عدد القراءات: 13127

سجن صيدنايا، وحماه.... وقيامة اﻷب.!!

لم يبق لنا ما نحلم به، صرنا منزوعي اﻷحلام واﻵمال، وكأننا عندما نحلم ونتمنى، تنفتح أمامنا أبواب الجحيم في بلد تتعمق فيه المأساة اﻻنسانية، ولا يمكن الركون إلى قضية بعينها، فكل قضايا هذا البلد أضحت مفتوحة ونازفة من أكبرها إلى أصغرها وفي طريقها إلى النسيان، ومهما كان حجمها ووزنها وشكلها، بلد أو نصف بلد، ربعه أو نصف ربعه، فالتربّع على عرش السلطة والبقاء والديمومة ظل أولوية، وهو أولوية للخمسين سنة القادمة.

لا حل وسط في سوريا، فهي لم تتعود  تاريخياً على رسم المعادلات والتسويات والتنازلات، على مدى خمسين عاماً ظلت آليات القهر والدم والرعب حاضرة في كل زاوية ومخرج مهما كانت طبيعة الحدث أو الازمة.

جاء تقرير منظمة العفو الدولية ليلامس بعض الحدود القصوى من ممارسات وجرائم النظام بحق المعتقلين، الذين يستحقون كل اهتمام ورعايه ومتابعه، ليبقوا معلما بارزا صعب النسيان. قضية المعتقلين هي جزء من كل، من بلد ينام على وجع ومأساة تتسع وتتعمق الى حد لا يمكن احتماله، هكذا تغدو قضايانا نحن السوريون تتمادى، لا شيء يخطر بالبال إلا ولاقى ما لاقاه من انتهاك وإذلال وويل.

اﻻنسان السوري، نسي الكثير من مستلزمات حياته ومتطلباتها مكرها وما زال يقاوم، بعد أن قتل وجرح  وسجن وخطف وحوصر وشرد وطرق أبواب اللجوء في كل العالم.

ليس لدى المعتقل اﻷعزل سوى جسده، يتفنون في تحطيمه وتدميره حيا ام ميتا  لا فرق، دائما الهمج يدخلون التاريخ بجرائمهم وشرورهم.

سجن صيدنايا، السجن العسكري اﻷول في دمشق، أي قلعة، أي صرح للقتل والموت، لا عجب أن يصبح البديل الفعلي عن سجن تدمر المرعب بعد أن خسره النظام وفجرته داعش، ولو كان مايزال تحت سيطرة النظام لأعاد اﻻعتبار له وزج فيه اﻵلاف من المعتقلين، وكان حصد سمعه تضاهي سمعة سجن صيدنايا بل وأكثر. في بلادنا لا تنتهي صلاحيات السجون والمعتقلات، ﻷنها جزء لا يتجزأ من آليات بقاء السلطات على الصدور.

بلد حولوه الى سجن كبير، والسجون كانت ولا زالت أماكن للتعذيب واﻻعدامات الفردية والجماعية واﻻباده والجوع واﻷمراض، دائما تعكس حجم اﻷزمة وحدة الصراع في بلد مأزوم تلتهمه نيران الحرب والويلات، وفي سوريا دائما اﻷزمة والصراع الداخلي يظهر شكله وخصائصه في السجون وعنف الممارسات، التي ترتكب بحق المعتقلين، الحلقة اﻷضعف في سلسلة الصراع، وضحية نموذجية للتنكيل وممارسة فنون السادية والقتل. في الثمانينات من القرن الماضي، غرقت البلاد في صراع سياسي وعسكري غاشم ومدمر بقيت ذيوله ومضاعفاته الى أكثر من عقدين من الزمن، وكان لسجون النظام دورا كبيرا في ارتكاب ابشع وأشنع الجرائم بحق السجناء. ولم يكن لها مثيل في كل أنحاء العالم. وكل قضايانا لا شبيه لها بالعالم.

 

كسجين سياسي سابق، أشعر بالخزي والعار عندما أقرأ او استمع الى اﻷخبار المتناقلة عن ما يمارس ضد المعتقلين، الخزي والعار من نظام بقي متربعا على عرش السلطة بالحديد والنار، ونجح في تمرير خطابه التلفيقي في أن كل من يعارضه بالسلاح او بالكلمة، ﻻ شك هو ارهابي، لا بد من استئصاله، والخزي والعار من مجتمع دولي وعلى رأسه أولئك الذين يتبجحون بالديمقراطية وحقوق اﻻنسان وينسون ويتناسون كل شيء عنها عندما يطلب منهم موقف فعلي وجدي، والخزي والعار من جماعات المعارضة المسلحة والمعارضة السياسية الذين تركوا وتخلوا عن كل شيء، إلا صراعاتهم العقائدية بين بعضهم البعض، وعلى السلطة والمال والقائمة لا تنتهي، بل راحت تحاكي وتمارس منظومة بنى وأساليب النظام في التمويل والتسليح والعقاب والخطف والقتل والفساد..الخ. والخزي والعاري للنظامين الروسي والايراني اللذين يدعمان النظام ويغطيان على كل أعماله اﻻجرامية ويشجعانه على المضي قدما في سياسة اﻻبادة الجماعية والقتل.

وبالمقارنة بين شروط سجني المريحة نسبيا ولحد كبير، وشروط السجناء في السجون الحاليه، وما كان متاحاً لي وما هو متاح لهم الأن، وشكل التعامل معي ومعهم، وهذا لا يعني أنني أقدم شهادة حسن سلوك للنظام، لا ليس هكذا، إنما المعيار يظل مرتبطا بالصراع وطبيعته واستمراره والتهديد الذي يمثله طرف الصراع بالنسبة للنظام.

لذا، وعلى نحو دائم أقول بيني وبين نفسي، كنا محظوظين في أننا خرجنا بكامل قوانا العقلية والصحية والنفسية، وأطلقوا سراحنا فعلا.؟! فأنا وغيري كثر، لم نكن نصدق أن يحصل مثل هذا، حتى لو وضعونا تحت شمس الحرية، سنظل غير مصدقين ومشككين. وأيضا أجد نفسي لا تطاوعني عند الحديث عن تجربة السجن وكل آﻻمها وعذاباتها، فما يحدث اﻵن، يجعلني أتجاوز تجربتي وتجارب غيري، وتبدو قزمة بسيطة، وكأنها منتهية الصلاحية أمام أهوال جديدة ترتكب ضد المعتقلين. علما أن يد النظام بقيت طليقة في فعل ما يريد من دون أي حسيب أو رقيب، ولن يتوانى منذ خمسين عاما عن القتل واﻻعتقال والخطف والسحل وابتكار الفنون في التعذيب واﻹخفاء...الخ.

تضامني كبير مع كل سجين، مهما كانت التهمة الموجه اليه، ما لم يحال الى محكمة عادلة وتصان حقوقه، ومن أي بلد كان ،المعتقل أي معتقل عنده يتوقف كل كلام وكل شيء، اي همسه او كلمة او خبر او تضامن او سلام ترفع من معنوياته وتنتشله ولو للحظات من مستنقع الموت البطيء، عندما كنا نسمع خبرا بالراديو او بالصحافة او عن طريق الزيارات عن المعتقلين، الذي يطالب بتحسين شروط اعتقالنا او يطالب باطلاق سراحنا، نبقى ﻷيام ونحن نعيد ونكرر ونناقش مجمل حييثياته  ولا نرتوي..؟؟

 

كنا نقول، سنكون نحن آخر المعتقلين في سوريا وحتى في العالم، إذ حالفنا الحظ ونلنا حريتنا،  وستنتهي الى غير رجعة حكاية السجون الجبارة والفاجرة والعاهره، وتبقى حكاياتنا وتجاربنا وقصصنا على تنوعها الختام والنهاية. هكذا كنا نحلم..؟!

حلم مشروع لسجناء يتمنون عن حق اغلاق  مثل هذه المؤسسات القهرية والقمعية، وحينها كان لتجربتنا خصائص ومعاني، وكان لتجارب اﻷخرين خصائص ومعاني وعلى اختلافها المليئة بالعذابات والقهر والقتل والاخفاء والتعذيب والاعدامات ..و..و، ولا يعقل أن تستمر هذه اﻵله العمياء والوحشية وتواصل تغولها وسمومها. وكسلطة اكراه، تبدو السلطة السورية قادرة على فعل ما تراه يتفق ويتوافق ومنطقها ونهجها، طالما لا يحكمها أي قانون أو رادع، لذلك تعمل على تجريد المعتقل من أبسط معانيه وصفاته الانسانيه الى التشنيع فيه حيا او ميتا.

إذاً، نحن أمام مشهد مريع ما بعد التشنيع والهوس والجنون، يقابل هذا انعدام وتردي قيم ومعايير المجتمعات اﻻنسانية ومشاركتها في ارتكاب مثل هذه الجرائم بالصمت والنسيان واللامبالة.

وﻷني أمضيت سنوات طويلة في السجون السورية، ابتداء من فروع اﻷمن على كثرتها وانتهاءا بالسجون، سجن صيدنايا، الذي سجنت فيه عشرة أعوام. أحس بانتمائي الخاص اليه، فأخباره وأخبار المعتقلين لم تنقطع على مدى اعوام كثيره، بل زادت تفاقما ووجعا منذ ٢٠١١  او ﻷقل بالذاكرة والنسيان، بالذاكره التي تستمد أحداثا وأخبارا جديدة ومتجددة من واقع متفاقم ومنكوب وحرب أكلت اﻷخضر واليابس، لا لتذكرني بذكرياتي الخاصة والشخصية فحسب، وإنما تحملني اليه وتحمله الي ﻷفليه جناحا جناحا ومهجعا مهجعا وزنزانة وراء آخرى، وبالنسيان الذي يمكن أن يحصل لو كانت اﻷحداث مغايرة قطعا لما يجري، اي أن نكون أمام مخرج حقيقي للمجتمع في حياة سياسة وديمقراطية وسلام يشارك فيها الجميع باتجاه بناء بلد نحلم به وننشده. هل قادرين على الحلم.؟

 

هل نحن قادرون على الحلم.؟

بعد أيام من إطلاق منظمة العفو الدولية تقريرها الذي عنونته : المسلخ البشري. وفي الذكرى ٣٥ لمجزرة حماه، يتفاجىء أهالي مدينة حماه، بوجود عناصر أمنية وبكثافة شديدة حول ساحة النسر في المدخل الجنوبي للمدينة، ليتبين ان النظام يهيء لجلب تمثال اﻷسد اﻷب وإعادته الى مكانه السابق، وبالفعل تم نصبه من جديد، والذي تم اﻻتفاق على تفكيكه ونقلة بداية الاحتجاجات والتظاهرات السلمية في  حماه حزيران ٢٠١١   . 

 

علِّق

المنشورات: 14
القراءات: 41156