عدد القراءات: 964

روسيا بين الهدف المجدي والانتصار المستحيل

 

لو كت محايداً أومحباً للروس، لصفقت مع المصفقين إعجاباً، بقدرة الديلوماسية الروسية على المداورة والمناورة ومغافلة الخصم والصديق وتسجيل هدف المفاجأة، كما سجلته في الجولة الرابعة من آستانا، بعد جولات متتالية ودؤبة، في حقل السياسات الدولية والإقليمية ومن خلفها ( على الريحة ) الدبلوماسيات العربية الرسمية وشبه الرسمية، الممثلة بالمفاوضين العسكريين السوريين، الذين لم يتوانوا عن محاولة إظهار أنفسهم كأصحاب كايريزما وأصحاب قرار، فهم لم يتوانوا عن الانسحاب والعودة، كأنّ الهام في حساباتهم، هو تسجيل الموقف وردود الأفعال وليس البناء على الشيء بمثله، بناء تراكمياً ومعرفياً، ليسند نتائج القادم على أسس وقواعد ما بناه بالماضي، فيغدو البناء هرماً، يمكن أن نسميه موقف المعارضة السورية أوالوفود العسكرية، حيث الجميع هنا ( كالعنزة البرشاء تحلب وتكبّ ما حلبته !)

 

في الآستانة كما في جنيف وغيرها، يقف الروس على تراث من دم السوريين ودمارهم وحصارهم وتشريدهم، ثمّ يعملون جادين للاستثمار الدبلوماسي والسياسي في ما ارتكبوه، وفي ذاكرتهم كروزني والحل في الشيشان، ولكنهم ينسون أن السوريين مهما تساهلوا وأبدوا مرونة، فلن تكون مرونتهم ترخيصاً للدم ولا تسامحاً مع المجرمين والقتلة، لذلك سيصطدمون بجدار، يقف حائلاً دونهم ودون ما يطمحون إليه، وما عملوا له، حتى قبل أن يغلقوا  ملف مشاركتهم في حرب النظام وجرائمه، متجاهلين أنه حتى اليد التركية الطيبة، والتي ساهمت باستجرار القوى المسلحة إلى الآستانة عاجزة، عن أن تليّن موقف عسكر الاستانة، مهما جاملوا وسايروا بناء على تقديرهم الموضوعي، لأهمية التصويب التركي المباشر وغير المباشر على أهداف، تحقق لها ما تصبو إليه من منطقة آمنة على حدودها، عبر منع قيام كيان كردي، تابع لحزب العمال الكردستاني المصنف كقوة إرهابية، وتحقيق منطقة آمنة تأتمر بأمرتها وتدار بإدارتها.

 

 يعتقد الروسي أنّ فوزه الذي أحرزه في وثيقة آستانة4 وما سمي مناطق ( خفض التوتر) قد جاء عبر تكتيكه الذكي، بتجميع النقاط في الجولات المتتابعة، عسكرياً وسياسياً، بعد دوران في فراغ الإفشال والتفشيل، لنتائج آستانا واحد واثنين، وغياب ممثلي هذه القوى عن الدورة الثالثة، حتى كانت آستانة تتويجاً لهذا الفوز، الذي يستحق عليه تصفيق الخصوم قبل الأصدقاء، ولكنّ هذا الذكاء المتأتي عن عقل عملاتي، فاقد للشعور بالبعد الآخر للنتائج الأولية، فاته أنّ كثيراً من الحبر أريق وكثيراً من المصادقات والتواقيع في جنيف وفيينا وفي غيرهما، لم تغيّر حرفاً واحداً في جوهر العملية التفاوضية، ولن تغير شيئاً إلآ إذا خرجت بالتغيير السياسي للنظام والانتقال إلى هيئة حكم انتقالية، وأن الزحف الدؤوب على مهام جنيف، لتفريغه من القوة المعنوية، التي يحتفظ بها  باعتباره، يعقد تحت مظلة الأمم المتحدة، حتى ولو كانت مظلة شكلية، بينما لا تحظى الآستانة بهذه الصفة، لن تخول روسيا بالاستفراد باللعبة، في غياب أو شبه غياب للدور الأمريكي المرتبك بحساباته وخياراته حتى الآن، ولن تحوّل جنيف إلى مجرد مكان للتوقيع على نتائج أعدت في الآستانة الرابعة، بعد رتق ثقوبها والالتهاء بتفاصيلها، تلك التفاصيل المسماة ( خفض الأعمال القتالية في المناطق الأربعة ) والحقّ أن نسميها ( نزع الأعمال القتالية من يد القوى (الثورية) والمعارضة وتفويض النظام والروس والإيرانيين بها، موزعة عليهم وفقاً لأماكن وقوة تواجدهم، لتبقى الرعاية الجوية الروسية للجميع ، ويبقى الجميع تحت إشرافها لتأمين التوازن المطلوب ومنع التقاتل بينهم، أو بمعنى آخر لجعلها خالصة لتحكم الروس والإيرايين، بينما يتمّ إلهاء الترك في منطقة حيوية لهم، تضعهم متحفزين جاهزين لقمع أية مبادرة كردية، تمس حدودهم ومصالحهم، وتحييدهم عن غيرها، إذ ربما كانت هذه الإمكانية هي النتيجة الوحيدة، التي خرجت منها تركيا مقابل سكوتها وتمريرها لثلاث مناطق أخرى، لكل من إيران وروسيا والنظام له شان فيها.

 

وباعتبار أنّ إيران هي  صاحبة الحضور الأقوى على الأرض، بينما تتمتع روسية بمظلة سماوية، قادرة على تحجيم الجميع وإيقافهم عند حدّ مصالحها الحيوية، فلا بأس عندها أن تكون إيران هي المشرفة على تخفيض القتال والوصاية عليه.

هكذا في آستانا 4 كشفت روسيا عن وجهها القبيح المكشوف أصلاً، وذهبت إلى ما بنت عليه لبنة فوق لبنة، ناورت وغافلت وانفردت بتسجيل الهدف الصعب، فنالت حرارة التصفيق من النظام المتابع والمؤيد، وإعجاب المحايد المتكئ على مقولاته السلمية تهرباً من مستحقات الصراع، وهو ديدن لقاء القاهرة وبياناتها المتكررة، لإنشاء جملة سياسة مفيدة، تعجب الروس وأهل النظام وجماعة الرماديين الملتفين برماديتهم حتى العمى، وبذلك تكون قد أفقدت هيئة المفاوضات والائتلاف مجتمعين وفرادى ثقلهم المعنوي، الذي لم يكن بخير أصلاً، وذلك أن بنود آستانا باتت تنطوي على نتائج سياسية فائقة الخطورة، ولكن ولحسن الحظ لن يتمّ تطبيقها على أرض الواقع، إلا برضىً أمريكي، يصعب شراؤه في ظلّ حاجة ترامب وإدارته إلى التبرؤ من الروس والعلاقة معهم، وواضح أن ترامب  لم يكترث لغضبة الروس وتصريحاتهم بعد الضربة الأمريكية للشعيرات، التي لم تخرج عن مهمة القول، نحن هنا، علماً أنّ الضربة قد أسقطت وبشكل نهائي الوهم الروسي بإمكانيتهم فرض الحل، الذي يعجبهم بموافقة أمريكية سهلة، حتى ولو لم ينو الأمريكي طرده من حلبة التنافس، التي كان قد نجح بالقبض على خيوطها الهامة، دون أن تتعارض يوماً مع نية الإدارة الأمريكية القديمة، ولكنها ستدخل في كثير من الحيرة والإرباك، قبل أن تدرك أبعاد الرغبة الأمريكية الجديدة، ولاسيما في ظلّ ملامح فشل، ترتسم لترامب وإدارته في اللعب المتوازن، مع الأوربيين والكوريتين والصين ومنطقتنا وغيرها وغيرها،

 

أين نقف نحن  السوريون، سائلاً ومسؤولا، وما هي دعائم وقفتنا، بعد أن خرجت بعض القوى التي عوّل عليها كثير من السوريين، في استرداد بعض حقوقهم وكرامتهم، فكانوا أول من أهدورها وخذلوهم، حين حوّل بعضهم سلاحه إلى قمع الأهالي، الذين يدعي حمايتهم وخذولهم ثانية، حين تقاطروا على الآستانة وسلموا أوراقهم للروس، بوساطة العراب التركي، فخرجوا وخرجنا خلفهم، نغمّر هواء الخيبة ، بينما ظلّ الآخرون، يوقعون دون السوريين على مستقبلنا، وليتقدم الذئب الروسي الذي أدمى جسدنا مرة بعد مرة، بمقترحاته ليساعدنا على لخروج سالمين وتسليم رؤوسنا لنظام حماه ووسّع له وحوله إلى تابع لشريكه وسيده الروسي في الأرض والضرع . 

 

 

 

علِّق