عدد القراءات: 1259

ماذا خلف الأبواب المغلقة لإدارة أوباما، وما هي خياراتنا ؟

 

في تقديري أنّ التصعيد الأخير بين أمريكا والروس، لا يتجاوز كثيراً معركة لي الذراع، الذي فرض نفسه على الأمريكي بعد أن فشلت الجهود الدبلوماسية وتراجعت العلاقات إلى نقطة البداية، وهو ليس ناتجاً عن يقظة ضمير أوباما المفاجئة، ولا بسبب ما وجه إليه من انتقادات وما تلقاه من ضغوط من محللين ورجال سياسة محترفين ومتمرسين في الدبلوماسية والسياسة الأمريكية، بل لشأن داخلي أمريكي محظ، قبل أن يكون ردّاً متأخراً على عمليات القتل والتدمير والمجازر والتهجير، التي يقوم بها نظام الأسد بمشاركة مباشرة من عدوها التقليدي وتحت مظلته الجوية!   

إنها حسابات النخبة الديمقراطية الحاكمة، وهي تتعلق بهيبة أمريكا التي مرغها الروسي ّ بالوحل السوري وكان لابدّ من استعادتها، كي لا يفوز الروس بالحصة السورية وبمتعلقاتها وفقاً لمصالحهم، لذلك ومن أجله أعلن أوباما عن نيته عقد اجتماع مع مجلس الأمن القومي، لا ليخرج إلى المواجهة العسكرية المباشرة معهم وهم خير من يقدر نتائجها، أما الكلام عن خيارات عسكرية، وصلت إلى التلويح بقصف مواقع للقوات النظامية، فهو من قبيل الرسائل القوية التي يريد أوباما وطاقمه أن يوصلها للروس قبل النظام، ردأ على خلل كبير انعكس على مصالح أمريكا نفسها، بعد أن خرجت من معركتها الدبلوماسية بصورة المهزوم، وهو يخلي لخصمه خط التماس المباشر وحلبة لتنافس المصالح وفرض الإرادات الدولية، ليس بما يخدم السوريين وأمنهم وظروف معيشتهم وكرامتهم، بل بما يحقق توافق على مصالح المتخاصمين الكبيرين، بعد أن تمّ تهميش الجميع وإبعادهم عن حلقات مسلسل المفاوضات الثنائية، الذي لم يزل يحاول أن يتوالد بالانشطار الدبلوماسي الحلقي المتتابع، بعيداً عن أعين أصحاب الشأن من السوريين وعن مسامعهم!

 

لا أعتقد إذاً أنّ يقظة ضمير مفاجئة، تلك التي حدت بمركز القرار الأمريكي للتلويح بخيارات عسكرية خطرة، ولن يتقدموا نحو الاصطدام المباشر ولاسيما بعد وقوع الأراضي والأجواء السورية كلها تحت مظلة الاحتلال الروسي، الذي يستمد شرعية زائفة لوجوده، من دعوة رئيس حوّل الأيديولوجية القومية البعثية المدعاة، إلى مجرد غطاء لنوى مذهبية محلية وإقليمية، وجعل من سورية مركزاً لصراعات دولية وجيوش احتلال ضارية!

نعم لقد وصل (كيري) الأمريكي مع ( لافروف) الروسي إلى نقطة افتراق، بعد جولات ماراتونية للنفاق والتكاذب، وبعد شعوره بأن الدبّ الروسي قد أوشك أن يحيّد قوة بلاده ويخرجها خارج دائرة الفعل، وهو ما قد يؤدي إلى خسارة الحزب الديمقراطي ومرشحته كلنتون للانتخابات حتى أمام مرشح إشكالي ضعيف الجاذبية من وزن ترامب، في ظلّ هذا التوغل العسكري الروسي المتوحش وعمليات فرض أجندات روسية أولية وترتيب مصالحات، هي أقرب إلى شروط استسلام على الأهالي والمقاتلين تحت اسم الانسحاب الآمن، وأمام استباق الإعلام الروسي للتصريحات الرسمية المتعلقة بالشأنّ السوري، والتحدث نيابة عن النظام أو إعلان الموافقة والرفض بلسانه، مما وضع الأمريكي في مأزق حقيقي يتطلب ردّ الإهانة وإعادة التوازن لموقفه ومكانته، عبر هذا التلويح بالقوة تحت اسم حماية السوريين، هذه الحماية التي لم تشهد يوماً أية حمية أمريكية أو روسية حقيقة تجاهها.

وحتى لو تطور الموقف إلى ضربات أمريكية محدودة لمواقع النظام، وحتى لو سمحت الإدارة الأمريكية لمرور بعض الأسلحة الاستراتيجية إلى من تسميهم المعارضة المعتدلة، فهي لن تخرج عن إطار العمل لتغيير شروط اللعبة الدبلوماسية مع الروس، عبر الضغط عليهم وعلى حليفهم لإرغامه على العودة إلى التلهي بلعبة شدّ الحبال الدبلوماسية، وبفائض الدم السوري  ريثما يقتنع الأمريكي والروسي أنّ الطبخة السورية قد نضجت، باتجاه تأمين مصالحهما وترك الفضلات للآخرين، ومنها حصول الروس على تنازلات أمريكية في أوكرانيا وإزاحة العقوبات والدرع  الصاروخي، وتثبيت أقدام الروس في الأرض السورية، ومن ضمن هذا وفي محوره الاعتراف بها قوة دولية أساسية، يحسب حسابها لتستعيد دور النظام السوفييتي المنهار.

 

لن يتورط الأمريكي في حرب مع الروس، ولا نريده أن يتورط في لعبة خطيرة، وإنما نريد منهم إن كانوا صادقين، أن يشلوا أو يوقفوا عدوان الطيران الروسي وطيران النظام، سواء بسلاح مضاد يسلم للقوى المعتدلة كما يحلو لهم ان يصنفوا أو بشكل من أشكال حظر الطيران،   ولكن الواضح أنه ليس في نية أوباما تأديب نظام الأسد الكيمياوي، ولا نصرة القوى الثورية  المواجهة له ولذيوله الإقليمية والمذهبية، فلعبة توازن القوى التي دفع ثمنها المزيد من دم السوريين المدنيين والأطفال، لم تزل سارية ولا أظنها ستنتهي حتى مع إدارة أمريكية جديدة، إلا بعد تهيئة ظروف دولية وإقليمية ومحلية مواتية لهم، بغض النظر عن ساكن البيت الأبيض كائناً من يكون، لأنّ هذا الساكن الجديد، قد يغير بعض شروط اللعبة ولكنه أبداً لن يخرج من مفاعيلها ولا يتوقف عن تصيّد نتائجها الأنسب والأقل كلفة وأكثر جدوى له ولمصالحه .  

أفترض أخيراً أنّ واجهاتنا السياسية باتت مقتنعة، بأنّه لن يصدر عن الكباش الدبلوماسي  الأمريكي الروسي، سوى بعض الحلول التي تدفع بأسباب نزاعهما بعيداً عن التناطح العسكري المباشر، وأنه لا حلول سورية مجدية عندهم إلا بما يخدم مصالحهما أولاً، وأن هذا الافتراض سيقود إلى أن يكفّ سوريو الواجهات السياسية عن ترقب مثل هذه النتائج العملية لأهل الثورة وللسوريين، وعن بحثهم فيها وكأنها مسألة أمريكية روسية، يكتفون بتحليل مظاهرها وتداعياتها ومفاعيلها منتظرين نتائج إيجابية، من دون أي تغيير في منظومة الشكوى والمظلومية التي ما زالوا يستهلكونها، ومن  دون أي تغيير في استراتيجياتهم وتوجهاتهم، ولا حتى إعلان استقالتهم احتجاجا على تركهم خلف الأبواب المغلقة لدبلوماسيتهم الملغومة!

 

علِّق