No votes yet
عدد القراءات: 4806

هل تَغرق واشنطن أكثر وأكثر في مستنقع الحرب في سوريا؟!

الكاتب الأصلي: 
Ilan Goldenberg- Nicholas A. Heras
تاريخ النشر: 
14 حزيران (يونيو), 2017
اللغة الأصلية: 

 

صَعَدَت الإدارة الأمريكية رويداً رويداً من لهجتها عسكرياَ ضد نظام الأسد وحلفائه مجازفة بمخاطر نشر الفوضى إقليمياً"

 

في الوقت الذي توجهت فيه الأنظار في واشنطن هذا الأسبوع نحو شهادة جيمس كومي المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالية "إف بي إي"، كان الجانب الآخر لكوكبنا مسرحاً لحدث كبير قد تترتب عليه عواقب وخيمة على الولايات المتحدة.

ولثلاث مرات خلال الشهر الفائت، زَجَت القوات الأمريكية نفسها في صراع مباشر مع القوات المشتركة لنظام الأسد بما فيها المليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً، ومليشيا حزب الله اللبناني، وربما حتى فيلق الحرس الثوري الذي يضم قوات النخبة الإيرانية. وتفيد التقارير أنه نتج عن هذه الاشتباكات مقتل عدد ضئيل من قوات الأسد، وأنها أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية من الضربة الجوية الأمريكية التي أُعلِنَ عنها بصخب واستهدفت مطار الشعيرات العسكري في أبريل/ نيسان الماضي رداً على استخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي.

ومع ذلك، وحتى مع احتمال دخول الولايات المتحدة الحرب السورية، إلا أنه لم يكن هناك تفسير علني يُذكر من المستويات العليا داخل الحكومة الأمريكية، ولم تَرقَ التغطية الإعلامية لمستوى الحدث وغابت رقابة الكونغرس تقريباً، حيث أنه لا يمكن التعامل بهذا الشكل مع ما قد يتحول إلى تدخل عسكري أمريكي واسع النطاق في الشرق الأوسط.

وقد وقع جل هذه المواجهات في منطقة التنف جنوب شرق سوريا حيث يَعكفُ حوالي 150 عسكرياً أمريكياً على تدريب قوات المعارضة التي تهدف لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. ووقعت المواجهة الأولى منتصف شهر أيار/ مايو الماضي عندما كانت قافلة عسكرية تابعة للنظام ومؤلفة من المليشيات الشيعية وغيرها من وكلاء إيران، في طريقها إلى التنف وتعرضت لضربة جوية شنتها الطائرات الأمريكية. وهذا الأسبوع، وقعت حادثتان إضافيتان – حيث قصفت المقاتلات الأمريكية قافلة برية مدعومة إيرانياً، وما بدا أنه طائرة استطلاع إيرانية الصنع أُفيد باستهدافها القوات الأمريكية قبل أن تُسقِطَها الأخيرة.

 

وإذا ما أردنا فهم سبب حدوث ذلك بصورة أعمق، فهذا يتطلبُ منا ربطه مع الصورة الاستراتيجية ذات النطاق الأوسع. لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر على معظم جنوب شرق سوريا، ولكن تزامناً مع انهيار سيطرته، يسابِقُ تحالفان ضعيفان الزمن بهدف السيطرة على أراضي التنظيم سعياً منهما لتحسين موقفيهما خلال مفاوضات ما بعد الحرب في سوريا والعراق. وأول هذين التحالفين، هو الذي تدعمه الولايات المتحدة ويضم مقاتلين أكراد جنباً إلى جنب مع قوات الأمن العراقية ومختلف العشائر السُنية المحلية في البَلدين. أما الثاني فيضم قوات نظام الأسد والمليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً في سوريا والعراق أيضاً بالإضافة إلى سلاح الجو الروسي ومقاتلي حزب الله اللبناني.

وبطبيعة الحال، هناك أسباب مشروعة للولايات المتحدة تخولها التنافس على هذه المنطقة، إذ تُعتَبرُ ذات أهمية استراتيجية لإيران. وإذا ما استطاع وكلاء طهران السيطرة عليها، فقد يُؤمنون ممراً إلى المناطق التي يسيطر عليها الشيعة في العراق ما قد ينتجُ عنه إقامة ما يسمى بـ"الجسر البري" الذي يمتد من إيران وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. وفي الواقع إن هذا أمر يبعث على القلق واستشعار الخطر بالنسبة لشركاء الولايات المتحدة من العرب السُنة. كما وتحدّث كل من تل أبيب وقادة الحرس الثوري الإيراني، علناً عن فوائد هذا الجسر.

ولكن لربما تكون هذه المخاوف مبالغٌ فيها، إذ أن نقل كميات كبيرة من الأسلحة عبر امتداد 1000 ميل من الأراضي ومواجهة الصعوبات في سوريا والعراق ليس خطة لوجستية مثالية تماماً، بالإضافة إلى ذلك، فإن لدى طهران القدرة فعلاً على نقل الإمدادات إلى دمشق ومن هناك تُرسِلها إلى جماعة حزب الله في لبنان.

وتُمثِلُ هذه المنطقة أيضاً المكان المناسب لردع إيران عن تصرفاتها الرامية لزعزعة الاستقرار في عموم الشرق الأوسط، وطمأنة الشركاء الإقليميين القلقين من نفوذها المتنامي. ولطالما استخدمت الولايات المتحدة منذ زمن هذا المجال الجوي وأقامت منطقة منزوعة السلاح بصفة غير رسمية على امتداد مساحات واسعة من شرق سوريا في أعقاب التدخل الروسي خريف العام 2015، كما أقامت واشنطن وعلى الفور منطقة أكثر رسمية في محيط منطقة التنف وقد يتم توسيعها. ومهما يكن، فإن الهجمات المدعومة إيرانياً لم تستفد حتى الآن من الدعم الجوي الروسي- وقد يكون الروس على ما يُرام وهم بعيدون عن هذه المعركة.  وبالنسبة للروس، يُعَدُ شرق سوريا أقل أهمية استراتيجياً من غربها الذي هو أكثر أهمية لبقاء الأسد، وحيث تقع قاعدة طرطوس البحرية.

 

ولذلك، يبدو أن للولايات المتحدة وحلفائها اليد العليا في المنطقة. ويمكن أن يردع التحالف الذي تقوده واشنطن، الهجمات الإيرانية ويرسل رسالة واضحة مفادها أن شركاء الولايات المتحدة هم من سوف يستعيد السيطرة على هذه المنطقة من أيدي تنظيم الدولة في نهاية المطاف دون أن تضطر واشنطن إلى تصعيد ضرباتها الجوية أو تقديم أي التزامات أخرى بإقحام قوات برية.

ثم مرة أخرى، من الصحيح أيضاً أن واشنطن كانت ولسنوات تحاول بناء قوة عسكرية قادرة على انتزاع السيطرة على هذه المنطقة من قبضة تنظيم الدولة لكن من دون نجاح يُذكَر، لذلك قد لا يكون من المجدي المخاطرة بمواجهة تامة مع إيران إذا لم يكن لدى الولايات المتحدة بديل يمكن تطبيقهُ لطرد مقاتلي تنظيم الدولة من المنطقة. كما قد لا يكون من المفيد المخاطرة بتصعيد كبير مع طهران وربما موسكو بخصوص مساحات رملية نادرة السكان شرقي سوريا.

وهذه جميعها بالطبع مسائل سياسية في منتهى الجدية والخطورة وتتطلب مداولات جدية، بيد أنه من غير الواضح أن هذا ما يحدثُ فعلاً، حيث أنه وبدلاً من ذلك، تبدو إدارة الرئيس ترامب أنها تسقط وبشكل أعمى في أتون هذا الصراع في ظل غياب النقاشات العامة لعواقب ذلك. وقد نتجت جميع هذه الاشتباكات العسكرية الثلاث عن القرارات التي اتخذها القادة الميدانيون  الأمريكيون لحماية الـ150 جندياً أمريكياً في الوقت الذي اقتربت منهم قوات نظام الأسد والمليشيات المدعومة إيرانياً. وتحتاج القوات الأمريكية الموجودة على الأرض التفويض اللازم للدفاع عن النفس، ولكن في هذه المرحلة، فإن عدم وجود سياسة واضحة يمثلُ مشكلة رئيسية.

 

ويجب أن يكون أول قرار للرئيس ترامب ما إذا كان سينافس نظام الأسد وحلفاءه –وبالأخص إيران-  للسيطرة فعلياً على هذه المنطقة أم لا. وهذا يعني أن يسأل عما إذا كانت قوات شركاء واشنطن المحليين قادرة فعلاً على انتزاع السيطرة على المناطق من أيدي تنظيم الدولة وطرده منها. ويحتاج واضعو السياسات إلى تقييم مخاطر المُضي في هذا المسار وتحديد مقدار المخاطر التي يرغبون في قبول المجازفة بها. وسيساعد ذلك على وضع استراتيجية للاستفادة من مشاركة واشنطن من أجل الحصول على التزامات من قبل حلفائها الإقليميين الذين يرغبون برؤيتها تفعل ذلك على أرض الواقع. وينبغي على وزارة الخارجية تحديد نوع النفوذ الذي يمكن أن يقدمه هذا التدخل على روسيا وإيران ونظام الأسد وكيف يمكن أن يلعب دوراً في استراتيجية أمريكية أوسع لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا.

وهذه جميعها أسئلة رئيسية تتعلق بالسياسات ولا يمكن لقائد ميداني الإجابة عنها، بل هي أسئلة برسم وزيري الدفاع والخارجية ومستشار الأمن القومي، والرئيس في نهاية المطاف. وإذا ما اتخذت الإدارة الأمريكية قراراً فعالاً لقتال إيران ونظام الأسد جنوب شرق سوريا، فيجب عليها التشاور مع الكونغرس وتسوية الأمر مع الجمهور الأمريكي.

و لكن يطالعنا هنا السؤال التالي: هل يحدث أي من هذا على أرض الواقع فعلاً؟! لا سيما وأن الإدارة الأمريكية والكونغرس غارِقان في أزمة حوكمة من صنع الرئيس نفسه. في هذه الأثناء، تستمر هذه الحوادث جنوب شرق سوريا وقد يتصاعد أحدها عن غير قصد ويرمي واشنطن في أتون حرب مشتعلة أخرى في الشرق الأوسط دون أي نقاشٍ أو خطةٍ جادَين.!.

 

-------------------

الكاتب:

- نيكولاس هيرالز - Nicholas A. Heras زميل في مركز "نحو أمن أمريكي جديد"

- إيلان غولدنبيرغ Ilan Goldenberg مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز "نحو أمن أمريكي جديد"

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 705989

مقالات المترجم