عدد القراءات: 1427

آفاق الحل السياسي بين التوقع والتوهم

*جبر الشوفي

بدا المجتمع الدولي بعد أن عرته الحرب السورية الدائرة منذ حوالي خمس سنوات، بين شعب ثائر رفضت أكثريته الدينية والسياسية، أن تظل موضوعاً لجرائم النظام الأسدي ولنهبه وفساده، وتدمير شروط عيشه الإنساني، في معالجته الأزمة السورية كمجتمع للتناقضات الاستراتيجية الكبرى والتكتيكات المرحلية المتغيرة طرداً، وفقاً لاشتباك مصالح الدول وأثناء القعود لفرزها ومحاولة فكفكتها، ليأخذ  كل حصته، بعد إقرارها من اللاعبين الكبار، وإلا فالتطاحن والتجاذب سيعلقان هذه المصالح في أفق الحلول المتأزمة المنتظرة فرصتها للخروج إما بتساوٍ نسبي (لا غالب ولا مغلو ) أو باندحار طرف واقتناعه بخسارته للجولة، وكمونه مترقباً فرصة جديدة.

كما خرج الروس من أفغانستان ومن الحرب الباردة عموماً، وظلوا كامنين ليردوا على خيباتهم، بالاستقواء على جيرانهم في جورجيا والشيشان و أوكرانيا وغيرها، وكما سيخرجون في نهاية المطاف من سورية والعراق والمنطقة بشكل عام، وإذا كان الأمريكيون مطمئنين لنتائج القسمة النهائية المؤجلة في منطقتنا، فما من شيء يفسر خفة الروس وتسارعهم للقبض على عنق المسألة السورية، سوى مدى قلقهم البالغ من هذه النتائج المنتظرة، والعمل على إقرارها وفرضها، بالاستناد  على أرجحية النقاط التي أحرزوها، عبر الفراغ التي تركه الأمريكي  خلفه، والخيوط التي أمسكوا بها، وباتوا يعملون على استجرار الآخرين إلى ملاعبهم.

لا غرابة في ذلك، فالعالم عاد محكوماً بقطبي الحرب الباردة المتجددة والقوى المضافة إليها هنا أو هناك، فالقارئ لسياسة ودبلوماسيات المرحلة ، لا بدّ أن تتكشف له تلك المخازي المبنية على توافق دولي، يعطله الخروج بنتائج سياسية مبنية على نتائج عسكرية على الأرض بعيداً عن مفهوم المظلومية والشكوى، وعن ضرورة أن تبنى السياسة على مبادئ الحق والقيم الإنسانية، في منأى عن مصالح اقتصادية واستراتيجية متحالفة متخالفة على حساب الدم السوري، وبعيداً عن هذا الإجماع الشكلي المشبوه، على مفهوم الإرهاب وماهيته وحصره بالطرف السني، وتناسي الإرهاب الشيعي رغم ارتباطه بإرهاب الدولة (رأس محور الشرّ) التي باتت حليفاً مضمراً لمن وصفوها أو قائماً على تجميد العداوة معها، للتفرغ لغيرها.

وبعيداً عن جلد الذات الوطنية الثورية ممثلة برؤوس سياسية، خرجت من التزاحم بالمناكب ومن عصف الأذهان إلى خيبة وارتباك شديدين، وأدارت معاركها مع من حولها من السوريين المتساويين معها، بكونهم جميعاً خارج الحسابات الإقليمية والدولية، متناسين أنهم مجتمعين وأفراداً ليسوا من ضمن الحسابات المفيدة ولا من القوى المضافة في الصراع الدائر، وما داموا كذلك، فلن يؤخذ بهم إلى محفل التقاسم الدولي، ولا حتى يستشارون بمداولاته وتجاذباته، ولا في نتائجه، وعليهم أن يخرجوا من وهم الاستقواء بالتابعية لهذه الدولة الفاعلة في صراعهم البيني، فليس لفرد منهم ولا لجماعات حصة في التقاسم، إلا ما يتقاطع مع مصالح المقررين الكبار ، ما داموا هم من احتياط الاحتياط ، أو مجرد متفرجين منفعلين.

ويتبع ذلك أنّ المراهنين على حضور روسي ويد روسية أقوى، أكثر توهّماً فلا غلبة هؤلاء بتجميع النقاط ولا العبث الأمريكي القائم على المناورة واللعب بالصراع السوري بأطراف الأصابع، يخولهم فرض حقائقهم من دون الأمريكان المكتفين بالحدود التي الزموا أنفسهم والآخرين بها، إذ لا بدّ في النهاية من التقاسم، باعتبار أنّ القضية أصلاً لا تستحقّ في نظرهم أكثر من مبدأ " لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم".

حكم الحقيقة ووقائع التاريخ تقول: إنّ الثورات تطلب كل شيء، ولا تخرج إلا بأهون وأقل الأشياء، وأقلها عندنا سقوط الأسد ونظامه وكل أنواع الاستبداد إلى غير رجعة، وهيئة انتقالية قوية ورشيدة بصلاحيات فوق دستورية، بأفق ديمقراطي يقوم على نتائج المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وتوطيد الأمن والاستقرار وإقرار الدستور الوطني الجامع.

يبقي مسؤولية سوريي الواجهات – المتفقين على حدودهم الدنيا - أن يختاروا من يمثلهم قولاً وفعلاً، وأن يكفوا عن اختراع الأعداء الداخليين والخارجيين، وأن يميزوا بين العدو والصديق والعدو بثوب الصديق، طالما أن كلاً منهم، يمسك بقضيتنا السورية من طرف !     

علِّق