقة متماسكة مترابطة وقوية؛ لأن المساس بها أو تشويهها لن يأتي بخير؛ فصلة الإنسان بأرضه ووطنه لا تنفك حتى وإن اغترب عنها سنين، وأما إن ساءت صلته بمن يسكنون معه عليها – مهما اختلفوا عنه في الدين أو العرق – فإن الأرض ستبتلعهم جميعاً.

نعم إن تجاهل الاختلافات والخصوصيات لا يقل سوءاً عن التعصّب لها، ولكن بالمقابل فإنه لا سبيل إلى الوقاية من شرور التجاهل والتعصب إلا بإسقاط أية دعوة تجعل من المذهب أو الطائفة أو العرق سبباً لكسر الرباط بين الإنسان وأرضه، وبين الإنسان وجاره مهما اختلف عنه، أما تبنّي تلك الدعوات وتأييدها فهو سعايةٌ تهزُّ استقرار الأرض وتفرّق بين أبناءها، وتُفضي إلى هلاك الحرث والنسل قال تعالى: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ ( سورة البقرة: 205).

 
 
 
 

علِّق