No votes yet
عدد القراءات: 1763

روسيا وتركيا دفعتا بالغرب خارج سوريا

الكاتب الأصلي: 
Leonid Bershidsky
تاريخ النشر: 
16 كانون اﻷول (ديسمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

يمكننا القول أن المأزق اﻻنساني في حلب، والنصر العسكري للنظام اﻷسد وتطور العلاقات الروسية التركية التدريجية في سوريا، قدم علامة بارزة على هزيمة فعلية للسياسة الخارجية اﻷمريكية. وهذا سيكون له ارتدادات عبر الشرق اﻷوسط.

 

روسيا وتركيا دفعتا بالغرب خارج سوريا

يبدو أن ﻻ أحد من القوى اﻷمريكية أو اﻷوربية كان لديها علم بالمفاوضات الروسية-التركية حول وقف إطلاق النار و صفقة إخلاء حلب يوم الثلاثاء. بعد استعادة قوات الرئيس اﻷسد للمدينة المدمرة والهامة. وهذا قد يكون أمراً طبيعياً جديداً في سوريا، طالما هذه القوى الغربية وقفت وتقف موقف المتفرج، بدل أن تكون مشاركاً فعالاً في اﻷزمة.

وتم اﻻتفاق على اخلاء المدينة المحاصرة صباح يوم اﻷربعاء، وأصبح بحكم المؤجل بعد انفجار القتال بين الطرفين، وكما جرت العادة كل طرف يتهم اﻵخر بخرق الاتفاق، وفي هذه اﻷجواء تستمر المحادثات بين تركيا وروسيا بمعزل عن الدول الغربية. حيث قال وزير الخارجية الروسي لافروف صباح يوم اﻷربعاء، أنه لم يكن مبرراً الدخول بمفاوضات مع الولايات المتحدة، فالمفاوضات مع تركيا ستكون: "أكثر فعالية  مقارنة بالأشهر التي لم تكن سوى مضيعة للوقت مع الولايات المتحدة."

بينما ناقشت الصحافة الغربية باستفاضة التغريدات باللغة اﻻنكليزية عن قلعة التمرد اﻷخيرة في حلب، فالروس واﻻتراك كانوا يتفاوضون مع كل من المتمردين و نظام اﻷسد، في محاولة لوضع اللمسات اﻷخيرة لنصر اﻷسد. وتضمنت صفقتهم، وضع خطة ﻻنسحاب المتمردين، التي ستجنب المدينيين المزيد من سفك الدماء، وهذا سيعطي لموسكو وأنقرة إمكانية الظهور بمظهر الداعم والحامي الانساني وانجاز ما يمكن تسميته بصنع السلام بدلا من صناعة الملوك.

لا يوجد لدى الولايات المتحدة أدنى فكرة حول الموضوع. وكما قال الناطق باسم الخارجية اﻷمريكية، جون كيربي : " ﻻ علم لي، ليس لدينا أي مؤشرات عن وجود نقاشات ثنائية للتوصل الى هذا النوع من اﻻتفاق،" وقال جون كيربي عندما سئل عن دولة حليفة مثل تركية منخرطة في المحادثات قال : " ﻻ أعرف ان كان هناك اي معرفة سابقة."

ويبدو أن سامنثا باور لاعلم لها بأية صفقة كانت قد أنجزت عندما أطلقت كلمتها أمام مجلس اﻷمن التابع لﻷمم المتحدة، ولامت كل من نظام اﻷسد وسوريا وايران " ومساهمتهما في خنق المدنيين " وسألت : " هل حقاً غير قادرين على الخجل؟". وفي مؤتمر صحفي عقد في برلين الثلاثاء بين الرئيس الفرنسي والمستشارة اﻷلمانية ميركل تحدثا عن الوضع "الكارثي" و "المفجع" في حلب، ولم يشيرا إلى أنهما يعرفان أي شيء عن الصفقة. وكذلك اتصل وزير الخارجية اﻷلماني مع نظيره الروسي لمناقشة الوضع في سوريا وقضايا أخرى، بعد أن تم اﻻعلان عن الصفقة. وتقول قراءات الكرملين للاتصال الذي أجرته ميركل مع بوتين : " تم اتفاق على تكثيف اﻻتصالات الثنائية "، التي عكست استياء ميركل لعدم أعلامها بالموضوع.

 

هذا ما يحدث عندما ﻻ ترغب القوى الغربية في القتال وليس لديها أي قابلية لصفقة ما. فالولايات المتحدة والدول اﻷوربية  فعلت القليل لمساعدة سكان حلب - هذا الشيء الذي حدث لا يمكن نسيانه بالترافق مع سفك الدماء وبطش نظام اﻷسد. وتلك البلدان التي كانت راغبة في القتال والمحادثات صعدت وتقوت كلاعب حقيقي.

ويبدو أن مصالح  هؤﻻء اللاعبين تتماشى مع بعضها البعض، ومع ذلك، لكل من روسيا وتركيا مصالح متباينة وعميقة في سوريا. فالرئيس اردوغان عدو للاسد، وبوتين حليفه.  ولدى أوردغان مشكلة أساسية مع القلاع الكردية في سوريا، التي يعتقد انها عملت كمزعزع للاستقرار في الوضع عبر الحدود التركية. وقام بوتين بدعم اﻷكراد، وأصرت روسيا على أن اﻷكراد سيشاركون بأي محادثات حول مستقبل سوريا. ومنذ عام أسقطت القوات الجوية التركية الطائرة  الروسية بالقرب من الحدود التركية، أدى هذا الى تصعيد المواجهة بين بوتين وأوردغان التي استمرت الى أن  أعلن بوتين فورا  عن موقف لا لبس فيه عن دعمه للزعيم التركي أردوغان ضد اﻻنقلاب العسكري الفاشل.

لا يوجد هناك حل واضح للخلافات الروسية والتركية حول سوريا اقل من تقسيم البلاد الى " منطقة روسية " و "منطقة تركية " على غرار تقسيم بعد الحرب العالمية اﻷولى ﻻيران بين روسيا وبريطانيا، وهذا الاحتمال طرحه مؤخرا الخبير التركي ديفيد بارتشارد في مقاله له في عين الشرق الأوسط. ربما تتحرك اﻷشياء باتجاه هذا النوع من الحل الحق خارج عصر اللعبة الكبرى : بوتين وأوردغان كانا يتحدثان على الهاتف قبل ان يقوم كل منهما باتخاذ خطوة رئيسية في سوريا. ولا يشعران بالحاجة ﻷنخراط الدول الغربية.

 

من الواضح ان روسيا فقط تفاوض اﻵن لوقف إطلاق النار في حلب مع الولايات المتحدة، كستار للعمليات التي تحددت بهدف واحد -  نصر عسكري لنظام اﻷسد. ويعتبر تحفظ تركيا اﻷكثر قلقا للولايات المتحدة - لكن ربما لا يكون مفاجئا. وتركيا هي عضو في منظمة حلف اﻷطلسي التي تجرأت على وضع قواتها على اﻷرض في سوريا في عملية دعتها درع الفرات. وتملك قدرات عسكرية ضخمة تجعلها تحقق المكاسب من دون مساعدة الولايات المتحدة. والقبول الضمني الروسي أكثر أهمية بالنسبة لها مقارنة بحلفاء الناتو.

واذا اتفق البلدان اﻵن على كيفية مواجهة التهديد المشترك -الدولة اﻻسلامية- فإنهما سيكونان في وضع للتفاوض على تسوية ما بعد الحرب مع مختلف الأطراف السورية.

 

تحتاج روسيا وتركيا الى تقسيم عادل للمسؤوليات في القتال ضد الدولة اﻻسلامية، وهذا من الصعب أن يكون ممكنا تحقيقه. وتقاتل القوات التركية بفعالية داعش في جوار حلب، في مدينة الباب التي تسيطر عليها الميليشيات المتشددة، لكن، وفقا للحكومة التركية يتم تطويقها والعمل على إسقاطها. حيث تعتبر هذه المنطقة حيوية بالنسبة لنظام اﻷسد، لكن النشاط التركي هناك يبدو مريحا للروس طالما الجيش التركي يقف بعيدا عن حلب. ولم تكن روسيا، وخاصة في الفترة اﻷخيرة تستهدف داعش، بل ركزت قواها النارية على حلب : حتى أنها أجبرت أن تسحب حاميتها الصغيرة من تدمر، وكان نصرا هاما لروسيا عندما استعادتها بداية هذا العام من الميليشيات التابعة للدولة اﻻسلامية.

وبرفض تركيا المغامرة بقواتها البرية لدعم الطرف اﻷضعف في الصراع --  المتمردون الذين يُقصفون اﻵن في حلب والذين يحتاجون الى الكثير من المساعدة التركية لبقائهم يقاتلون في العديد من اﻷماكن -- أبقت الولايات المتحدة نفسها خارج سوريا. وكل طرف بما فيهم الحلفاء، ينظرون الى عدم جدوى اﻻعتماد على واشنطن للمساعدة أو من أجل إيجاد الحلول.

 يمكننا القول أن المأزق اﻻنساني في حلب، والنصر العسكري للنظام اﻷسد وتطور العلاقات الروسية التركية التدريجية في سوريا قدم علامة بارزة على هزيمة فعلية للسياسة الخارجية اﻷمريكية. وهذا سيكون له ارتدادات عبر الشرق اﻷوسط وترك اﻻدارة القادمة للرئيس دونالد ترامب تواجه خيارا صعبا:  إما أن تلعب دورا ثانويا في المنطقة  وإما محاولة إظهار قواها في المنطقة لمنع روسيا وتركيا من تقسيم مناطق النفوذ.

 

علِّق

المنشورات: 14
القراءات: 51455