عدد القراءات: 8462

عداء المفاهيم، والفهم المُعادي... الحرية مثلاً


عندما نقرر عمل حمية بهدف إنقاص الوزن، أو عندما نفتش عن طريقة لإتقان لغة أجنبية، فإنه من الطبيعي جداً أن نبحث عن شخص تعرض لمثل هذه العقبة وتخطّاها بنجاح.
وهنا يطرح الكثيرون السؤال التالي: هل اتباع نفس الخطوات التي قام بها ذلك الشخص الناجح يؤدي إلى نجاحنا؟. الجواب المعروف طبعاً: لا، وذلك لأن لكل جسم طبيعة ولكل تجربة ظروفها، بل ربما ترتب على اتباع تلك الخطوات أضراراً أخرى غير التي نعاني منها.

يبدو الجواب (لا)  سطحياً ومختصراً، لأن مقومات النجاح كالإرادة والمثابرة واحدة لا تتغير، وعوامل الفشل كالكسل وعدم تنظيم الوقت أيضاً واحدة لا تتغير، بالإضافة إلى أن تشابه الظروف ممكن جداً وبالتالي يصبح احتمال النجاح مرتفعاً، فالجواب الموضوعي يتطلب إذاً فهماً شافياً لخطوات النجاح وظروفها قبل تقرير اتباعها أو رفضها.

 

من البدهيات أن الإنسان عدو ما يجهل، ومعاداة الأفكار والمفاهيم نتيجة طبيعية عندما نهتم بعناوينها أو بالجهة الصادرة عنها أو عندما نتبنّى قناعات غيرنا دون أن نبذل جهداً ذاتياً لفهمها على حقيقتها بعيداً عن أي مؤثر خارجي.
يمكننا القول بأن التبعية الفكرية هي من أبرز أسباب معاداة المفاهيم والأفكار، ومهما كان الحق واضحاً كالشمس فإن مجاراة الرأي العام وتصديق وسائل الإعلام وتأييد ما هو دارج بين الناس يبدو في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من الحق نفسه، قال تعالى:  ﴿ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ (المائدة:104).


في ظل هذا الواقع الأليم الذي يعيشه المسلمون – شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً -  يجب أن نعترف أنه ثمة خطأ ما حتماً، هذا الخطأ ليس من السهل العثور عليه وبالتالي على حل له، فالأزمات التي نعيشها معقدة ومسنّة، إلا أنه ليس مستحيلاً، لا سيما لو نظرنا يمنة أو يسرة نحو أمم نجحت في تخطي أزمات تشبه كثيراً ما نمر به.
لو تأملنا في حال البلاد المتخلفة لوجدنا أنها تشترك بمظاهر هي عكس تماماً المظاهر المشتركة بين الدول المتقدمة، الأمر الذي يستدعي حتماً وجود علاقة سببية بين تلك المظاهر وبين حالة البلد ، ولعل الحرية تحتل المرتبة الاولى في ذلك التفاوت.
في البلاد المتخلفة لا يفتح المواطن فمه إلا عند طبيب الأسنان، فالفضاء الحر عندنا بالكاد يكون موجوداً، بينما في البلدان المتقدمة فإن للحرية مكانة أخرى.
النظرة السلبية لمفهوم الحرية ليست قاصرة على الأنظمة القمعية التي تعاني من حساسية مفرطة تجاه الحديث عن الحرية فضلاً عن ممارستها، بل إن المجتمع الشرقي عموماً لا يتقبل كلمة (الحرية) لاعتقاده أنها تتعارض مع القيم والمبادئ الدينية،  وفي الحالات التي يتمرد فيها مجموعة من شبابنا على تلك القيم الدينية فإنهم يفهمون الحرية فهماً أعوج يعادي المجتمع.


ما من شك أن الحرية هي أحد عوامل نهضة الغرب الحديث اليوم، وهي التي كانت أحد عوامل نهضة العرب والمسلمين من قبل، لكن عن أية حرية نتحدث؟.
في كتابه المميز (حول الحرية) يتناول الفيلسوف البريطاني (جون ستيورات مل) المتوفى سنة 1873م تحديد مفهوم الحرية وأبعاده على صورة تزيدنا فهماً لما يطبقه اليوم العالم الغربي، وفيما يلي سأورد بعض عباراته وأفكاره:

الرأي العام: حماية الناس من اعتداء الرأي العام ضروري مثل حمايتهم من الاستبداد السياسي. ص12
فعل الواجب الاجتماعي: الفرد قد يلحق الأذى بالآخرين ليس من خلال أفعاله فحسب بل من خلال كفّه عن القيام ببعض الأعمال أيضاً. ص24
حد الحرية: الحرية هي إطلاق العنان للناس ليحققوا خيرهم بالطريقة التي يرونها طالما كانوا لا يحاولون حرمان الآخرين من مصالحهم. ص27.
القمع يدفن الحق: لو أن الناس جميعاً اجتمعوا على رأي واحد وخالفهم في ذلك فرد بعينه فليس هناك ما يبرر إسكات الناس لهذا الفرد... فإن كان ذلك الرأي صائباً فهم قد حُرموا من فرصة يستبدلون فيها الحق بالباطل، وإن كان خاطئاً فإن الناس سيُحرمون من فرصة تزداد فيها معرفتهم للحق بشكل واضح حيوي نتج عن مقارنته بالخطأ. ص33-34.
حماية الحق: دعاة الحق ينبغي أن يكون لديهم قوة تقف في وجه الاضطهاد حتى لا يقضي عليهم. ص57.
سبب التخلف: سبب عدم التقدم والاستمرار على نفس منوال التخلف هو فقد حرية التعبير التي تؤدي إلى فرز أفكار ومفاهيم جديدة. ص64.
الهدف من إطلاق الحرية الفكرية: ليس الغرض الأساسي من إطلاق الحرية الفكرية هو تكوين كبار المفكرين بل الغرض هو إيجاد شعب حر التفكير. ص66.
كيف نصل إلى الحقيقة: ما دام العقل البشري لم يبلغ مرتبة الكمال فلا سبيل إلى الحقيقة إلا عن طريق اختلاف الآراء. ص94.
مسؤولية الفرد الحر: الفرد مطالب بأن يتحاشى الإضرار بمصالح الآخرين وأن يتحمل نصيبه من التضحيات التي تقتضيها حماية المجتمع أو أعضاءه من الأذى والاعتداء. ص125.
مسؤولية المجتمع الحر: على المجتمع أن يسلك سبيل تقويم أفراده قبل أن يخطؤوا، الجيل الحاضر يملك في يده مستقبل الجيل القادم. ص137.

لا داعي للقلق تجاه أي مفهوم جديد، ولا داعي للخوف من أي فكرة كائناً من يكون قائلها، فموقفنا تجاه ذلك لا بد أن يكون مبنياً على الفهم الصحيح حتى لا نعادي شيئاً ربما يكون حقاً، وبنفس الوقت حتى لا يشذ تفكيرنا وننقلب إلى أعداء لمجتمعنا.

 

علِّق