No votes yet
عدد القراءات: 1301

معركة ترامب ضد داعش في سوريا: لماذا يحقّق بوتين والأسد وإيران الفوز؟

الكاتب الأصلي: 
ROBIN YASSIN-KASSAB
تاريخ النشر: 
26 تموز (يوليو), 2017
اللغة الأصلية: 

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث إلى نظيره الأمريكي دونالد ترامب خلال لقائهما الثنائي في قمة مجموعة الـ 20 في هامبورغ ألمانيا يوم 7 يوليو.Putin, Trump

تعهّد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، في خطاب تنصيبه بـ "توحيد العالم المتحضّر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، الذي سنستأصله تماماً من على وجه الأرض".

ولكي نكون منصفين، لم يكن لديه سوى 6 أشهر ليتبين له أن المشروع أكثر تعقيداً بقليل مما كان يأمل.

ففي البداية، شن تنظيم داعش هجوماً عنيفاً مفاجئاً ضد أعدائه الكثر (والذين كان من بينهم بعض الإرهابيين الإسلامويين المتطرفين). وعلى الرغم من انتهاء معركة الموصل، المدينة الثالثة الكبرى في العراق، إلا أن الخسائر في صفوف المدنيين في الموصل وفي الجيش العراقي كانت فادحة. وثانياً، والأهم من ذلك، ليس هناك من اتفاقية حول ما سَيلي داعش، لا سيما في شرق سوريا؛ ذلك أن لعبة كبيرة جديدة لإحكام السيطرة في المدة ما بعد داعش تتجهز هناك مع ازدياد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

 

بالإضافة إلى ذلك، تُعَدُّ روسيا والميليشيا التي يقودها الأكراد من الأطراف الفاعلة الرئيسة. وفي حال فازت إيران وروسيا (الملتزمتان في هذه المرحلة أكثر من الولايات المتحدة)، أما الرئيس بشار الأسد، الذي مهّد قمعه واتباعه سياسة الأرض المحروقة الطريق أمام تنظيم الدولة الإسلامية للسيطرة بادئ ذي بدء، قد يستعيد الأراضي التي خسرها، تلك الأراضي المحروقة والخالية من السكان في الوقت الراهن. وفي كل هذا، لا يأخذ أحد برأي الشعب السوري الذي انتفض في ثورة ديمقراطية منذ 6 أعوام.

كما أن المعركة لإخراج تنظيم داعش من مدينة الرقة – معقله في سوريا- ما تزال جارية. وتقود هذه المعركة  قوات سوريا الديمقراطية "SDF"، بدعم من المستشارين الأمريكيين. لكن المدنيين هم من يدفع الثمن، وكذلك أعرب محققو الأمم المتحدة عن أسفهم "للخسائر الهائلة في الأرواح" التي تسببت بها الغارات الجوية بقيادة الولايات المتحدة في المدينة.

 

وبالرغم من أن "SDF" قوة متعددة الأعراق، إلا أنها تخضع لسيطرة الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، أو "PYD"، المنتمي إلى منظمته الأم حزب العمال الكردستاني "PKK". وتصنف الولايات المتحدة حزب PKK على أنه منظمة إرهابية، كما يُعَد الحزب اليوم في حالة حرب مع تركيا، حليفة الولايات المتحدة والعضو في حلف شمال الأطلسي. ومع ذلك جعلت الولايات المتحدة من قوات سوريا الديمقراطية شريكها المحلي المفضل الذي تزوده بالأسلحة وتؤمّن له الغطاء الجوي، ما يثير استياء الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" إلى حد كبير.

 

وأضيف الآن طبقة أخرى من التعقيد؛ إذ إن روسيا تؤمن الغطاء الجوي لقوات سوريا الديمقراطية، ليس لمحاربة تنظيم داعش، وإنما من أجل مساعدة القوة الكردية الأساسية في استعادة المدن ذات الأغلبية العربية من أيدي معارضة الأسد غير الجهادية. فقد ساعدت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على تل رفعت وغيرها من البلدات التي كانت تسيطر عليها المعارضة عام 2016، ساعدت كلاً من روسيا ونظام الأسد في فرض الحصار الأخير على مدينة حلب.

هذا وقد كانت نسبة 80% من قوات الأسد التي تحاصر حلب في ديسمبر الماضي من غير السوريين، بل كانوا عبارة عن ميليشيات شيعية من لبنان وإيران وأفغانستان، كان جميعهم مسلحين مدعومين ومدربين من إيران. وهذا ما جعل قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من أمريكا وإيران في تحالف غير معلن.

غير أن أولئك الذين يكونون حلفاء هذا العام، قد يمسون أعداء في العام الذي يليه. و بعد سلسلة من الانتصارات قدمتها روسيا غرب البلاد ، تتسابق إيران والأسد باتجاه الشرق  في سعي منهما للسيطرة على النظام بعد هزيمة داعش في الحدود العراقية السورية. وقد حققت إيران تقريباً هدفها في عرض نفوذها إقليمياً وعالمياً من خلال ممر بري من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط عن طريق العراق ومن ثم سوريا فلبنان. وفي هذا السياق الجديد، يقوم الأسد وداعموه بتفعيل دور قوات سوريا الديمقراطية؛ ففي يوم 18 يونيو/ حزيران، شنت قوات الأسد هجوماً على قوات SDF بالقرب من الطبقة غربي الرقة وعندما انضمّت طائرة حربية تابعة للنظام إلى الهجوم، قامت القوات الأمريكية بإسقاطها.

 

علاوةً على ذلك، قامت الولايات المتحدة بضرب قوات مدعومة إيرانياً في الجنوب الشرقي في البلاد 3 مرات في الأسابيع الأخيرة، فضلاً عن تدمير طائرتين إيرانيتين بدون طيار على الأقل. وكان المسلحون الشيعة يتقدّمون بالقرب من قاعدة التنف، التي تلتقي عندها كل من سوريا والأردن والعراق. ومن هذه القاعدة ، قدّم الجيش الأمريكي الدعم لجماعات الثوار المحلية في الوقت الذي كانت تستعيد فيه السيطرة على مساحات واسعة من الصحراء الجنوبية من تنظيم الدولة الإسلامية. ومن هنا تأمل الولايات المتحدة إخراج داعش خارج وادي الفرات. لكن بينما كان الثوار يتقدمون باتجاه الغرب ضد الجهاديين السنة، تدفق جهاديو إيران الشيعة من الغرب وادعوا السيطرة على الأراضي المحررة حديثاً.

وبعد 6 أعوام، وعقب تدخل عدد كبير من الدول والمنظمات، كل يحمل أجندات تنافسية، أصبحت الحرب في سوريا معقدة للغاية. وهذا لا يمنع الناس من البحث عن تفسيرات كلية مبسطة؛ عرقية وطائفية.

 

ويؤطّر البعض في المنطقة التوترات المتصاعدة على أنها انحياز الولايات المتحدة إلى جانب السنة ضد الشيعة، وهذا تصوّر عززته زيارة الرئيس ترامب الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية وصفقة الأسلحة التي أبرمها هناك بمليارات الدولارات. وبالمثل، دفع تجاهل الرئيس "باراك أوباما" للبناء الإيراني في سوريا، وتلاشي الخط الأحمر الذي فرضه على الكيماوي في أغسطس/ آب عام 2013 عندما استخدم الأسد الغازات السامة لقتل 1.400 إنسان في ضواحي دمشق، كل ذلك دفع بالعديد إلى الاعتقاد عندئذ أن أمريكا تنحاز إلى الشيعة بدلاً من الإسلام السنة.

ويفترض كثيرون في الغرب كذلك؛ من سياسيين وأكاديميين وصحفيين وكثيرين غيرهم، أن الحروب الراهنة في منطقة الشرق الأوسط إنما هي أعراض لعداوات قديمة لم تتغير. وقد أكّد أوباما، بتهربه من الاضطلاع بدوره من المسؤولية، على أن عدم الاستقرار الإقليمي "متأصّل في صراعات تعود إلى آلاف السنين" وبعبارة أخرى في "الاختلافات الطائفية القديمة".

إلا أن من يحتلّ المدن ذات الأغلبية العربية ليسوا "الأكراد"؛ بل تحتلها ميليشيا حزبية سياسية تدّعي أنها تتحدث باسم الأكراد. وعلى غرار ذلك، فإن تنظيم داعش لا يمثل المسلمين العرب السنة بأية طريقة، على الرغم من أنه يدّعي ذلك. والأمر ذاته ينطبق على ائتلاف القوى الثورية المعارضة الموجود في الخارج، والذي أثبت عدم قدرته على الاعتراف بحقوق الأكراد بالحكم الذاتي في المناطق التي يشكّلون فيها أغلبية. وبالرغم من استغلال إيران للهوية الطائفية بغية تحقيق أهدافها، إلا أن هذه الأهداف استراتيجية بطبيعتها.

 

بالإضافة إلى ذلك، فإن مؤيدي نظرية "الصراع القديم" غير قادرين على تفسير أهمية الدين في السياسات في بعض الأحيان وعدم أهميته في غيرها. على سبيل المثال، يبدو أن الانقسام الرئيس في السياسة اللبنانية يقع اليوم بين السنة والشيعة، لكن أثناء الحرب الأهلية في البلاد بين 1975- 1990، تم رسم الحدود بين المسيحيين والمسلمين. وبالمثل، تبدو المجتمعات السنية والشيعية في العراق في الوقت الحالي منغلقة إلى حد كبير، غير أن ثلث الزيجات العراقية قبل العام 2003، كانت تتم بين الطائفتين.

ولا بد لأي تحليل جدّي لهذه التحولات والانتكاسات من أن يولي اهتماماً بالسياسة لا باللاهوت. وهذا ما يفعله بالضبط كتاب جديد يحمل اسم "Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East" وهو مجموعة من المقالات تركّز على الأزمات من باكستان حتى اليمن. وتعرّف المقدمة (التي كتبها المحرران "نادر هاشمي" و"داني بوستل") الطائفية بأنها سياسة معتمدة تتبعها – أو ترتكبها- الأنظمة الاستبدادية، كطريقة أفضل للتقسيم والحكم. ومن خلال هذه القراءة، ستجد أن مشكلات الشرق الأوسط  تدور حول الطغيان والتخلّف السياسي، وليس الانقسامات الثقافية المتوارثة.

وقد كانت الثورة السورية، في مراحلها الأولى، معادية الطائفية بوضوح؛ إذ رفع المتظاهرون شعارات مثل "طائفتي الحرية" و"الشعب السوري واحد". وقد حضر المسيحيون إلى الجوامع ليتمكنوا من الانضمام إلى المظاهرات عقب الصلوات، وهتف العرب كذلك بكلمة "أزادي"، المرادف الكردي لكلمة "حرية". ومع تحرير الأراضي، تعاون السوريون من جميع الطوائف في المجالس المحلية المنتخبة. كيف انحسرت هذه البداية الواعدة في ستة أعوام قصيرة لتتحول إلى تشابك بين الحروب العرقية والدينية؟

وفي المقال عن سوريا في كتاب هاشمي وبوستيل، يحدد "باولو هيلو بينتو" 4 قنوات للتقسيم: "من الأعلى إلى أسفل (ولّدتها الدولة)، ومن الأسفل إلى أعلى (تولّدت اجتماعياً)، ومن الخارج إلى الداخل (غذّتها القوى الإقليمية)، ومن الداخل إلى الخارج (أي امتداد الصراع السوري إلى الدولة الإقليمية)".

 

والأكثر أهمية من بينها هي "من الأعلى إلى أسفل"، التنازلية. ذلك أن نظام الأسد، منذ بداية التغيير الثوري، لجأ إلى "الاستخدام الاستراتيجي" للعنف الحكومي الواضح ضد السنة في الوقت الذي عمد فيه إلى تعبئة الأقليات لإضفاء الطابع السياسي على "ثوراتهم". وبغية حشد دعم الأقليات، ولكي يقدّم نفسه للغرب على أنه أهون الشرور، ساعد النظام في خلق معارضة سنية جهادية من خلال تنظيم مذابح للمدنيين السنة (عام 2012) وإطلاق سراح آلاف المتطرفين من السجون (عام 2011)، بينما قام باعتقال الديمقراطيين وتعذيبهم وقتلهم.

ونجم عن صدمة الحرب انقسام أكبر؛ إذ عبّرت الشائعات والنكات والأغاني ومنصات وسائل الإعلام عن عور بالتعرض للظلم الطائفي وعمدت إلى تشويه الجانب الآخر. أما بالنسبة للقوى الإقليمية الأساسية المساهمة في وجود ذلك المزيج فقد كانت تنظيم داعش، منظمة سنية عراقية، وإيران الشيعية الثيوقراطية. وقد أعلنت كلتا القوتين عن وجودهما في أبريل/ نيسان من عام 2013؛ وقامت إيران بذلك عن طريق عميلها؛ حزب الله اللبناني، الذي استعاد منطقة القصير لصالح النظام. وفي الشهر ذاته، أعلن تنظيم داعش نفسه على أنه "دولة". وفي هذه المرحلة، اعتقد بعض السنة أن شيعة إيران كانوا يستهدفونهم ليس بسبب مطالبتهم بالديمقراطية، وإنما لأنهم سنة بكل بساطة، بينما ذهب بعض الأشخاص من غير السنة إلى الاعتقاد بأن النظام كان البديل الوحيد للإبادة.

وقد مارس كل من تنظيم داعش والتحالف الإيراني مع الأسد التطهير العرقي؛ وكانت أسباب تنظيم الدولة في ذلك أيديولوجية ودعائية، بينما كانت غاية الأسد سياسية على نحو أكبر تهدف للقضاء على الثائرين من السكان في النقاط الاستراتيجية واستبدالهم بموالين له. وبدرجة أقل، شاركت قطر وتركيا والسعودية في الكراهية الطائفية من خلال الدعاية وتمويل السنة.

غير أن تأثير السعودية المثير للانقسام، كما يُظهِر مقال "مداوي رشيد"، أكثر وضوحاً في الداخل؛ إذ يوجد تاريخ طويل في هذا الشأن، لكن الربيع العربي الذي جاء مؤخراً وشبح حركة المعارضة الوطنية "دفعا بالنظام إلى إعادة تنشيط الخطاب الطائفي ضد الشيعة". وكما وصفت إيران الثورة السورية على أنها مخطط سعودي، كذلك فعل السعوديون في وصف السكان المضطربين على أنهم أداة للإمبريالية الإيرانية.

 

ويشكّل الشيعة الأغلبية في البحرين المجاورة، كما يذكر مقال "توبي ماتيسين" أن هذه البلد قد احتوت حركة العمال النشطة في الخمسينيات والستينيات. وقد ردت عائلة الخليفة "السنية" الحاكمة على ذلك بحظر النقابات وحل البرلمان عام 1975 وتأسيس جهاز أمن سني حصراً يعمل فيه مرتزقة أجانب، وشجّعت على تشكيل الأحزاب الإسلامية. وفي شهر فبراير/ شباط من عام 2011، ورداً على الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية، تحركت القوات السعودية إلى البحرين، لإحباط مؤامرة إيرانية شيعية كما يُفترَض.

واليوم، تُبقي الولايات المتحدة على قاعدة بحرية في هذه الديكتاتورية. وعندما طلب ترامب إلى الطغاة من المسلمين المحتشدين في الرياض القضاء على التطرف، غابت عنه النقطة الأساسية؛ ذلك أن الديكتاتورية هي المشكلة، وأن الحل طويل الأمد للتطرف هو الديمقراطية، كما أن الانقسام الطائفي ليس سوى عائق واحد يضعه الطغاة عمداً في طريق الوصول إلى هذا الحل.

 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2541080

مقالات المترجم