No votes yet
عدد القراءات: 1032

الرقة، الموصل، الحرب الطويلة

الكاتب الأصلي: 
Anthony H. Cordesman
تاريخ النشر: 
15 تشرين الثاني (نوفمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

من الطبيعي أن تركز معظم التقارير والتحاليل العسكريين على كل تطور هام في المعارك اليومية ضد داعش، لكن معركة تحرير الموصل والرقة هي فقط الجزء اﻷول من الصراع اﻷطول واﻷكثر تعقيدا الذي قد يستمر لسنوات، في حين تحدث بعض من مسؤولي البيت اﻷبيض عن " نصر " في الموصل وحتى الرقة - قبل مغادرة الرئيس أوباما مكتبه. وفي الحقيقة لا احد من هؤلاء شارك في تشكيل استراتيجية امريكية وعراقية واعتقدوا أن هذا هو الممكن، فالجسد اﻷساسي من قوات داعش في الموصل باﻻمكان هزيمته، لكن هذا سيكون فقط مقدمة لما  سيكون  قتالا مختلفا وطويلا جداً.

لقد حذر ضباط ومسؤولون بارزون من الوﻻيات المتحدة علانية على مدى أشهر، من أن تطهير الموصل محتمل ويمكن أن يُتبع بفترة طويلة من القتال مع عناصر داعش، التي يمكن أن  تتناثر بالريف العراقي او تنتقل الى سوريا، وقد جعلوا من هذا واضحا، بأنه ما لم تنهار داعش فعلياً، سيتوجب على القوات اﻷمنية العراقية  أن تضمن المدن لفترة طويلة من الوقت،  ويتوجب عليها أن تقوم بذلك في كل وقت كي يتمكن العراق من إعادة  الناس الذين تركوا بيوتهم من الموصل والمدن والقرى اﻷخرى في غربي العراق، وﻹعادة بناء هذه المدن والقرى. وحذروا أيضا أن بعض من مقاتلي داعش قد يفرون الى بلدان أخرى و يقومون بتنفيذ أعمال إرهابية، لكن سيحاول مقاتلون آخرون من داعش القيام بهجمات تستهدف كل العراق – مثل الهجمات الجارية الآن.

 

ومن الجلي تماما، أن القتال ضد داعش في الموصل والعراق لا يمكن فصله عن القتال ضد داعش في الرقة وسوريا. فالحدود الطويلة بين العراق وسوريا من المستحيل ضبطها بوجه المتسللين، وهناك الكثير من القنوات السهلة نسبيا تُستخدم لتهريب الأسلحة الخفيفة والثقيلة. وبقاء داعش حرة الحركة في سوريا، يعني ازدياد التحدي  بوجه تحرير الموصل وبقية العراق، إضافة إلى التحدي في محاولة لخلق حضور للتمرد السوري بعيدا عن الحركات المتطرفة الأخرى، التي يمكن أن تحقق ذلك، أو تحتويهم القوات الموالية للأسد.                                                                                                             

عاجلا ستقع داعش تحت ضغط من كل من سوريا والعراق، والأكثر احتمالية أن التهديد الأوسع  للموصل يمكن احتواؤه، والأكثر احتمالية أيضا هو أن الأمر  يمكن أن يتطور لصدام مع قوات الأسد وقوات التمرد المتطرفة مثل فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً).

وبالضغط أكثر على داعش في كل من العراق وسوريا، ستصبح الفرصة الأقل في أن العديد من مقاتلي داعش في كل من العراق وسوريا سينضمون إلى مجموعات إسلامية متطرفة أخرى، إذا ما انهارت القيادة المركزية لداعش تماماً.

هنا من الأهمية بمكان أن نلاحظ أن تركيز كل من الولايات المتحدة وأوروبا على داعش يتجاهل حقيقة أن معظم قواعد المعلومات عن الارهاب تشير الى أن داعش كانت مسؤولة عن اقل من خمسة عشرة بالمائة من الحوداث اﻻرهابية في الشرق اﻻوسط وشمال افريقيا في عام ٢٠١٥ ، وأن عنف التطرف ارتفع في العديد من المناطق اﻷخرى حيث تم ربطها بالقاعدة . اليمن هو الحالة الأوضح التي يمكن الاشارة اليها. والصراع ضد التطرف والإرهاب سيتواصل طويلا بعد أي نوع من النصر الفعلي في الموصل والرقة.  

                                                                                                                   

هذا جزء فقط من القصة. حيث أصبح واضحاً تماماً، أن حكومة العبادي في العراق  بحاجة ماسة لتظهر أنها قادرة على طرد معظم قوات داعش خارج العراق – إشارة فعلية عن النصر -  وأن تقدم استقراراً إضافياً، يمكن أن تستخدمه في محاولة إعادة بناء المناطق السنيّة الأوسع التي عانت تحت حكم داعش في غربي العراق، والعمل على شكل ما من الفيدرالية أو التسوية التي يمكن أن تخلق علاقة مستقرة مع حكومة إقليم كردستان، وتسمح للحكومة المركزية العراقية أن تنبثق كقوة يمكنها أن تحد من النفوذين الخارجيين لكل من إيران وتركيا.

يمكن القول أن القتال الفعلي هو جزء فقط من التحدي الذي يواجهه العراق. وقد أوضحت تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بوضوح، أن تكاليف القتال واقتطاع الـ 50% من عائدات البترول المُصدر تركت العراق على شفا الإفلاس. العراق بحاجة ملحة للموارد والوقت لإعادة بناء مدن كاملة والكثير من الاقتصاد في غربي العراق، والتعامل مع مشكلة البطالة بين الشباب بشكل جيد للحد من نسبة 25%، ولتقليص مستوى الصراع بين العرب والكرد والسنة والشيعة، و على سيطرة الميليشيات الشيعية المرتبطة بايران.

كل تلك العوامل تهدد الحكومة المركزية العراقية المنقسمة بعمق والهشة. ويقدم " النصر"  في الموصل  ضمانات أن الحكومة المركزية العراقية يمكن أن تمسك ما يمكن أن يأتي ﻻحقاً، لكن بقاء داعش في الموصل يعطي أرجحية كبيرة بأن الحكومة المركزية العراقية ﻻ تستطيع أن تُوحد أو تُصلح أو تُمسك كل البلاد.

الوضع في سوريا أسوأ تمامًا. فبالرغم من ماكان ممكناً في الماضي، ﻻ وجود لخيارات جيدة اﻵن. يبدو مرجحاً أن نظام اﻷسد وايران وحزب الله وروسيا تمكنوا من السيطرة التامة على غربي سوريا -حوالي ٧٥% من المقيمين من إجمالي عدد السكان في سوريا- وبدورهم فإن المتمردين العرب منقسمين بعمق، والعناصر السنية الأكثر تطرفاً تقود القتال ضد نظام اﻷسد. ويبدو أن تركيا قد انجرفت باتجاه حكم رجل قوي وطد حكمه ضد أكرادها، وهؤﻻء الأكراد في كل من سوريا وإيران، والوﻻيات المتحدة وقوة الحلفاء العرب محدودة ومشكوك فيها.   

   

إنه أبعد عن الوضوح، فيما اذا بامكان الوﻻيات المتحدة دعم خليط من قوات سورية التي ما زال الكرد بشكل رئيسي يشكلون عامودها الفقري والعناصر العربية السورية المحدودة في القتال لتحرير الرقة من دون إثارة حفيظة خليط من التركي واﻻيراني والروسي، أو رد فعل اﻷسد, من الواضح أن الوقت لن يجعل اﻷشياء أفضل، وأن ترك أكراد سوريا من دون دعم سيكلف الوﻻيات المتحدة حليفها الموثوق الوحيد في سوريا، ولا يمكن أن تأمل أن تبني قوة عربية معتدلة من دون نواة ما للدعم،  و وبالتالي يمكن أن تكسب انتصارات فعلية.

إذا كان لدى الوﻻيات المتحدة أمل جدي في إعادة ترميم موقعها في الشرق اﻷوسط، لا يمكنها أن تنتظر  الى أن يتركز الضغط على داعش في الرقة. وإذا كان لدى اﻻدارة اﻷمريكية القادمة خيارات سيئة أو مشكوك فيها، في الواقع، الفعل اﻵن. وفي نفس الوقت، ﻻ أحد ينبغي أن يكون واهماً أن الرقة وداعش  هي جزء صغير من الأزمة السورية التي دمرت القسم اﻷعظم من اقتصادها، و انقسمت البلاد إلى فصائل مسلحة، حيث أعمال القتل ﻻ تطال اﻻ المدنيين - ما يقارب من ٩٠% -  اتوا هرباً من القتال الدائر بين نظام اﻷسد والفصائل المتمردة العربية، ولم يفروا من القتال مع داعش. الموصل والرقة وداعش - حتى العراق - هي فقط المقدمة للصراع في بقية  أنحاء سوريا ، وممكن أن يبقى لسنوات، وأصبحت بالفعل مأساة تطوي فيها ١٢ مليون مواطن .  

 

علِّق

المنشورات: 14
القراءات: 50288