عدد القراءات: 11644

راسبوتين القاطن في عقلهم الباطن

بقلم: يارا مطر

 

على خطى راسبوتين... هو التوصيف الذي دأبت ماكينة إعلام النظام على إلصاقه بمن تجرأ على استبدال النهيق بالزئير... هو التصنيف الذي تفتقت عنه عبقريات المتربصين بمن تمرد على حصته المقوننة من الفصة والشعير...  

لم يتدرج مشرعو العصابة الحاكمة في تسلق هرم ماسلو للحاجات الإنسانية، وهو أمر جد طبيعي لمن تربى على اجترار مخلفات البطولات الدونكيشوتية، لذلك لا عجب أن تستنفر طاقاتهم في مواجهة أي محاولة تدرج تتجاوز الحاجات البهائمية... لا غرابة أن يستنهضوا جل عبقرياتهم في إعادة الشاذين إلى أسوار المزرعة المسماة جزافاً (جمهورية)...

Maslow-hierarchy-of-needs.jpg

هرم ماسلو

 

لكن المستغرب أن يختزل هؤلاء حتى ضرورات الحياة الأولية بالغريزة المتصلة بحاجة البشرية للاستمرار، وكأن بوصلة الحاجات استقرت عندها ما غابت الشمس وطلع النهار... فمع أول شرارة تمرد اجتمع جيش مشرعي (حكومتنا) الجرار، وبعد زحمة نقاشات مكوكية اتخذوا القرار، وشرع مشعوذوهم في قراءة التعويذة الموكلة بإخماد النار... ما تمر به البلاد جوقة هياج غريزي... وما من ثورة... وما من ثوار…

 

وكانت وحشية التعذيب الذي أودى بحياة الطفل حمزة الخطيب إشارة البدء بتسويق دعايتهم الرخيصة المبتذلة، فكان لقاء المحلل بسام أبو عبد الله على قناة الجزيرة المبادرة الأولى لضخ مسوغاتهم المهلهلة المرتجلة... ولم يدخر الرجل جهداً في استثمار مداخلته ليستر فضيحة نظامه المجلجلة، فنسج سيناريوهات خرافية أماطت اللثام عن بلاهته المستفحلة، الأمر الذي دعا المذيعة المصعوقة لإنهاء المقابلة قبل أن تبصق في وجهه اتهاماته المجحفة المخجلة...  

ومع تصاعد الحراك الجماهيري مدفوعاً بهول المجازر التي ارتكبها جلاوزة السفاح، وأمام عبث محاولات دحض التسجيلات تفضح آلة القتل تحصد الأرواح، انكب قطيع الإعلام في اسطبلات النظام على استنباط مبررات تشرع لطاغيتهم إخضاع المتظاهرين بالسلاح... فوجهوا سهام فحشهم للطعن في أخلاق الثائرين على متلازمة الانبطاح، وعمموا على قنواتهم وصم المنتفضين بعار (جهاد النكاح)، وأوعزوا لأبواقهم لعن الوحوش تنهش في جسد بلادهم المستباح...

ولأن قذف المعارضين بالفجور في تنشئة زبانية الأسد فريضة، تلقف أحد موتوريه حادثة غرق المهاجرين ليتقيأ منشورات مستفيضة عن المجون المتربع في خيالاته المريضة، فبصق نوبات هياجه في وجه مئات القرابين التي ابتلع أحلامها البحر... استحضر تراكمات وضاعته ليتشفى بالفارين من فظاعات جيشه القذر... استنجد بمخزون صفاقته لبعث الروح في هيكل نظامه المحتضر...

أما نحن فلا نملك في مواجهة النباحين في بلاط الجزار، سوى الإقرار بعجزنا عن الانجرار إلى هذا المستوى من المنحط من الدناءة... عن الانحدار إلى هذا الدرك المقزز من البذاءة... أقصى ما بإمكاننا الترفع عن الغوص في وحل منازلاتهم الجهنمية، فلهم تشوهات مداركهم البهيمية، ولنا بواعث آدميتنا المشرعة منذ خلق البشرية... لهم حظيرتهم المفصلة على مقاس حوافرهم، ولنا مجد التاريخ والحضارة ومهد الأبجدية... لهم كفن الإذعان في أصفاد أسدهم، ولنا أعاصير الكرامة تطحن العبودية... ولنا تباشير القيامة تحتضن سورية... ولنا تباشير القيامة تحتضن سورية...

 

حاشية:

غريغوري يافيموفيتش راسبوتين: ( 1869 – 1916)، راهب روسي، ولد في قرية بوكروفسكوي الريفية الواقعة في سيبريا، قبل أن يصبح مقرباً في ما بعد للعائلة الملكية في سانت بطرسبرغ.

ظهرت لدى راسبوتين في طفولته رؤى مستمرة عن القوى الإلهية وقدرات الشفاء الخارقة، لكنه اكتسب في فترة مراهقته اسم راسبوتين (أي الفاجر بالروسية) بسبب علاقاته الجنسية الفاضحة. ولعل سمة الجمع الشاذ بين الورع والأفعال الجنسية غير الشرعية وخاصة الفاضح منها هي التي شكلت القاعدة التي ارتكزت عليها ممارسات راسبوتين الدينية فيما بعد، فلم تفارقه أبدا فكرة أن الفرد يمكن أن يصبح أكثر قرباً من الله إذا ارتكب عمدا ذنبا شهوانياً ثم تاب توبة نصوحا.

Rasputin_piercing_eyes.jpg

 

علِّق