عدد القراءات: 550

أقانيم الحرية .. أقنوم الطاغوت والعبودية !

 

ها نحن هنا في قرننا الواحد والعشرين، بكامل لياقتنا وهيبتنا بكامل موروثاتنا النبيلة والمرذولة، بكامل منظومة قيمنا، التي تبدو الآن وكأنها مجرد قيم لعصر بائد وأناس رمم، ويبدو لنا أيضاً أن هذا العصر الذي تغشي  أبصارنا من شدة سطوعه، يعمينا عن حقيقة أننا عشوائيون في خياراتنا وفي توجهاتنا، نحمّل بما تلقناّه من شيوخنا الدينيين وشيوخ شيوخنا العلمانيين والبين بين، بلا جهد ولا تمحيص لا وإعمال عقل، وكأننا والعقل على خصام أو فصام، أو كأننا لم نزل محكومين لردود أفعالنا وانفعالاتنا وهياج غرائزنا المنفلتة على العنف والهمجية وإلغاء بعضنا بعضاً !

المشكلة أننا لم نزل عالقين بدوامة تلك الشعبوية الهجّائية الانتقائية بلا علم الانتقائيين ولا وعيهم، بل بفعل ما ننطوي عليه من طواغيت عصابية انفصامية تتجاذب بين دعوة الداعين لها وسلوكهم اليومي، إذ لم يعد مستغرباً أن تستقى الفتاوي والتعليمات والعظات، من لحى ليس لها من الدين إلا مظهره، ومن ديمقراطيين أرونا الديمقراطية خياراً غريباً مقززاً، حينما دخلوا في مؤسسات سياسية وهيئات تتطلب اتباع الديمقراطية نهجاً واضحاً وسلوكاً يحتذى واعتمادها ثقافة وقيماً، وباعتمادها كقيم مدنية لا دينية بطبيعتها، لكونها أقصر السبل إلى بث القيم المنسجمة مع الدين كجوهر إيماني قيمي لا كطقوس وتهجّد، يهدف إلى خير الإنسان وطبيعة علاقاته مع أخيه الإنسان !

 

 

الحقيقة أنّ العقلانية بوصفها وسيلتنا الوحيدة للخلاص من العشوائية والشعبوية، وباعتبارها إحدى أعمدة العقل الذي أسس لحداثة الغرب وانطلاقتها الهائلة، لم تزل غريبة عن وعينا وسلوكنا، وذلك لأنّها لوثة عميقة في بنية عقولنا المتعالقة مع عنجهية العقل الشفهي والانفعالي القبلي( البدوي) وهي الأسرع إلى مواقف وتعبيرات الفعل ردّ الفعل، حتى قد تتحكم مفاعيله في عقول وتصرفات الكثيرين من مدّعي العلمانية والثقافة والمعرفة، فضلاً عن مجتمع القلابيات القصيرة واللحى، بوصفها رمزاً لعقل ووعي مغسولين ومجيرين، نحو وجهته الظلامية، حتى  ولو ابتعد عن الداعشية نهجاً وقاربها فهماً وسلوكاً اجتماعياً !؟

أما العلم وهو جوهر الحداثة ومهرها الغالي والنفيس، وأحد أهم ركائز التقدم والتطور في التقنيات والثقافة والتنظيم والخدمات وغيرها، فلم يزل في عقل حراس القيم هؤلاء ادعاء، فهم لا يقصرون في كيل المدائح له والتأكيد، على أنه علمنا وأس حضارتنا وقد اختطفه الغرب وبنى عليه، وعلينا استرداده لنبني عليه حضارة تطهّرية نقية بهية بريئة من كل دنس وفجور، متناسين أو متوهمين أنّ الحضارة ومسار الحياة مرهون للعقل الديني المهيمن، وناسين أنّ حضارة العباسيين والأندلسيين لم تكونا بريئتين من كل دنس وفجور، فالتاريخ والوقائع تشهد بأننا كغيرنا من الأمم، قد تفرّقنا درجة الوعي والمرحلة الزمنية وليس القيم الغيبية، وطبيعي أنّ هذا لا يعني ألا نفكر في بناء أس  حضارة عليها سماتنا وبنت عقولنا وأيدينا، ولكن لا يتوهمنَّ أحد أنها ستكون أكثر عقلانية أو علماً أو التزاماً بالقيم الدينية والأخلاق، مما نجده عند أرباب الحضارة اليوم، فسواء اكتشف الغرب أسّ الحضارة هذه، أم تبناها وأعاد ترتيبها وتبويبها وموضعتها في برامجه ومناهجه وخطط تنميته أو غير ذلك، سيكون علينا أن نؤكد أنه لن تقوم حضارة لا تأخذ بأسباب حضارة الغرب المرفوضة من العقل المغلق على عصبوية وأفكار مسبقة ناجزة، تجاه الغرب وحضارته وتجاه الديمقراطية والعلمانية و يزعجه أن يرى الغرب ليس مجرد ناقل أو مؤمن بالعلم فحسب، بل هو في لبّ كل نشاطاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية أيضاً، بمعنى آخر لا شيء عنده خارج العلم ووسائله وأبحاثه ونتائجه! 

 

 

حقّ لك أن تقول أو تدّعي أننا نحن دعاة العلم ونحن أهله قبلهم، وهل بنيت دولة للإسلام ورفعت راية له إلا بالعلم نهجاً ومعرفة وإيماناً أصلاً، فما بالك اليوم مأزوم من العلم وأهله وجاهز لتلغيمه وقتله، أ لأنه قادم من أهل كفر وليسوا مسلمين فلماذاً إذاً تستخدم كل تقنياته وإنجازاته الحضارية المبدعة ؟! أنا لا أدعوك إلا إلى الإيمان بالعلم واتباعه ثقافة ونهجاً وبالعقلانية التي تخلصك من عصابك ومن وساوسك وأمراضك، وتحررك من طاغوت إيمانك، الذي يصور لك الإيمان مجرد تسابيح وترديد أقوال دغمائية، فحتى آيات القرآن الكريم وسوره ذاتها ، تفقد خصوبتها وعظمتها في عقل مغلق على غيبياته أو تابع لشيوخ مرتزقة نحتهم شيوخ السلف، ليكونوا أصناماً في وجه الحداثة، ولغسل عقل الجيل الجديد الموزع بين ثوابتكم المتحجرة وعلم الغرب الدافع إلى كل ما هو جديد ومفيد للإنسانية !

 

لا أقارن ولا وجهة لي للمقارنة بين علماء نوروا العالم بالعلم، وفكّوا لنا رموز الفضاء وجسد الإنسان وعقله واتصالاته وخدماته وكل إنجازاته لتكون لنا ولأجيالنا من بعدنا، وبين ملتح يصرّ على جلد قيم الحضارة، فلكل مجاله ولكني أربأ بهذا المخطوف من زمنه، ألاّ يكون موضوعياً منصفاً وعقلانياً، فالحضارة حرية الاختيار والاستقلال ورفض للتابعية العمياء، ثم إذا اتهمتهم بالفسوق وهذا سلوك بشري ظهرت أمراضه في كل حضارة فليس درجة الظهور والسفور مرهون بما يحدده العقل الذكوري وحده، ولاسيما أنه الذكورية لم تزل عقلاً اجتماعياً سائداً عندنا، وقد تكون المرأة التقليدية أكثر حماسة له وللذود عنه !    

 

زبدة القول أنه من دون العقلانية، سنظل أسرى شعبوية طاغية في السياسة والدين وفي علاقاتنا مع بعضنا بعضاً، ومن دون العلم وثقافته ستظل الشفوية والجهل والعشوائية والتخبط طابع حياتنا، وسيظل تفكيرنا ضيقاً مرهوناً إلى هذه الإنشائية الغرائزية المشبعة بالعنجهية والإدعاء، أما الديمقراطية وهي أقنومنا الثالث المرذول عند أبناء قومنا المخطوفين وعياً ووسواساً إلى جنة، لا يعملون لها في حقل الإنسان ووعيه وممنوعاته ومرغوباته، بل في حقل الغيب والماورائيات، وأنهم كلهم يدّعون العلم والمعرفة وكلهم يفتي بما سمع ووعى، ولا يخطر بباله ولا بعقله المضغوط حدّ الانفجار، أن الفتوى بغير علم ضلالة وخطيئة، حيث يَشكِل الفهم على الفاهم فكيف بالمتفهمين الديّان !  

علِّق