No votes yet
عدد القراءات: 4441

شباب داريا يقيمون مكتبة سرّية تحت القصف تضم كتباً كانت مخفيّة - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Fiona Macdonald
تاريخ النشر: 
25 آب (اغسطس), 2016
اللغة الأصلية: 

 

العنوان الأصلي: مكتبات التاريخ الدفينة

بعد توارد أنباء عن اكتشاف غرفة للقراءة تحت الأرض في دمشق، استطلعت كاتبة المقال "فيونا ماكدونالد" المكان الذي يحتوي على كتابات كانت مخفية لعقود.

في مكانٍ ما تحت شوارع إحدى ضواحي مدينة دمشق، يحملُ صفُ من الرفوف كُتُباً جرى إجلاؤها من تحت أنقاض المباني المُدَمَرة، حيث جمع المتطوعون على مدار الأعوام الأربعة الماضية وخلال فترة حصار "داريا"، 14 ألف كتاب من المنازل التي دمرها القصف. و يحتفظ المتطوعون بهذه الكتب في مكانٍ سري وسط مخاوف من استهدافه من قِبلِ قوات نظام الأسد والميليشيات الداعمة له، هذا ويتعين على الزائرين تفادي قذائف ورصاص جنود النظام إذا ما أرادوا زيارة هذه المساحة المخصصة للقراءة تحت الأرض.

وجرى إطلاق اسم "المكتبة السورية السرية" على هذا المكان الذي يراه الكثيرين بمثابة" ثروة حيوية ". وفي حديثة ل،" بي بي سي"، يقول "عبد الباسط الأحمر" وهو زائر مواظب للمكان " يمكنني القول أن هذه المكتبة ردَت إليَ حَياتي، وأود القول أن "الطعام غذاء للجسم و القراءةَ غذاء للروح".

" عالم الحضارة الفرنسي "باول بيليوت" يقرأ المخطوطات في كهف مكتبةٍ في "دونهوانج"

 

وعلى أطراف صحراء "غوبي" الصينية، تنتشر شبكة من المزارات في منطقة " دونهوانج" وتسمى بـ "كهوف بوذا الألف". كانت هذه المزارات مخفية عن الأنظار حوالي ألف عام تقريباً. في عام 1900، اكتشف الراهب الطاوي "وانغ يوانلو" وهو حارس غير رسمي للكهوف، البابَ المخفي الذي يقود لحجرة مليئة بالمخطوطات التي يرجع تاريخها من القرن الرابع إلى الحادي عشر.

بعد أن اتصل "وانغ" بها، لم تبدِ السلطات المحلية اهتماماً بالغاً بالوثائق، بيد أنه انتشرت أخبار الكهف المُكتَشَف، ونجح "أوريل ستين" المُستكشف الهنغاري بإقناع "وانغ" أن يبيع حوالي 10 آلاف مخطوطة. وتوالت زيارات الوفود المختلفة من فرنسا وروسيا واليابان، حيث تم نقل معظم النصوص القديمة خارج الكهف. ووفقاً لمجلة "نيويوركير" أنه في العام 1910 وعندما أمرت الحكومة الصينية بنقل ما تبقى من الوثائق إلى "بكين" فإنه لم يم يُنقَل سوى خُمسها.

 

ورغم ذلك، يمكن الآن مشاهدة العديد من الوثائق الأصلية. هذا وتم في العام 1994 إطلاق مبادرة لرقمنة مجموعة الوثائق تلك. وبحسب مجلة "نيويوركير"، فإن مشروع " "دونهوانج" الدولي والذي ترعاه المكتبة البريطانية بالتعاون مع شركاءها في عموم أنحاء العالم، سَيُتيحُ للمتعمقين بدراسة الأرشيف تفحُص أقدم خريطة كاملة للنجوم في العالم، فضلاً عن قراءة  صلوات باللغة العبرية كتبها تاجر في طريقه من بابل إلى الصين، واستعراض رسمٍ لقديس مسيحي بمظهر "البوديساتفا"، ناهيك عن الاضطلاع على عقدٍ لبيع فتاة مستعبدة لتغطية ديون  أحد تجار طريق الحرير، و تقليب صفحات كتاب عن العَرافة مكتوب بالأبجدية الرونية التركية.

الجدير بالذكر أنه لا أحد يعلم لماذا تم إخفاء الكهف. بدوره، يقول المستكشف "ستين" أن إغلاق الكهف إنما هو طريقة لتخزين المخطوطات التي لم تعد تُستَخدم لكنها ذات أهمية كبيرة لا تسمح بإتلافها، كنوعٍ من "النفايات المقدسة"، بينما يرى عالم الحضارات الفرنسي " باول بيليوت" أنه جرى إغلاق الكهف في عام 1035 عندما غزت إمبراطورية الـ "شي شيا" "دونهوانج"، أما العالم الصيني "رونغ شي نيانج" فقد رجح أن يكون سبب الإغلاق هو مخاوف من غزو  القراخانيين الإسلاميين، ذاك الذي لم يحصل أبداً.

وبغض النظر عن سبب الإبقاء على إخفائها، إلا أن محتويات الكهوف قد غيرت مجرى التاريخ منذ اكتشافها على مدار القرن الماضي. إحدى وثائق "دونهوانج" وتدعى " سوترا الماسية" هي عبارة عن عمل بوذي مقدس. ووفقاً للمكتبة البريطانية فإن تاريخ المخطوطة الموجودة في الكهف يرجع إلى عام 858 وهي أقدم كتاب مطبوع في العالم كان قد حافظ على وجوده.

وهذا يذكرنا بأن الورق والكتابة لم تنشأ في أوروبا ، وتقول "النيويوركير" ظهرت الكتابة كشكلٍ من الصلوات حيث تأتي كرديف لتدوير عجلة الصلاة أو تعليق مُذَكرة على الحائط الغربي لمدينة القدس، ولكن على نطاق صناعي

 

جناح وصلاة:

جرى اكتشاف موقعٍ  سريٍ آخر لنصوصٍ دينية منذ أن تأسس في العام 1612، غير أن ذلك لم يمنع كونه محل اهتمام نظريات المؤامرة.  ويرجع تاريخ ميزة المراسلات البابوية في الأرشيف السري للفاتيكان إلى أكثر من ألف عام، كما ظهرت هذه المراسلات في عمل " الملائكة والشياطين" لـ" دان براون" حسبما أكد عالم رموز في جامعة "هارفارد"، للمتنورين. وتحتوي المجموعة التي تمت إشاعتها جماجماً غريبة  وتوثيقاُ لسلالة "عيسى المسيح" وآلة للزمن بناها أحد الرهبان البندكتيين بحيث يتسنى له العودة بالزمن وتصوير حادثة صلب "المسيح".

وفي محاولة لتبديد الأسطورة، تم فتح الباب أمام حرية الوصول إلى هذه الوثائق خلال السنوات الأخيرة، حيث أُقيم معرضُ للوثائق من الأرشيف في متاحف الكابيتول في روما. في البداية، سمح البابا "ليو الثالث عشر" وبحذر شديد لعلماء تم فحصهم، بزيارة المتاحف عام 1881، ويمكن اليوم للباحثين دراسة العديد من تلك الوثائق بالرغم من أن تصفحها ممنوع. إن كلمة "secret""  وتعني "السر" مشتقة من مفردة ""Sectrum" اللاتينية والتي هي أقرب بالمعنى إلى كلمة "private"" وتعني "خاص". ومع ذلك، تبقى مجالات الأرشيف خارج المُتناول.

هذا ولا يسمح للعلماء بالنظر في أي أوراق "بابوية" منذ العام 1939، عندما أصبح  المثير للجدل "بونتيف بيوس" الثاني عشر بابا للفاتيكان حيث تم منع الوصول إلى قسم الأرشيف المتخصص بالأحوال الشخصية للكرادلة ابتداءً من العام 1922.

يقع جزء من الجناح في قبوٍ إسمنتي خلف كنيسة " القديس بطرس"، حيث يعكف حراس سويسريين وضباطاَ من قوات الشرطة الخاصة في الفاتيكان، على حماية المحفوظات. تعزز هذه المحفوظات من قوة الكلمات التي بداخلها. فبالإضافة إلى المراسلات بين الفاتيكان وشخصياتٍ مثل " موزارت" و "إيراسموس" ، "شارلمان" ،"فولتير" و "هتلر"، يضم أرشيف المحفوظات طلب الملك "هنري الثامن" إلغاء زواجه من " كاترين اراغون". وعندما رفض البابا "كليمينت السابع" هذا الطلب، طَلَقَ الملك "هنري" زوجته، بل وحرض على قطيعة روما مع الكنيسة في إنكلترا . كما ويحتوي الأرشيف على مرسوم البابا "ليو العاشر" عام 1521، في تكفير " مارتن لوثر" ، فضلاً عن نسخة من محاكمة "جليلو"  بتهمة الإلحاد مكتوبة بخط اليد، ورسالة شكوى من " مايكل أنجلو" لعدم تلقيه مستحقاته لقاء عمله في كنيسة "سيستين".                                                                                                                   
 

لَبِنَةُ أُخرى في الجِدار:

لا يحميها حراس مسلحون بقدر ما تفعل قرون النسيان، هي مجموعة  مخطوطات في مصر القديمة والتي كانت تُعرف بـ"الفسطاط"، تُرِكت هذه المجموعة وحيدة حتى تَوَصَل أحد اليهود الرومان إلى اكتشاف أهميتها. وصف "جاكوب سافير" المخبأ ومحتوياته في كتاب عام 1874، ومع ذلك، لم يُعرف أمرَ هذا الكنز على نطاق أوسع  حتى عام 1896 عندما أرت الأُختين التوأم الاسكتلندي "اغنيس لويس"  و "مرغريت جيبسون" بعض مخطوطات المخبأ لزميلها في جامعة "كامبريدج" "سولومون سيشتير".  كان حوالي 280 ألف جزء من المخطوطات اليهودية مُخبأ في جدار دير "بين إيزرا"،ثم أصبحت هذه المخطوطات تُعرَفُ باسم " أرشيف القاهرة". وبحسب القانون اليهودي، لا يمكن رمي أي مخطوطة تحوي اسم"الله"، وأما تلك التي لم تعد تُستَخدم، فإنه يتم تخزينها في منطقة دير أو مقبرة حتى يُصار لدفنها. ويُعرَفُ المخزن باسم " genizah  " والمُشتق أصلاً من الكلمة العبرية والتي تعني "إخفاء" ثم صارت تعرف لاحقاً باسم "الأرشيف".

على مدار ألف عام، أودعت الجالية اليهودية في "الفسطاط" نصوصها في المخزن المُقدَس. ولم يتم المساس بأرشيف القاهرة. وتقول مجلة "نيويوركير" أن اليهود في العصور الوسطى كانوا نادراً ما يكتبون أي شيء على الإطلاق إن كانت رسائل شخصية أو حتى قوائم تسوق، من دون الإشارة إلى "الله". وتتابع المجلة: " نتيجة لهذا فإنه لدينا صندوق بريدي مُجَمَد لحوالي 250 ألف جزء تُشَكِلُ أرشيفاً لا نظير له للحياة في مصر بين القرنين التاسع والتاسع عشر.

و تَحَدَثَ " بين كوثوايت" رئيس أبحاث الأرشيف في جامعة كامبريدج، للمجلة عن مدى أهمية مجموعة أرشيف القاهرة للعلماء. وتابع "كوثوايت": " ليس من الغُلو الحديث عن الأرشيف كما لو أننا أعدنا كتابة ما نعرفه عن اليهود والشرق الأوسط والمتوسطي في العصور الوسطى".  

وتكشفُ أجزاء المخطوطات تلك أن التجار اليهود تعاونوا مع المسيحيين والمسلمين بحيث تمت معاملة اليهود بشكل متسامح أكثر من ذي قبل كما لم تعد المعاداة للسامية شائعة مثلما كان يُتَـَصَور. و يزداد إدراك أهمية هذه المخطوطات بشكل متسارع ، حيث شاركت في العام 2013 مكتبات جامعتي "اوكسفورد" و "كامبريدج" لجمع التبرعات بغية الحفاظ على سلامة تلك المخطوطات. يذكر أن هذه هي المرة الأولى التي عملت فيها مكتبات الجامعتين بهذه الصورة.

في هذه الأثناء، قال "دافيد أبولافيا" مؤلف كتاب "البحر العظيم" وهو كتاب يتحدث عن التاريخ البشري لمنطقة البحر المتوسط،أن وثائق أرشيف القاهرة هي كالأضواء الكاشفة التي تضيء الزوايا الحالكة لتاريخ منطقة البحر المتوسط كما وتسلط الضوء على حياة اليهود من مختلف جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والدينية، ليس فقط في مصر القرون الوسطى فحسب بل وحتى في أصقاعٍ بعيدة. ولا يمكن لهذا الأرشيف أن يُقارن بأي شيء  لا في أوروبا ولا في العالم الإسلامي، باعتباره مَصدر للتاريخ في القرنين العاشر والثاني عشر.

 

ما بين السطور:

في عام 2013، شرح مؤرخ العصور الوسطى، الهولندي "إيريك كواكيل" اكتشافاً ملحوظاَ قدمه طلاب في أحد صفوف جامعة "ليدين". يقول "ليدين" في مدونة تحت عنوان " أرشيف السطوح المخفية للقرون الوسطى ": " بينما كان الطلاب يتصفحون بشكل منهجي بقايا الكتب في المكتبة، وجدوا 132 من المذكرات والرسائل والإيصالات صادرة عن محكمة مجهولة في منطقة "الراين"، وكانت هذه الموجودات مخربشة على قصاصات من الورق وكانت مخبأة داخل علاف كتاب مطبوع في العام 1577.

وبدلاُ من كونها "نفايات مقدسة" أو أوراقاَ بالغة الأهمية،كانت هذه المخططات مثالاً على النفايات المُعاد تدويرها من قِبلِ أغلفة الكتب . وكانت عملية تدوير المواد المكتوبة في العصور الوسطى مناسبة متكررة الحدوث في ورشات العمل في مجلدات  بداية العصور الحديثة وكذلك الوسطى. و كتب " كواكيل" قائلاً: " عندما يتم تزويد كتاب طَبِع في العام 1577بغلافه، فإنه كان الموثق يمسك 132 ورقة من سلة مهملات زرقاء رطبة في الغالب ويقوم بصنعها على شكل لوحات من الورق المقوى .

وتعني هذه العملية أنه يمكن قراءة الكلمات التي لم تُقصدُ للأجيال القادمة اليوم. غن هذه القصاصات الورقية هي أولاً رائعة ببساطة لأنه نادراً ما تنجو أشياء صغيرة مكتوبة كهذه من مجتمعات العصور الوسطى. وهناك أماكن قليلة جداً حيث يمكن لهذه الأشياء أن تغفو بسلامٍ لعقود، يقول "كواكيل". هذا عندما بدأت الرحل الطويلة لهذه المخطوطات إلى عصرنا الحديث مثلما يتنقل المتسللين بين مطبوعات القرن السادس عشر.

إنها مجموعة نادرة للمؤرخين حيث تحتوي على إيصالات وطلبات للخَدَم وقوائم تَسَوُق. ويقول "كواكيل": " رسائل كهذه تُقَرِبُنا أكثر وأكثر إلى الحياة الحقيقية في ظل العصور الوسطى، إنها أيضاً أصوات العصور الوسطى التي لا نسمعها عادة وتلك التي تروي حكاية ما حدث على أرض الواقع.

كما أنها مجموعة يمكن أن تكون أكبر بكثير مما كان يُعتَقَد في السابق، هذا وطَوَرَ "كواكيل" تِقَنيةَ باستخدام الأشعة السينية للنظر تحت سطح اللوحات، ثم كشف عن المراحل الأولى من إنشاءها وتهدُفُ للرؤية من خلال أغلفة الكتب الهَشة. وفي أكتوبر من العام الماضي، بدأ بإجراء مسحٍ للكتب المطبوعة منذ زمن، في مكتبة جامعة "ليدن".

وفي مدونةٍ عن مشروع المكتبة المخفية، كتب "كواكيل": "رائعة هي هذه التقنية الجديدة بحيثُ تُرينا أجزاء من مخطوطات ونصوص من العصور الوسطى التي قد لا نراها أبداً لأنها مُخبأة خلف طبقة من الورق النفيس". وفي الوقت الذي تحتاج فيه هذه التقنية للتطوير والتحسين، فهي تُلَمِحُ لعملية قد تفضي إلى اكتشاف مكتبةٍ سرية داخل مكتبة. وتابع "كواكيل" :"قد نتمكن من التوصل إلى مكتبة مخفية من العصور الوسطى، في حال تَمَكُنِنا من الحصول على الاف من أجزاء المخطوطات المُخبأة في أغلفة الكُتُب.

 

 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 722333

مقالات المترجم