No votes yet
عدد القراءات: 1073

الحقيقة المُرة عن النقد البَناء

الكاتب الأصلي: 
Liz Ryan
تاريخ النشر: 
22 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

عندما كنت في الثانية والعشرين من عمري، حضرتُ أولى ورشات العمل الخاصة بالقيادة، حينها، تّحدث المدرب عن النقد البنّاء، الشيء الذي لم أسمع عنه من قبل في حياتي قط.

وقد عَرَّفَ المدرب مفهوم النقد البناء قائلا: "إنَّ النقد البنّاء هو أن تخبر الموظفين عمّا يستطيعون فعله بشكل أفضل في المرة القادمة، بدلاً من قولِ إنَّ ما فعلوه كان خاطئاً".

وطرحَ أحدُ المشاركين في الورشة السؤال التالي: "ماذا لو لم يُصغِ الموظف إلى تعليقاتي؟!".

فأجابه المدرّب قائلاً: "عند ذلك، قد تُضطّرُ لإبداء التعليقات نفسها ولكن بطريقة مختلفة، يمكنك تجريب عدّة أساليب للتعليق إلى أن يصغي إليها الموظف ويعمل بموجبها".

ارتدَّ دماغي البالغ من العمر 22 عاماً وتساءلت "لماذا يتمحور التدريب على القيادة دوماً حول إخبار الموظفين بشيء ما بدل سؤالهم عن آرائهم؟!".

إذا كان أحدهم لا يصغي إليك، فلماذا تحاول أن تقول له الشيء نفسه مجدداً بطريقة مختلفة؟. لماذا لا نغيّر طريقة السؤال ليكون: "هل تبدو تعليقاتي صائبةَ بالنسبة لك؟!". لربما أكون مخطئاً، ما رأيك؟! .

وقتذاك لم يكن سؤال الموظفين عن آرائهم حول ملاحظاتِ رؤسائهم جزءاً من دليل الإدارة التقليدية.

غالباً ما نشعرُ أيضاً كمدراء بأنَّ ميكروفون السلطة هو حِكرٌ علينا بشكلٍ طبيعي. لماذا نعتقد أنَّه يجب على الموظفين الإصغاء لملاحظاتنا تلقائياً كما لو أننا خبراء بأفضل الطرق لتأدية وظائفهم؟!.

على مرِ السنين، راح السؤال التالي يجول في خاطري: "أيّ نوع من الملاحظات تلقى آذاناً صاغية بشكل أفضل وتجعل الموظفين يعملون بموجبها على نحوٍ أكثر سهولة؟!. واليوم، و بعد أن نبَّهتنا ورشة العمل في الألفية الجديدة على أهمية الخوف والثقة في مكان العمل، فإنَّ الإجابة على سؤالي ذاك تبدو واضحة.

إنَّ الملاحظات التي تُستَوَعَبُ بشكل أفضل ويُعمَل بموجبها بصورةٍ أسهل، هي تلك التي تصدُرُ عن شخصٍ نثقُ به بمنتهى البساطة.

وإذا كنت لا أثق بك، عندها لا يهمّني رأيك في أدائي كما لن أهتمَّ بإرضائك من خلال تغيير الطريقة التي أُنجزُ فيها عملي. في هذه الحالة، سوف تكون وسيلتك الوحيدة لإجباري على فعل ما تريد هي التهديد ولا شيء سواه.

يمكنك تهديد أماني الوظيفيّ علناً أو اللجوء إلى تلميحات مبطَّنة مفادها أنّه إذا لم أكن أتّفق مع رغباتك، فسوف أصبح عِبرة وحكاية. ذَكَرتَني الآن بأن البطاقات في حوزتك جميعها، لذا ينبغي عَليَّ فعلُ ما تريد لا بأس، سأفعل ما تريد.

أنا الآن في حالة إذعان ليست نابعةً من القلب، أعلم ما تريده مني، لذا سأعطيك إيّاه، ولكن ثقتي بك سوف تتراجع عما كانت عليه سابقاً.

لقد جعلتني طوعَ إرادتك، ولكن هل هذه هي القيادة حقّاً؟!. كلاَّ يا سيدي، بل هذه هي إدارة القيادة والتحكم مثلما هي تماماً في دليل الثورة الصناعيّة. إنّ المدراء الذين يتطلعون إلى مستوى قيادة أعلى لا يلجؤون إلى الخوف كسلاح بأيديهم.

وإذا كنتَ محلّ ثقة موظفيك، فحينها سوف يُصغون إلى توصياتك ويحاولون اتّباعها، والعكس صحيح. كم ستكون ورشات تطوير إدارة القيادة عملاً سهلاً لو أننا نقرُ ونعترف بهذه الحقيقة؟!!.

إن الحقيقة المُرة عن النقد البَناء هي أنَّه من غيرِ المهم إذا ما قلتَ لأحد موظّفيك :"لقد أفسدت ذلك يا رجل" /مُركّزاً على الجانب السلبي/ أو :"إليك طريقةً أخرى للقيام بذلك في المرة القادمة بشكل قد يبدو أفضل" /مُركّزاً على الجانب الإيجابي/.

في هذه الحالة، لا تهمّ الكلمات أبداً، بل إنَّ العلاقة القائمة ما وراء الكلمات هي مكمَن الاهتمام.

إذا ما كنت أثق بك، فبإمكاني التعامل مع أقسى التعليقات التي تبدرُ عنك ومعالجتها لأنني أعرف أنّك تدركُ أفضل اهتماماتي، ولكن إذا ما فُقِدَتِ الثقة، فإن كل الأساليب المنمَّقة في العالم لن تساعد على امتصاص انتقاداتك وتَقَبلها.

كذلك فإنني سأرفضُ مُداخلاتك وتعليماتك حتى وإن قمتُ بمحاولة غير مُجدية للتكيف معها، لأنّي لا أحبك ولا أحترمك كما أنَّني لا أجد ما يدفعني للاعتقاد أنك تحبني أو تحترمني.

متى سوف ندرك أنَّ الخوف والثقة هما اللذان يَحكمان مكان العمل ويُمليان نجاح أو فشل الشركات الكبيرة منها والصغيرة.؟

لقد أدركت بعض المنظمات ذلك الأمر.

التقيتُ ذات مرة بنائبة رئيس للتسويق، قالت لي: "لم نعد نقوم بمراجعات للأداء في شركتنا، بل نقدّم لمنسوبينا ملاحظاتنا عندما يريدون ذلك. وإذا كانوا لا يرغبون بهذه الملاحظات، فإننا سوف نمنتع عن تقديمها، باستثناء التعليقات وليدة اللحظة من قبيل "عمل عظيم" أو "رائع، أو  ماذا بشأن هذا التقرير؟! لا أستطيع فهمه بشكلٍ جيد".

سألتُ النائبة: "إذاً ليس لديكم أيُّ عملية رسمية حيث يُعَلِقُ المدير من خلالها على أداء موظفيه؟!. فأجابت: "هذا صحيح، إذا كان لدي ما أقوله حول عملك، فسأخبرك في حينه، وإذا كان لديكِ ما تقولينه لي حول عملي فسوف تُخبرينني. هذه هي الطريقة التي نتبعها في العمل مع بائعينا. إذاً لماذا نتعامل مع موظفينا بشكل مختلف؟!.

من الجيد أن نرى مراجعات الأداء وقد اختفت جنباً إلى جنب مع كثير من تمارين الإدارة البلهاء والمرتكزة على الخوف، والتي تُرِكَت منذ عصر الآلات.

ومن الجيد أيضاً أن نرى المُدراء يقولون لموظفيهم : "لستم بحاجة إلى تعليقاتي أكثر من حاجتي إلى تعليقاتكم. وربما أقل من ذلك، ولا أعرفُ عن وظائفكم أفضل ما تعرفون، ثمَّ من أنا حتى أقول لكم كيف تُديرون مكاتبكم"؟!.

دعونا نتقارب في عام 2017 بتعهدنا التخلي عن ممارسات القيادة والتحكم القديمة التي جعلت الكثير من الناس العاملين مَحطَاً للسخرية فضلاً عن حَرقِ أوراقهم وحالت دون إبداعهم اللامحدود في العمل.

وأخيراً، فإنَّ من السهل إضفاء الطابع الإنساني على ثقافتك بمجرد أن تدرك أنَّ عملك يعتمدُ عليها، وبمجرَد أن تتذكر أنَّ قيادتك من خلال عامل الثقة هي أسهل بكثير وأكثر متعة من الخيار البديل، ألا وهو الخوف!!.

 

----------------------------

الكاتب:

ليز ريان (Liz Ryan) : كاتبة متخصّصة في الموارد البشرية، تكتب في الهافنغتون بوست والبزنس ويك وهارفارد بزنس وفوربس، كما تنشط في مجال الحركة العالمية للموارد البشرية. 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 701041

مقالات المترجم