Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 4419

وسط حالة عدم الاستقرار المتواصل، لماذا تستثمر الدول في سوريا؟

الكاتب الأصلي: 
Reema Hibrawi
تاريخ النشر: 
18 حزيران (يونيو), 2017
اللغة الأصلية: 

 

مع تصاعد الصراع في سوريا، بدأت الخطط الاستباقية لإعادة إعمار هذا البلد في وقت مبكر. وقدّرت الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي الحاجة إلى ما بين 100-200 مليار دولار لإعادة سوريا إلى ناتجها الإجمالي المحلي في فترة ما قبل الحرب. ومع ذلك، ومع ضعف الحكومة المركزية ومحاولتها إعادة تأسيس نفسها دولياً، فإنها فرصة للدول الأخرى لتحقيق أهداف سياسية في المنطقة. وهناك الكثير من الدوافع المتداخلة وراء استثمار الدول في سوريا: كالوضع الاقتصادي وإعادة الاستثمار لتعويض الخسائر واحتواء المقاتلين المتطرفين.

 

وقد ضمنت العديد من الدول بالفعل صفقات استثمارية في سوريا في محاولة للحصول على ميزة المحرّك الأول أو للسيطرة على القطاعات السياسية والاقتصادية الأساسية قبل غيرها، والتي تسيطر عليها الهند والبرازيل والصين في الأصل. ويستخدم النظام السوري هذا الدافع لصالحه في التماس مساعدة الدول لإعادة إحياء صناعاته.

وفي شهر مايو/ أيار عام 2014، قدّم النظام السوري طلب التماس للهند كما ضمن استثمارات في مجال الرعاية الصحية منها بقيمة مليون دولار للحصول على معدّات جديدة وإعادة تشييد المستشفيات. كما أن للهند تاريخاً في تأمين الاتفاقات التجارية في سوريا؛ ففي عام 2003، أبرمت الهند اتفاقية لتقديم مساعدات قيمتها مليون دولار وخط ائتمان يصل إلى 25 مليون دولار للنظام السوري، وقد امتد خط الائتمان المذكور حتى عام 2008، إلا أنه تم تعليقه لاحقاً بسبب الصراع.

ويواصل النظام السعي للحصول على صفقات استثمارية من الهند ودول أخرى لتحقيق التوازن مع نفوذ دول الخليج الاقتصادي في دعمهم للمعارضة. وفي أبريل/ نيسان من عام 2017، ناقش النظام مع الصين مواصلة الاستثمار في حقول النفط والبنية التحتية للاتصالات والمواد الخام والمستحضرات الطبية والطاقة المتجددة والبنية التحتية. هذا وتُعد كل من الصين والهند شركاء سياسيين وتجاريين اقتصاديين منذ وقت طويل، ومن غير المحتمل أن تقوما بإيقاف الاستثمارات المالية قبل تعويض خسائرهما التي نجمت عن الصراع.

وفي حال ظلّت سوريا غير مستقرة فمن المرجح أن تتكبّد البلدان اللتان لديهما عقود من الاستثمارات السابقة، خسائر مالية إضافية مترتبة على صفقات قديمة منذ عقود بالإضافة إلى خسارة شريك تجاري. ومن هنا، فإن الاستثمار ضروري وحاسم لتعويض تلك الخسائر. وقد أقامت الهند واليابان علاقات سياسية واقتصادية مع سوريا في السبعينيات، كما تعتمد كل من الصين والهند على سوريا في وارداتها من النفط والغاز لاقتصاداتها المتنامية ومن مصلحتهما أيضاً أن تعيدا إقامة تلك التجارة. وفي عام 2009 حظيت الهند بعقد بقيمة 320 مليون دولار للاستثمار في محطة تشرين للمياه شرق مدينة حلب على نهر الفرات.

 

بينما اتّبعت اليابان نهجاً مختلفاً في الاستثمار وركّزت على برامج المساعدات الإنمائية في سوريا، من قبيل: الطاقة والبنية التحتية والزراعة والسلامة الصحية. ونظراً لاندلاع الصراع عام 2011، علّقت اليابان برامج المنح تلك إلا أنها استأنفت تقديم المعونات في سوريا بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من خلال إعادة بناء البنية التحتية عام 2013 و2016 وما تزال مشروعات المساعدة جارية حتى اللحظة.

هذا وتعيد الصين استثمارها في الوقت الذي ما تزال فيه شركة البترول الوطنية الصينية تمتلك أسهماً في اثنتين من أكبر الشركات المنتجة للنفط في سوريا، وهما: الشركة السورية للنفط وشركة الفرات للنفط. بينما تمتلك شركة سينيكوم الصينية مجموعة كبيرة من الأسهم في حقول نفط سورية مختلفة. وقد كانت الصين أكبر مصدر لواردات منظومات الأسلحة وبرامج الأسلحة الكيماوية لسوريا عام 2010.

 

وعلى الرغم من ذلك، ما تزال سوريا ذات أهمية من الناحية الجيوسياسية، كما أن إقامة علاقات مع سوريا وإثبات الوجود فيها يُعَد دافعاً آخر للدول المستثمرة وفي مقدمتها روسيا وإيران، مع دوافعهما السياسية المباشرة في سوريا، إلا أنهما ليستا الوحيدتين؛ ذلك أن جمهورية التشيك، العضو في الاتحاد الأوروبي، تواصل الحفاظ على علاقات طيبة مع النظام السوري. وفي عام 2016 استضافت جمهورية التشيك وزير الخارجية السوري واقترحت إعادة الإعمار في مجال الرعاية الصحية والتعليم والمرافق الاجتماعية والبنية التحتية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما تحتفظ بيلاروسيا "روسيا البيضاء" بسفارتها في سوريا، ومؤخراً في أبريل/ نيسان عام 2017، التقى النظام السوري بممثلين عن بيلاروسيا لمناقشة التعاون الممكن بشأن الاستثمارات في "المدن الصناعية" لضمان "التنمية المستدامة للموارد"؛ مثل تشييد مصنع لتجميع المركبات البيلاروسية داخل سوريا.

ومع ذلك، يعمل النظام باستمرار على ضمان اتفاقات في الوقت الذي تؤثّر فيه السياسيات الدولية الديناميكية في سياسات التجارة المحتملة. وفي عام 2016، قام بشار وحكومته بالضغط من أجل استثمار محتمل مع البرازيل في مجال الطاقة، والطاقة المتجددة، وإعادة الإعمار، والزراعة، والنقل. بيد أنه من المحتمل أن تتراجع أهمية محادثات الاستثمار هذه نتيجة المحاكمة المستمرة ضد الرئيس البرازيلي. وقد أشار رئيس الوزراء الحالي إلى تحوّل في السياسة يتمحور حول الشركاء التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة واليابان بعيداً عن سوريا.

وبغية سد  النقص وتعويض الخسائر في الاستثمارات المحتملة،  يزيد النظام من عقد الصفقات والشراكات الاستثمارية الحالية. كما تعهّدت الصين بتقديم 6 مليارات دولار في استثمارات في شهر ديسمبر/ كانون الأول عام 2016 بالإضافة إلى عقود جارية بقيمة 10 مليارات. وقبل عام، قام وزير الخارجية السوري بزيارة الهند في يناير/ كانون الثاني 2016 وركزت المحادثات على التعاون الاقتصادي وتبادل المعلومات الاستخباراتية لمكافحة الإرهاب المحلي. كما أن تبادل المعلومات الاستخباراتية يتناسب مع المصالح الهندية بهدف تعزيز موقفها في المنطقة كشريك أمني، في تنافس مباشر مع الصين والباكستان.

 

علاوةً على ذلك، يواصل المتطرّفون من جميع أنحاء العالم الانضمام إلى الصراع السوري واكتساب خبرات قتالية وخبرات في إدارة المنظمات المسلحة. وقد أيّدت الدول المستثمرة نظام الأسد سياسياً لتبادل المعلومات الاستخباراتية والتخفيف من حدة التهديدات في الداخل. هذا وتخشى الهند من المخاطر الأمنية للمتطرفين مع ازدياد وجود الجهاديين الهنود في الصراع السوري، فضلاً عن المتطرفين الأفغان والباكستان والكشميريين. وقد دعمت الهند نظام الأسد من الناحية السياسية من خلال معارضتها الشديدة للتدخل الخارجي كوسيلة لحماية شريكها الأمني واستثماراتها الاقتصادية في سوريا.

 

 

وتخشى الصين كذلك، وشأنها في هذا شأن الهند، التهديدات الأمنية الداخلية من مسلمي الإيغور، الذين يشكّلون أقلية عرقية من منطقة شينانغ. فقد انضم العديد من مسلمي الصين إلى الحزب التركستاني الإسلامي في سوريا، إلى جانب جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً، والتي تُعد الآن جزءاً من هيئة تحرير الشام)، وتنظيم الدولة الإسلامية وأحرار الشام. لهذا تخشى الصين أن يصبح هؤلاء المسلمون الصينيون مسلحين ذوي خبرة وربما يعودون إلى بلادهم. بناءً على ذلك، تستمر الاستخبارات الصينية في زيادة تعاونها مع المخابرات السورية في الجهود الرامية إلى محاربة هذا التطرّف من خلال زيادة الاجتماعات رفيعة المستوى مرة واحد في الشهر.

ولروسيا أيضاً مخاوف مماثلة من المتطرفين المحليين نظراً لمشاكلها المستمرة مع الأقلية المسلمة في القوقاز في الشمال. وعلى غرار المسلمين الصينيين المحرومين من حقوقهم، انحرف الروس المسلمون تجاه الجانب الطائفي الحالي من الصراع السوري.  كما أن القمع الوحشي لمعتنقي الإسلام داخل روسيا وللروس مسلمي المولد، يدفع العديد منهم إلى التطرّف؛ ما يزيد من مشكلات الأمن الداخلي. وتشير تقديرات من عام 2015 إلى أن ألفي مقاتل ممن يحاربون نيابة عن تنظيم الدولة الإسلامية أو جبهة فتح الشام، قادمون من روسيا؛ مع احتمال ارتفاع الأرقام. وحالها حال العديد من الصراعات التي سبقتها، أصبحت سوريا موقعاً رئيساً للمتطرفين ليصبحوا عسكريين ومنظمين قبل العودة إلى أوطانهم، هذا إن عادوا.

 

أما بالنسبة لهذه الاستثمارات الكبرى فليس واضحاً بعد ما إذا كانت ستتجلّى على أرض الواقع في حال ظلّت سوريا غير مستقرة. ومع ذلك، فإن حرص هذه الدول على الاستثمار يشير إلى أنها ستحقق مصالحها وستنصاع إلى هيكل الأسد التنظيمي طالما أن وكالاتها الحكومية قد تعمل هناك. كما يتعين على هذه الدول أن تحصل على عائد من الاستثمار وأن يكون هناك نوع من الاستقرار للعمل، ويبدو أن النظام هو الخيار الأسرع. كما أنه من غير المرجح أن تؤيّد الدول المستثمرة أي تغيير سياسي لأن ذلك قد يزيد من زعزعة الاستقرار في البلاد على المدى القريب. وترى العديد من الدول فوائد الاستقرار على المدى القصير من خلال دعم النظام وعودة الرفاه الاقتصادي للبلاد، ولا تنظر في التأثير المزعزع للاستقرار الذي يترتب عليه إسقاط ديكتاتور لا يحظى بشعبية.

وقد أقامت العديد منها مسبقاً اتصالات واستثمارات سابقة مع النظام، كما أنهم من المناصرين لسيادة الدولة ضد التدخل الدولي ومن غير المرجح أن يقفوا ضد النظام، حتى وإن كانوا ضد أساليبه الوحشية. وفي ظل هذا النهج، من المحتمل أن تستمر أهمية التغيير السياسي والاستقرار طويل المدى في التراجع أمام أولويات الاستثمار.

 

 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2310265

مقالات المترجم