No votes yet
عدد القراءات: 4738

كيف أعيد تشكيل التنافس السعودي القطري المتأجّج حالياً في منطقة الشرق الأوسط

الكاتب الأصلي: 
Max Fisher
تاريخ النشر: 
18 حزيران (يونيو), 2017
اللغة الأصلية: 

من الممكن أن تُعزى الأزمة التي تعصف اليوم بالخليج العربي، التي تشارك فيها الولايات المتحدة والتي تهدّد الآن بجر تركيا وإيران، إلى معضلة تواجه رجلاً كان قد أطاح بوالده.

عندما تولّى الشيخ "حمد بن خليفة الثاني"، ولي عهد قطر، الحكم في انقلاب غير دموي عام 1995، استولى عندها على دولة بالكاد مستقلة بحجم كونيتيكت وتضم سبع سكانها. وقد كانت هذه الدولة، منذ استقلالها عام 1971، تخضع لسيطرة جارتها الأكبر والأكثر قوة؛ المملكة العربية السعودية.

 

وقد اعتقد أن بإمكان قطر أن تجد الأمن بمجرد تحوّلها من تابعة للسعودية إلى منافسٍ لها، لكن كيف؟

إن الخطة الجريئة التي طرحها والتي تمخّضت عن نوع من الحرب الإقليمية الباردة، في وقت إعادة تشكيل سياسات الخليج العربي الغني بالنفط وسياسات دول الشرق الأوسط بأسره أيضاً، بلغت ذروتها في أزمة الأسبوع الماضي.

سيكون الأمر كما لو أن كوبا سعت للانفصال عن النفوذ الأمريكي من خلال التحوّل إلى قوة عالمية بين عشية وضحاها، لتنافس الولايات المتحدة عبر آسيا وأوروبا.

كما بدا أن استراتيجية قطر قد انهارت في نهاية المطاف الأسبوع الماضي نتيجة لفرض المملكة العربية السعودية وحلفائها حظراً عليها. لكن لقطر حلفاءها أيضاً، وما تزال تبعات هذا التنافس تتكشف شيئاً فشيئاً.

 

حل المشكلة

في الأعوام التي سبقت تولي الشيخ حمد للسلطة، عمّقت بعض الحوادث رغبته في الانفصال عن الهيمنة السعودية.

ففي العام 1988، أقام والده علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي -خصم السعودية- ما أعطى قطر طابع سياسة خارجية مستقلة.

وفي عام 1992، أدى أحد الاشتباكات مع السعودية على طول حدودها القصيرة، لكن المتنازع عليها، إلى مقتل جنديين قطريين. وبعد عامين من تلك الواقعة، وعندما انزلقت اليمن في حرب أهلية لم تدم طويلاً، دعمت قطر والسعودية الطرفين المتعارضين.

وقد تعلّم الشيخ حمد من ذلك درساً؛ في أن الحكم الذاتي قد يكون مجدياً ومرغوباً فيه في آن واحد.

وقد أوضح "مارك لينش"، عالم سياسي في جامعة جورج واشنطن، أوضح وجهة نظر الشيخ حمد بما يلي: "لمَ أكون في قبضة السعوديين في الوقت الذي لست مضطراً فيه لذلك؟".

كما كان لدى الأمير القطري أيضاً طموحات في أن يثبت لنفسه أنه يستحق أن يكون أكثر من مجرد تابع للسعودية.

وفي ذلك قال السيد لينش: "يعود جزء كبير من ذلك إلى الشخصية، وعندما يحين دور الأمير الجديد، سيكون محمّلاً بالأحقاد فعلاً".

 

الارتقاء إلى الخصومة

إن عدد البلدان التي تطورت من دولة تابعة إلى قوة إقليمية كان قليلاً؛ لكن قطر حقّقت ذلك في غضون بضع سنوات فقط.

وأضاف السيد لينش: "منذ أواخر التسعينات فصاعداً، كانت سياسة قطر الخارجية عبارة عن مزيج من: ما الذي نستطيع فعله لنكون على الخريطة؟ وماذا يمكننا أن نفعل لمضايقة السعوديين؟".

وبغية تحقيق ذلك، نمّت قطر علاقاتها مع إيران وأقامت علاقات تجارية مع إسرائيل، كما استضافت قاعدة أمريكية جوية كبرى، ويرجع ذلك في جزء منه إلى حمايتها من التنمر السعودي.

وأنشأت كذلك قناة الجزيرة الفضائية للأخبار، مستخدمة ذلك لإظهار القوة الناعمة وتعزيز الحلفاء وإزعاج العائلة السعودية المالكة.

علاوةً على ذلك، استفادت من تاريخها كملاذٍ سابق للمنفيين الإسلاميين؛ فعندما كان على الحكومات الأجنبية التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس الفلسطينية أو الانفصاليين الشيشان أو حتى طالبان، فإنهم غالباً ما كانوا يمرون عبر قطر.

وبعدها في التسعينات، نتج عن التطورات التقنية والاقتصادية سوق عالمية للغاز الطبيعي المُسال الذي يمكن تحميله على متن السفن متجاوزاً خطوط الأنابيب التي تمر بالسعودية. وتتحكم قطر بأكبر احتياطي غاز عالمي، وعلى هذا فقد توسع اقتصادها ونما من 8.1 ملايين دولار عام 1995 ليصل إلى 210 ملايين دولار في العام 2014.

 

وكان الشيخ حمد ووزير خارجيته ينتقّلان من عاصمة عربية إلى أخرى، ليقدّما خدماتهما كوسطاء ومتبرعين أسخياء.

وقد وجدت الولايات المتحدة أن دبلوماسية قطر مفيدة، وإن كانت مزعجة في بعض الأحيان، واستغلتها لتكون قاعدة في محادثات السلام الأفغانية. كما اعتمدت على القاعدة الجوية القطرية في حربها على العراق، ومن بعدها الضربات الجوية الموجهة لسوريا.

وفي عام 2002، قامت المملكة العربية السعودية بسحب سفيرها لدى قطر، رداً على انتقاد قناة الجزيرة للحكومة السعودية.

وعلّق على ذلك "ديفيد بي روبيرتس"، وهو أستاذ جامعي في كلية كينغز لندن: "لقد استغرق الأمر حتى عام 2008 كي تستوعب السعودية حقاً فكرة أن قطر أصبحت دولة مستقلة كلياً".

وعاد عندها السفير السعودي إلى قطر عام 2008، وربما وجدت الجارتان نوعاً من التوازن لو لم يحدث ما حدث بعد ذلك.

 

"حرب وكالة مفتوحة"

لقد أمّن الربيع العربي، الذي شهد ثورات عدة عبر المنطقة عام 2011، أمّن لقطر البداية.

على الرغم من نفوذها المتصاعد، لم تتّمكن قطر على الإطلاق من كسر الهيمنة السعودية الإقليمية. أما الآن، مع تعرّض المستبدين المنحازين للسعودية للتهديد، رأت في ذلك فرصة لها.

لذا، لجأت إلى دعم الحركات المناهضة للحكومة، العلمانية منها والإسلامية، بالإضافة إلى البث على قناة الجزيرة والدعم الدبلوماسي، ومن ثم المالي والتزويد بالسلاح أحياناً، على أمل تشكيل حكومات صديقة جديدة. وعندما تبيّن أن الإسلاميين هم الأمل الأقوى، قدّمت لهم قطر الكثير من الدعم.

أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فقد عرقلت الثورات كلاً من النظام الإقليمي فيها وربما نظام حكمها أيضاً؛ إذ لطالما كانت الحركات الإسلامية الشعبية تشكل تهديداً لها في الداخل.

وفي كل مرة كان يحدث فيها شرخ ما، كان الخصمان الخليجيان يسارعان إلى ملئه أولاً. وقال لينش: "منذ العام 2011 وحتى 2013، كانتا في حرب وكالة مفتوحة في المنطقة".

ففي تونس، على سبيل المثال، دعمت كل منهما حزباً سياسياً معارضاً.

وفي أماكن أخرى، غذّت خصومتهما هذه الكثير من العنف؛ ذلك أن كلاً منهما دعمت في ليبيا مجموعات مسلحة خاضت فيما بعد حرباً أهلية. وبالنسبة لسوريا، سعت كل واحدة منهما إلى المزايدة على الأخرى عن طريق تمويل الثوار، بما فيهم المتطرفون.

أما في مصر، فقد دعمت قطر الإخوان المسلمين، الذين فاز مرشحهم بأول انتخابات رئاسية حقيقية في البلاد عام 2012. وفي العام التالي، عندما استولى الجيش المصري على السلطة عن طريق الانقلاب، كافأت المملكة السعودية وحلفاؤها الحكام الجدد بحزمة مساعدات بقيمة 12 مليار دولار.

وقد أسهمت هذه التدخلات، إلى جانب تشكّل الربيع العربي، في إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية في المنطقة.

كما انضمت تركيا إلى قطر في دعم الثورات، لأسباب خاصة، ما شكّل أساس أول تحالف حقيقي لقطر.

وانطلاقاً من خوفها من حدوث ثورات في الداخل، توحّدت الممالك السنية؛ مثل الإمارات العربية المتحدة، خلف القيادة السعودية ضد قطر.

وقد امتد التنافس ليشمل واشنطن، إذ أنفقت قطر بسخاء على الضغط والتبرعات المقدّمة لمراكز الأبحاث. وقد فعلت الإمارات العربية الشيء ذاته، سعياً منها لمواكبة نفوذ قطر في الولايات المتحدة.

 

نظام جديد غير مستقر

قال السيد لينش: "في عام 2013، أصبح هناك تراجع في الموقف القطري بشكل أو بآخر".

فقد عانت الدول الحليفة لقطر التي شهدت ثورات الربيع العربي نكسات مدمرة، كما تنازل الشيخ حمد، نتيجة حالته الصحية المتدهورة، عن العرش ليخلفه نجله البالغ من العمر (33عاماً) والذي لا يملك الكثير من الخبرة. وبهذا انتهت فترة ولاية البلاد كقوة إقليمية .

ومع ذلك، احتفظت قطر باستقلاليتها وبشبكة العلاقات التي لطالما كانت هدفها الأساسي.

وقد تساهلت المملكة العربية السعودية مع استقلال قطر، للتركيز على حرب وكالة إقليمية أخرى ضد إيران. وقد خدم هذا بدوره مصالح الولايات المتحدة، التي اعتمدت على كل من السعودية وقطر في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية والتي أرادت كذلك أن تهدأ الخصومة بينهما.

علاوةً على ذلك، فقد زاد الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، والذي عارضته السعودية، زاد من تعقيد المسألة. وهذا دفع بالمملكة إلى الشعور بالقلق المتزايد إزاء علاقات قطر بإيران، وإن كانت محدودة، إلا أنها لم تكن راغبة في الضغط على قطر؛ ذلك أن السعوديين كانوا على دراية بأن أمراً كهذا من شأنه أن يؤجّج التوترات مع واشنطن فيما يخص الاتفاق مع إيران.

وبهذا وجد الخصمان نفسيهما في حالة من التوازن الضعيف غير المستقر.

 

مقامرة سعودية

على الرغم من تراجع قطر، إلا أن حملتها تلك لقّنت السعودية درساً لن تنساه: وهو أن قطر غير المنضبطة شكّلت تهديداً خطيراً.

وقد وجدت المملكة العربية السعودية، التي انضمت إليها دول خليجية أخرى ومصر، وجدت أخيراً فرصتها في إعادة فرض هيمنتها عن طريق حصار الأسبوع الماضي.

وهذا من شأنه أن يُرغم من يقفون على الحياد على أن يختاروا أحد الطرفين، في وقت تكون فيه السعودية هي الطرف الأقوى. وما تزال الرياض تعمل على إعادة إرساء الهيمنة الإقليمية تحت ضغوط متزايدة من إيران.

لكن يبدو أن المملكة العربية السعودية تفوز بالجائزة الكبرى على وجه السرعة: وهي الدعم الأمريكي.

إذ رحّب الرئيس ترامب، الذي تلقّى ترحيباً حاراً في الرياض الشهر الماضي، رحّب بالحصار المفروض على حليف أمريكي، وهذا انعكاس سياسي مفاجئ يبدو أنه حدث في ليلة وضحاها. وقد بدا حسب تغريداته على موقع تويتر أن الحصار كان فكرته.

لكن الكشف عن ذلك قد يكون محفوفاً بالمخاطر.

 

هذا وقدّمت إيران مساعدات غذائية لقطر، مراهِنة على أنها تستطيع توسيع نفوذها هناك وربما في دولتين خليجيتين أخريين؛ وهما الكويت وعمان، اللتان تسعيان إلى تحقيق التوازن مع المملكة العربية السعودية.

كما أعلنت المغرب، الحيادية منذ البداية، يوم الاثنين أنها سترسل مساعدات غذائية إلى قطر، حسب تقارير مغربية.

غير أن الخطوة الأكثر أهمية ستأتي من تركيا، التي وقفت إلى جانب قطر صراحة؛ إذ وافق البرلمان فيها على اتخاذ إجراء يسمح لتركيا بإرسال ما يصل إلى 3 آلاف جندي إلى قاعدتها في قطر، حيث يوجد هناك 100 جندي حالياً.

وقال "آرون شتاين"، وهو محلل في مركز الأطلسي، مركز الأبحاث الذي يتخّذ من واشنطن مقراً له، قال بأن تركيا قامت مؤخراً بتصحيح علاقاتها مع السعودية، سعياً للوصول إلى حل وسط "إلا أن هنالك حدوداً لذلك".

كما أيّدت وسائل الإعلام الحكومية التركية، التي لا تملك سوى عدد قليل من الأصوات المؤيدة للسعودية، أيّدت الدفاع عن قطر؛ الحليفة؛ على أنه قضية قومية.

وعلى الرغم من أن تركيا عضو في حلف الناتو، إلا أنها انضمت إلى إيران في مواءمة استراتيجيتها الإقليمية مع استراتيجية موسكو خلال العام الماضي. ومن الممكن لموقف موسكو أن يكون الرابح في الأزمة بينما يتشاجر حلفاء أمريكا.

ومع أن قلّة منهم يتوقعون تصعيد المواجهة إلى العنف، ما يزال من غير الواضح بعد كيف يمكن للأمر أن يُحَل. وربما يكون هذا نهاية الخصومة القطرية السعودية التي دامت لعقدين، أو قد يجلب طبقة أخرى من عدم الاستقرار والتحالفات المتقاطعة إلى منطقة لديها الكثير منها في الأصل.

 

 

 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2331345

مقالات المترجم