عدد القراءات: 2367

مؤتمرات البوار؛ القاهرة 2 نموذجاً


مازال شتات السوريين وشراذمهم – بعد أن باتوا كلهم أشتاتاً وشراذم - يتسابقون إلى اختطاف التمثيل عبر التصدّر في الواجهات السياسية والإعلامية، وعبر هوس بالمؤتمرات التجزيئية أمام استعصاء انعقاد المؤتمر الوطني العام، الذي ينتظر منه أن يتمخض عن مشروع وطني، في ظل صراع وجودي عسكري مدمر، يكمّل التطرف الظلامي فيه، ما فات قوة النظام الباغية من القتل والتدمير والجرائم.
تصاعداً منذ القاهرة الأولى إلى موسكو 1 وموسكو 2 والآستانة والقاهرة 2 والريحانية وغازي عنتاب، باتت هذه المؤتمرات وأخصّ القاهرة2 مجرد تحشيد عددي، يندرج في إطار البحث عن اصطفافات جديدة، لم تزل تبحث عن راع دولي جديد يأخذ بيدها إلى الواجهات، بعد أن يئست من كل الرعاة، وغدت نهباً لاحتمالات ومراهنات وتجاذبات، كلها خارج يد الراعي المصري الذي عوّل عليه المؤتمرون، رغم أنه لم يثبت جدارته ولم يعلُ له شأن ولا وزن في سوق الدبلوماسيات المتنافسة والسياسات المتناطحة حتى الآن، وخصوصاً في مسالة معقدة كالمسألة السورية.
فعموميات خطاب الراعي المصري، عن ضرورة الحفاظ على الكيان السوري ومؤسسات الدولة والتصدي للمؤامرة الدولية، ورفض الحل العسكري، لا تشكل إلا تكراراً فارغاً من أي معنى جدي، يخرجه من سلبيته وانشغاله وتخوفاته، ناهيك عن أنه لا يتفارق في مضمونه، عن مضمون خطاب نظام بشار الأسد، ولم يسعفه مؤخراً تسليف العبارات التجميلية من وزير خارجيته( سامح شكري) حول جرائم النظام، بالخروج عن الحياد السلبي المعلن رسمياً لنظامه، ولم يساعد في إزالة شكوك الدبلوماسية السعودية ولا حذرها من مراوغة المواقف المصرية الرسمية من الملف السوري، ومن القوة العربية الإقليمية المشتركة، المتضمنة لدور تركي في التحالف، تبعاً لمشكلته المستعصية مع الإخوان المسلمين .
رغم ذلك الحشد العددي، لم يستطع مؤتمرو القاهرة تثقيل وزنهم السياسي، ولا لفت الأنظار إليهم، لافتقارهم إلى التنوّع والغنى السياسي، ولم تشفع لهم خارطة الطريق، التي أعادت إنتاج البؤس السوري إلى مربع القاهرة 2012 المعطّل بحكم الولادة، ولا ساهمت بإخفاء نيتهم بالتفتيش الحثيث عن مشتر لبضاعتهم، بدءاً باستعدادهم لمغادرة الجسد الائتلافي الهزيل والمتهالك، عبر هذه الحركة الاستباقية الالتفافية، المشيرة إلى مجموعة انسلالات أو انسحابات أخرى قيد التنفيذ، ومنها الانسحاب الهادئ من التحالف العربي التركي، وبالأصحّ من التوجهات التركية، ومن الإسلام السياسي عامة، والإخوان المسلمين بشكل خاص، كونهم مشكلة مصرية من جهة، وكونهم يتحمّلون جزءاً هاماً من الفشل السوري من جهة أخرى، ولكونهم مرفوضين أيضاً من المجتمع الدولي ومن دول خليجية مؤثرة.
يضاف إلى ذلك تسريب مجموعة من مؤتمري القاهرة عن الاستعداد لتكوين جماعة سياسية جديدة، على خلفية حتمية قطعية جازمة، حدها الأعلى ما اعلنوه من ( استحالة الحل العسكري) مع ما في ذلك الإعلان من مخالفة لمنطق الأحداث ومسار التاريخ، اللذين يرفضان هذه الحتميات الشعارية ولو نظرياً على الأقل، ولاسيما حين لا تؤخذ اللحظة الزمنية ولا المعنى السياسي لإعلان هذه الاستحالة بعين الاعتبار، إلا إذا انطوت هذه الاستحالة على رسالة سياسية، يتلقفها النظام والأوساط الدولية المعنية، ولاسيما الروس والإيرانيون ومن يتموهون خلفهم، أو يتقدمون أمامهم.
ويبقى السؤال خارج التخوين والتأويل معلّقاً، لماذا الهبوط في مصر، وما ذا في يد مصر من أوراق، وإمكانيات لتلعب بها ؟! ولماذا الآن ومع تقدم الفصائل السورية المسلحة وتراجع النظام ؟ هل لأن مصر في صراع مفاكشة مع تركيا والإخوان المسلمين، ومع مسألة الحريات وحكم العسكر واستبدادهم ؟! وهل يشكل الاحتماء بالقاهرة التي لم تزل عاجزة عن حماية أمنها، وحلّ إشكالاتها السياسية والاقتصادية، فراراً إلى مركز القرار والقوة المنفذة ؟! أم أنّ مشروع القاهرة جاء لمجرد التبرّؤ من الإخوان المسلمين ومن الإسلامين السياسي والعسكري، بقصد توجيه رسالة إلى أمريكا، تحمل مضمون اصطفافهم الجديد، لتقول: نحن مؤتمري القاهرة ديمقراطيون حقيقيون، متوافقون مع الدور الأمريكي في اعتماده مركزية قوات الحماية الكردية عبر الحضور المميز لممثلها السياسي والعسكري صالح مسلم، ونحن أيضاً قابلون بالحل السياسي المعتدل، ونريد دولة مواطنة، أليست هذه اشتراطات أمريكية للتغيير، فلماذا إذن لا تروننا ! 

علِّق