عدد القراءات: 1860

سوريا والحرب بين حراس القيم !

 

من المفارقات اللافتة، وبعيداً عما تتضمنه الأهداف المروّج لها في أيديولوجيات وإعلام الجهات السورية المتصارعة، من قيم نبيلة وعما فيها من ادعاء وازدواجية والتباس، أنه يمكننا أن نسمي حرب الجماعات السورية المواجهة للنظام السوري وحتى لفيف القوى الملتفة حول النظام ذاته بالحرب بين ( المثل المتضاربة، أو بين حراس القيم) وما ذلك إلا لأنّ كلّ منها، يتحدث عن مفاهيم ومبادئ وأهداف، لا ينقصها نبل المقصد لفظاً وسمو الغاية معنى، وفقاً لمضمون دعايتها ولخطابها الإعلامي المتساند على سردية مظلومية، تلوّنها كل فئة وجماعة بلونها الخاص، حتى لتكاد تكفي القيم والفضائل المدعاة في كل فئة، لإقامة جمهورية فاضلة عريضة معلقة بين السماء والأرض.

وبرغم أنّ الأكثرية باستثناء القوى الجهادية، لاتنقصهم الوطنية وغيورون على سورية، ويريدونه بلداً حراً موحداً سيداً مستقلاً، والكلّ يدافعون عن المواطنين الآمنين ويصونون أرزاقهم وأعراضهم ويحفظون كراماتهم، إلا أنّ الجميع للأسف أذاق المواطنين الأمرين، ووجد في صفوف عفيشة النظام ومتسلطيه وقتلته من هم أشدّ هولاً من جيش هولاكو، ووجد أيضاً في صفوف بعض القوى المسلحة الأخرى، ما يقارب أو يشابه هذا من مصائب وفساد واستبداد وفوضى، ومن هنا ظهر أمثال ( أبو خالد حياني ) وأشباهه وصاروا أمراء حرب حقيقيين باستبدادهم وفسادهم وانفلاتهم من كل ضابط أخلاقي، حتى تلك القيم التي تميز بين أخلاق المحارب وأخلاق الغزاة العارين، مما يجعلنا نسأل باستغراب واستهجان عن البنية الأخلاقية والآلية العملية التي، حولت من بعض مهمشي قرى، كانت مذ وجدت تحيط بمدينة حلب ولم تكن يوماً مصدراً لإمداد الساحة بقتلة محترفين وظغاة ونهابين ومغتصبين، مما يدفع لبعضهم إلى التشكيك ببنية المجتمع السوري، الذي كنا ولا زلنا، ندّعي أنه في طليعة البلدان العربية وعياً وتمسكاً بالقيم والفضيلة ودواعي الشرف والعفة !.

 

يشير الواقع إلى أن من هيمنوا على واجهة العسكرة في الفصائل المتباينة هم في غالبيتهم من مهمشي الريف مادياً ومعنوياً، وبعضهم قد وجد في الثورة فرصة مناسبة لإثبات وجوده، بعد أن عاش عمره تائهاً ضائعاً بلا وزن ولا شعور بكيانه ولا إثبات لهويته الوطنية والاجتماعية، على حين كانت أخلاقه الاجتماعية، لا تمنعه من قتل ابن عمه أو جاره في ساعة غضب حتى في حالات لا تستوجب مثل هذه النتائج الكارثية، التي تطلق الوحش من عقاله وتدفع لإفلات الهمجية من عقالها لتطول نتائجها حتى الرافضين لها والممتنعين على السير وفقاً لنزواتها الشريرة  وليتداخل ذلك كله مع العقل الثأري الموروث من مجتمع أهلي تقليدي يهيمن عليه الجهل وتتحكم به العادات، قبل أن يقطع أواصره مع قيم البدواة الأولية، لينضوي في دولة جامعة للهوية الوطنية، رغم امتلاك الجميع لأحدث أجهزة الاتصال وتشبههم بالعالم المتمدن. كما أنّ هذا العنف الذي بدا لي شديد الصلة بالعقل الذكوري، وهو عقل قد تجده في بعض نساء هذه الفئات أكثر تجذراً تصلباً من الذكور، بحيث تستطيع الأم أن تدفع بابنها لقتل الآخر، أو الأخذ بثأره منه،وإلا نفت عنه صفة الرجولة وهددته أنها ستقتله بيدها، ومن هذا الميل إلى إثبات الذات الفردية والقبلية عن طريق العنف والعنف المضاد، نشأت وبنيت القيمة المعنوية لأفراد هذه المجتمعات على مدى طويل، وليس على ما يملكونه من ثقافة وكياسة، ولقد كان هذا الوعي الانفعالي القبلي وهذا المناخ لمراحل زمنية مديدة مصنعاً للفتوات المنفلتة من كل ضابط قانوني أو قيمي أخلاقي، وكان من الطبيعي أن تغيب عنه القيم الوطنية الجامعة، فالفتوات تبدأ من ابن الحارة وتمتد إلى ابن القرية ثمّ ابن المنطقة، حيث يصعب عليه أن يتجاوز هذا المجال المحدد لحركته، لأنه يمثل الآخر المعتدي بالنسبة للحارات والمناطق الأخرى، ولكل الخارجين عن سيطرته ومهابته، وقد وفرت الحرب السورية الفرص الواسعة لانتشار لهذا النوع من الفتوات الجاهلة المعطوبة خلقاً ودينا، حتى وهي تدّعي التدين أو تمارس طقوسه تمسحاً وادعاء، وما حدث في حلب من بيع بالجملة وصفقات وارتهان للخارج يؤكد كل هذا العطب الأخلاقي الكبير !

وبناء على ذلك أضمر كثير من المقاتلين الذين برزوا كقادة لكتائب مقاتلة، لم تنضبط خلف أية رؤية منهجية أو تنسلك في سلك أية قوة عقائدية منضبطة، جوعاً مزمناً لاختراق المدينة وتمزيق أحشاءها وتعرية روحها وكشف أخلاقياتها، فوقعت صريعة بين أيديهم، وبات سكان المناطق الخاضعة لهم أو الموالية في هذا الحيي أو ذاك، محسوبة على هذا الفصيل المهيمن أو ذاك من دون أي رابط حقيقي يربطه به، اللهم سوى رابط الخوف والقلق وتوقع  الاعتداء في كل حين، ولاسيما أنّ الأمثلة الدامغة على محتلف التجاوزات كانت مشهودة وفي عرض الشمهد السوري وطوله!

 

كان طبيعياً أنّ تتبرأ الأخلاق الاجتماعية السائدة، وكذلك أخلاق الثورة والثوار من محاربين بصفة شبيحة، وأن تتنكر لهم عندما يتسنى لها، أن تعلن هذا بلا خوف من سوء العاقبة، وفي المقابل ألا تقع في مطبّ القبول بجيش النظام، ولا سيما أنه قدم أمثلة على التعفيش والاغتصاب والقتل ومختلف وسائل الانفلات والفوضى والاستبداد، فحين تكون السيادة لبندقية جاهلة أو مأجورة أو خارجة عن كل قانون وضابط أخلاقي، يكون السلاح كارثة على المواطنيين الآمنين قبل غيرهم، ومن هنا كانت الكارثة السورية التي أحاقت بالمدنيين أكبر بالقيياس مع كثير من الحروب، وذلك لأن التمترس بالمدن وأهلها، يحمل بحد ذاته بعداً خارجاً عن خلق المقاتل الساعي لحماية أهله ومجتمعه من أية فئة معتدية، لا أن يتحول هو إلى قوة اعتداء ويقدم سكانها الأمنيين كدروع بشرية، على مذبح مصالحه وأمنه وسلامته.

ما يثبت من الوطنية الصادقة، هو الانتماء إلى الشعب والتضحية في سبيل حمايته وصونه من كلّ أذى ومساعدته وتقديم الخدمات المعيشية والطبية ومختلف حاجيات مواطنه، أما من يعمم أخلاق التعفيش والنهب ويرتكب مختلف التجاوزات بحق المواطن، فلا علاقة له بالقيم الوطنية والأخلاقية ولاينتمي لهذا الشعب.

علِّق