فيه يتربع الإنسان... وفيها يتسكع الشيطان

 

هي الذاكرة المتقرحة... مازالت تنزف تقيحاتها تحت مقصلة الجلادين.... مازالت تبصق أوجاعها تحت لسعات الثعابين... مازالت ترتق أنسجتها الممزقة بنصال الأفاكين... كيف لها أن تموت وهي العصية على الإذعان لحلكة قضبان اللحد؟... كيف لها أن تنكفئ وهي المسلحة بوعيها لم تثقب بعد؟... كيف لها أن تلفظ وجوه الملائكة العابرين في جحيم أبالسة الوغد؟…

لم تهترئ بعد تلك الذاكرة المكبلة بالأشلاء والملطخة بالأوحال... لم تركن لطبالي حظيرة الأسد من خرفان وجرذان وثيران وبغال... لم تنفك تغرس في وجوه كوادر تلك الاسطبلات ملامح الإنسان فريدريك أونفال... أجل، أونفال... الصحافي السويدي الذي انتشل طفلاً سورياً من قبضة البحر... أونفال الذي وهب الحياة لفتى لفظته حمم نيرون العصر... أونفال الذي مهد آدميته جسراً يعبر "بعابد" من حلكة الليل إلى تباشير الفجر...

 

كيف لا نستحضر إنسانيته ونحن نسفك يومياً بسادية زبانية السفاح؟... كيف لا نواجه بطهره فجور سمسارات الاسطبلات من "سما" الأسد إلى "ميادين" النكاح؟... كيف لا نرجم بآدميته حفلات النباح المستعرة على رائحة شواء الأشلاء والأرواح؟... ومن ينتشي بمشاهد الجثث سوى القوادين الملطخين بفضلات المجارير؟... من يهوى لعق البساطير سوى البهائم المعجونين بالتبن والشعير؟... من يشرب نخب المذابح سوى ساقط اللقطاء رواد المواخير؟...

أعرف أننا نحتاج مجلدات لتفكيك شيفرة تلك الهمجية... أعرف أن دساتير الأبالسة تعجز عن حقن الفجرة بمصل السادية... وأعرف أن دأب الساقطات الرقص على إيقاع المجازر من حلب إلى حمص فداريا... لكننا لن نرتكب حماقة التماس الإنسانية في أفئدة شيطانات على شاشات الطغاة... لن نحاول عبثاً بعث الروح في هياكل الأموات... جل ما نملكه تقيؤ آلامنا حين نضطر مع كل حادثة لعقد مقارنات عبثية... حين نقارن آدمية إعلامي سويدي بوحشية صحافيات انتسبن زوراً إلى بلد الحضارة سورية ... حين تدعي تمثيلنا حرباء تتشفى بمرأى الأجساد المدماة بينما يمد الغريب لضحية نظامها طوق النجاة...

ولا يسعنا بينما نبصق أوجاعنا في وجوه تلك الأفاعي، ومن لف لفيفهن من عبيد الدجال، سوى الانحناء لعظمة الإنسان الكامن في وجدان أونفال... أونفال، لأنه الإنسان مضى بمركب الفتى التائه إلى شاطئ الأمان... لأنه الإنسان أغمد ضميره خنجراً في جيف عاهري هذا الزمان... لأنه الإنسان نسج خصلات الشمس على ناصية الحرمان... لأنه الإنسان نسج خصلات الشمس على ناصية الحرمان...


 

حاشية

فريديريك أونفال: صحافي سويدي سافر إلى اليونان مطلع عام 2015 لتسجيل السلسلة الوثائقية "وطن"، والتي عرض فيها قضية اللاجئين السوريين الأطفال الذين فروا إلى اليونان. أثناء التصوير التقى بالطفل السوري عابد المقيم في منزل مع مجموعة من المهاجرين السوريين،  وهناك طلب منه أخذه الى السويد للانضمام إلى أقاربه اللاجئين.

تردد الصحافي قبل اتخاذ القرار باصطحاب الطفل، لكنه حسم أمره عقب معايشته الميدانية ومعرفته بالأخطار الحقيقية التي كان يمكن أن يواجهها أثناء محاولته الهروب من اليونان إلى دول أوروبية أخرى.

تعرض أونفال للمساءلة القانونية في بلاده بتهمة تهريب البشر، لكنه دافع عن تصرفه أثناء عرض البرنامج الوثائقي على التلفزيون السويدي قائلاً:

"اعتقدت في البداية أني أقوم بعمل غير قانوني، لكن في نهاية الأمر وبعد تفكير طويل، أشعر بأني استطعت مساعدة طفل محتاج، وسقطت كل الحجج التي كانت تمنعني من مساعدته"، وأردف: "لم أفكر بالجانب القانوني المترتب على خطوتي ولا بالخرق الأخلاقي للمهنة، فهذه أشياء بدت لا قيمة كبيرة لها مقارنة بالوضع الخطير الذي كان الصبي فيه".

علِّق