No votes yet
عدد القراءات: 20101

في سوريا، نشطاء مدنيون يحملون مفاتيح المستقبل

الكاتب الأصلي: 
Jomana Qaddour
تاريخ النشر: 
21 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: تجمع للمتظاهرين في ساحة في بلدة الزبداني الجبلية في سوريا للاحتجاج على النظام السوري في عام 2012 الصورة لأسوشيتد برس.

 

في 15 آذار 2011 أي قبل ستة أعوام خرج الشعب السوري إلى الشوارع مطالباً بحقه في عيش حياة حرة وكريمة. وطالب بحرية التعبير والتجمع. أراد الشعب أن يكون قادراً على التقدم الاقتصادي دون الحاجة لإثبات ولائه لحكم الأقلية الذي يمثله الرئيس بشار الأسد.

أدت الوحشية التي اتسمت بها هذه الحرب إلى تقوية القوى الأكثر تطرفاً بشكل متزايد وبحلول عام ٢٠١٣ كانت الحركة  الإسلامية المتطرفة قد نجحت في اختطاف الثورة السورية المشروعة. واليوم يستحوذ تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية على اهتمام العالم بأعلامهم المثيرة للرعب وحملاتهم الإرهابية العابرة للحدود والقتل الهمجي العلني. ويبدو أن الرأي العام العالمي قد تقبل إلى حد كبير أن الخيار الوحيد في هذه الحرب هو بين الأسد والمتطرفين. لكن لا تزال هناك قوة ثالثة في المجتمع السوري تحاول الصمود بالرغم من محاولات النظام والجهاديين بالتعتيم عليها بشكل كبير بأفعالهم إنها حركة المجتمع المدني السوري.

حققت مجموعات المجتمع المدني السوري المستحيل على مدى السنوات الست الماضية بالرغم من عملها في ظروف يائسة حيث أنشأت هذه المجموعات مؤسساتٍ للحكم الذاتي ومدارس متحررة من المبادئ البعثية المنتشرة في المناهج المدرسية المعتمدة من قبل الدولة كما نظمت خدمات مجتمعية كتنظيف الشوارع وزراعة الحدائق. حتى أن هذه المجموعات المدنية قامت ببناء صرف صحي خاص في المناطق التي قطعت فيها الحكومة إمدادات المياه لمعاقبة المعارضة. وقد منحت هذه المنظمات الشعب السوري منفذاً لمواصلة نشاطاته بالوسائل السلمية ووفرت له الأمل والعلم والشعور بالانتماء كسلاح بديل عن البنادق والرصاص لمكافحة الاستبداد.

 

وقد صدّق العالم الفكرة الخاطئة القائلة بأن الحروب تُكسب في ساحات الوغى، لكن مجموعات المجتمع المدني تشن حرب الأفكار المستدامة والبناءة في سوريا. فبدلاً من مطالبة السوريين بالعيش في ظل الولاء الكامل للنظام البعثي تشجع هذه المؤسسات المواطنين على الترشح لمنصب محلي أو على الانخراط في عملية التفكير النقدي لتطوير التعليم. أمثال هذه المبادرات المحلية لم تكن لتطرح أثناء حكم البعث. ونتيجة لذلك فقد أصبح العديد من السوريين أخيراً قادرين للمرة الأولى على الأخذ بزمام أمور حياتهم.

لن أنسى ما حييت الأيام الأولى للثورة، تحضرني بقوة صورة غياث مطر وهو يمرر زجاجات الماء للجنود السوريين الذين أُمروا بقتل المتظاهرين السلميين في بلدة داريا، وهذه النشاطات هي التي جعلت الناس يدركون قيمة حركة اللاعنف السوري والتي أفخر بأني إحدى أعضائها الناجين من الموت رغم جهود النظام والمعارضة المسلحة لقمع هتافات الحرية.

ولدينا من الأمثلة الكثير فهناك أيضاً ناشطان شجاعان هما ميمونة العمار وأسامة نصار وقد ساعدا على إنشاء مركز لتوثيق الانتهاكات وهو عبارة عن منظمة لجمع الأدلة عن حالات الاعتداء أو الاعتقال أو القتل. وهي مهمة بالغة الصعوبة في مجتمع يعاني من ويلات الحرب. كما قدمت شبكة الحراس لحماية الأطفال التي تعمل أيضاً في الغوطة الشرقية خدمات الدعم التربوي والنفسي والاجتماعي لأكثر من 18.000 طفل في العام الماضي فقط. وقد أنقذت مجموعة "القبعات البيضاء" إحدى مجموعات الدفاع المدني أكثر من 78 شخصاً وأصبحت موضوعاً لأفلام مرشحة للأوسكار. وهناك أيضاً الطبيب البطل عبد السلام ضيف من منظمة سوريا للإغاثة والتنمية (وهي منظمة شاركتُ في تأسيسها) والذي يتنقل أسبوعياً بين حلب وإدلب لتوفير المساعدات الطبية لضحايا القصف المستمر للبراميل المتفجرة. وهذا غيض من فيض والقائمة تطول.

وعلى مدى السنوات الماضية تواجهت هذه المؤسسات بشكل مباشر مع جماعات مسلحة، ففي تموز 2016 على سبيل المثال احتجت منظمات المجتمع المدني على قطع رأس مراهق على يد أعضاء من جماعة نور الدين زنكي وهي جماعة متمردة مسلحة تلقت دعماً من الولايات المتحدة في السابق، ورداً على الغضب العام أُجبر المتمردون على إدانة عملية القتل.

 

لا شك لدي أن معظم السوريين سيقفون بجانب هذه المنظمات إذا توفرت لهم الفرصة. فهؤلاء الناشطون لم يستسلموا وبسبب عملهم النبيل غدوا مستهدفين من الدولة الإسلامية والنظام على حد سواء بغرض تصفيتهم وعزلهم وسجنهم.

ولسوء الحظ فإن مستقبل هذه المنظمات في خطر ليس فقط بسبب أعدائها في الداخل بل لأن بعض هذه المجموعات تعتمد في تمويلها على الولايات المتحدة والأمم المتحدة والحلفاء الأوروبيين ومن المحتمل أن ينقطع هذا الدعم قريباً.

وهذه الخطوة ستكون في غاية الغباء فهؤلاء الناشطون هم الذين سينقلون إرث الثورة إلى الجيل القادم وسيأخذون زمام المبادرة لإعادة بناء المجتمع حتى يتمكن خليط من مختلف الديانات والمعتقدات والأعراق من العيش تحت علم واحد مرة أخرى. فلن يتمكن الأسد من توحيد سوريا مرة أخرى لأنه لا يملك الشرعية الأخلاقية لذلك بينما سيتمكن القادة والنشطاء في المجتمع المدني في سوريا من ذلك، وسيحققون لسوريا انتقالها نحو الديمقراطية فهذا ما يشغلهم منذ اندلاع الحرب. دعونا نساعدهم على تحقيق ذلك.

 

----------------

الكاتب:

جمانة قدور (Jomana Qaddour ) محامية أمريكية سورية شاركت بتأسيس منظمة سوريا للإغاثة والتنمية

 

علِّق

المنشورات: 73
القراءات: 547797

مقالات المترجم