عدد القراءات: 5535

سوريا وابتلاء العسكر (1)

 

وضع الاستقلال السياسي بعد الحرب العالمية الثانية الأنظمة العربية المتولدة عنه، في مواجهة مع الغرب الاستعماري وأطماعه ومشاريعه، في ظل هيمنة أجواء الحرب الباردة وفي مواجهة أعباء نكبة فلسطين 1948التي شكلت زلزالاً قيمياً ووجدانيا وثقافياً على امتداد الساحة العربية ولاسيما سورية باعتبارها محور بلاد الشام الذي تشكل فلسطين جزءاً طبيعياً منه من جهة وباعتبارها تحولت إلى دولة المواجهة الأولى وأهم الدول التي تلقت موجات الهجرة بعد النكبة، فكان طبيعياً أن يرتفع نصيب العسكرة فيها، باعتباره الرد الوحيد القادر على مواجهة كل تلك التحديات، بعد أن خابت مراهنات العرب على الغرب وعلى القرارات الدولية للأمم المتحدة، وبعد أن رأت بأم عينيها مدى الحماية التي تتمتع بها إسرائيل المغتصبة من تلك الدول .

 

منذ شهر تموز 1945 بدأ التسليح الأولي للجيش السوري، بعد أن تمّ تسليمه بجميع ثكناته إلى الحكومة الوطنية من الفرنسيين، وكانت قد سبقت ذلك التسليم صدامات عنيفة بين المعارضة والسلطة بشأنه، كان أهمها معركة البرلمان 29 أيار 1945 وصولاً إلى عقد أول صفقة حقيقية لتسليحه رسمياً في كانون الأول من عام 1948 كان قد وقعها الوزير المفوض خالد العظم مع الحكومة الفرنسية ووصلت سوريا في شباط 1949 تحت حماية البارجة الفرنسية، حيث شكلت هذه الصفقة انتصاراً سياسياً للمعارضة عبر أبرز رجالها وأشدهم حماسة أكرم الحوراني، الذي كان دائم التواصل مع الضباط، للبحث في شؤون الجيش ودوره في إنقاذ فلسطين، اعتماداً على خطة متكاملة لتطويره قدمها في جلسة 15أيلول 1945 للبرلمان متهماً الحكومة بالإهمال في هذه المسألة الخطيرة، فقد كان واضحاً للحوراني أنّ شخصيات سياسية هامة في النخب التي تسلمت البلاد بعد الاستقلال، سواء من حزب الشعب أو الحزب الوطني وبعض المستقلين الواقعين تحت تأثير النفوذ البريطاني والفرنسي، والهاشمي العراقي لم تكن معنية بتقويته، بل كانت تلك النخب التي اعتمدت على نفوذها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي في المدن الرئيسية كمادة أساس لبناء سلطتها السياسية، ترى أنّ تقوية الجيش ودعمه بالإمكانيات البشرية والمادية، يخلق أساساً لمؤسسة قوية، تنتمي اجتماعياً إلى شرائح طبقية أقلّ شأنا منحدرة من أبناء الريف والطبقات المتوسطة والشعبية وأبناء الأقليات، مما يشكل خطراً حقيقياً على سلطتها، استمرت في المراوغة التهرب من مناقشة وضع الجيش متجاهلة مطالبة النائب أكرم الحوراني مدعوماً بكتلة من النواب، بضرورة إجراء إصلاحات عميقة  كي يصبح مؤهلاً لحماية أمن البلاد الداخلي والخارجي، حيث قال في ذلك : " الجيش السوري الحالي أنشأه الفرنسيون ، لا ليكون جيشاً يحمي البلاد ومصالح الأمة، إنما كانت غايتهم أن يقمعوا بوساطته كل حركة وطنية أو قومية تقوم في هذه البلاد... فألفوه فرقاً على أساس النعرات الطائفية والعنصرية، فكانت هناك قوى درزية وإسماعيلية وعلوية وأخرى شركسية إلى آخر ما هنالك" ... ولكن هذا لا يمنع من وجود " عناصر ممتازة جداً بين الضباط الموجودين في الجيش السوري الحالي، ومن الجنود أيضاً، وأريد هنا أن أشير إلى أن بحثي هذا إنما يرمي إلى تغيير الأساليب والوسائل التي اتبعها الفرنسيون في تأليف هذا الجيش."

 

 غير أنّ تلك النخب الانتهازية السياسية الحاكمة الخائفة على فتات الموائد الذي حظيت به، والتي عرقلت أي انتقال حقيقي إلى نظام ديمقراطي، لم تلبث أن قادتها مصالحها إلى تحكيم الجيش في شؤون البلاد، حيث سارع رئيس الجمهورية شكري القوتلي، نتيجة لعزلته الشعبية واتساع نفوذ المعارضة وحركة الإضرابات الواسعة، إلى مواجهة النقمة الشعبية بالرصاص، مما أدى إلى سقوط أعداد من طلاب الثانوية وطلاب الجامعة المتظاهرين، ثم ذهب إلى إعلان حالة الأحكام العرفية وتكليف الجيش بحفظ الأمن، ففي الثالث من كانون الأول سنة 1949 أمر شكري القوتلي حسني الزعيم رئيس الأركان أن يتدخل، ويضع حداً للاضطرابات الواسعة التي شملت سورية. ففرضت الأحكام العرفية وأغلقت المدارس وأخضعت الصحف لرقابة عسكرية تامة، وبدأ حسني الزعيم جولة في المحافظات، أدت إلى كبح التظاهرات وهيمنة النظام وكان لهذا النجاح الذي صنعه الجيش، في ضبط الأمن أثراً كبيراً في تهميش السياسة المدنية ومهد لأول انقلاب عسكري بقيادة حسني الزعيم، الذي سيتلوه سلسلة انقلابات انتهت إلى انقلاب حافظ الأسد عام 1970 وما جره ذلك هو ووريثه على البلاد والعباد من مآس كوارث تفوقت على كل أية كوارث وماس عرفها تاريخ البشرية برمته . 

علِّق