عدد القراءات: 2839

حول معرض عبدلكي في دمشق المحتلة

 

تاريخياً .. الفنان "يوسف عبدلكي" معارض سياسي عنيد للنظام، وصاحب مواقف مبدئية صارمة. وهذا أمر لا يختلف عليه منتقدوه من الأصدقاء، ولما اندلعت الثورة، انتمى عبدلكي لتجمع سياسي معارض، له وجهة نظر سياسية خاصة، لا تستسيغها قوى ثورية عديدة.

لم يقدم "يوسف عبدلكي" نفسه أنه ثوري جذري، بقدر ما قدم نفسه معارضاً سياسياً متعاطفاً ومتفهماً لثورة مجتمعه، وأن قناعته باسترداد الحقوق يمكن نيلها بالمفاوضات السياسية.
والفرق بين المعارض السياسي، والثوري الجذري، فرق شاسع، لكل منهما طريق مختلف تماماً عن طريق الآخر.. لا يشبهان بعضهما في شيء مطلقاً سوى بردات الفعل المستنكرة أو الغاضبة.
فبينما المعارضون السياسيون، بمن فيهم هيئة التنسيق والإخوان المسلمين وحزب الشعب وكل تكتل سياسي موجود في الإئتلاف "الفاشل" ينصاعون للحل السياسي، وللضغوط السياسية، ولشروط الدعم السياسي، وسبغهم الوعود الدولية بمشاركة سياسية مع السلطة الأسدية القائمة ولو بحيلة (المرحلة الانتقالية)، نرى الجذريين يؤمنون بضرورة محاكمة مجرم الحرب بشار الأسد وأعوانه وأزلامه، وكل من تواطأ على سفك دمائهم أولاً، وأن دفع المجتمع الدولي للمعارضة السياسية للقبول بالحل السياسي، ما هو إلا تهرب من استحقاقاته في القبض على المجرم ومحاكمته، فالجذريون مؤمنون أنه لا سلام من دون عدالة، ومن دون هذا الأمر، لا يمكن أن يلتقي السياسيون والثوريون برؤية موحدة لآليات النضال، وعليه فهم لن يلتقوا اليوم ولا غداً، ولا بأي طريقة من طرق التعاطي مع نظام الأسد، فهو خصم سياسي بالنسبة للسياسيين، وعدو مبين بالنسبة للثوريين.
ربما يبدو للمراقب، أن الجذريين حالمون ومنفصلون عن الواقع، شأنهم شأن الرسل والأنبياء، فهم طلاب قيم إنسانية نبيلة مفقودة، يرون في أنفسهم طرف الصراع الأساسي مع النظام، وأنهم لا يقبلون بالحل السياسي مطلقاً، وإذا اضطروا في أسوأ الأحوال، فهم لن يقبلوا قبل تأمين شروط يراها السياسيون تعجيزية، مثل أنه لا تفاوض قبل حرية المعتقلين، ومحاكمة كل الزمر المجرمة من كل المتحاربين ممن سفكوا دماء السوريين الأبرياء.

يوسف بإقامته المعرض في دمشق المحتلة، منسجم مع نفسه مع توجهه وقناعاته، وطريقة تعاطيه في المقاومة السياسية. أما السخرية والتخوين فلن يفيدا أحداً منا، وإذا كان ثمة رأي وجيه أن العدو يستفيد من إقامة المعرض بتلميع صورته الكاذبة الجديدة، فالحق يقال، والثورة يمكن أن تستفيد من معرضه الفني أيضاً، وتقدمه أنه معرض فني تخترق فيه أماكن سيطرة النظام، وأنا متأكد أن عبدلكي لن يمانع أبداً.
هناك الكثير من الفنانين المعارضين الذين يفضلون الحل السياسي، الحل الذي يروج له المجتمع الدولي ويبعدهم عن تبني أفكار خطيرة من نمط ما سبق.
لست مهتماً بالرد على تفاصيل ظلمت عبدلكي ومنتقديه على حد سواء وردت في مقالة "بزي" ومنشورات "الفيسبوك"، ولكني وجدتها فرصة لأن ألفت النظر إلى أن منتقدي إقامة معرض فني لمعارض فنان في دمشق المحتلة، هم أناس يستحقون الاحترام، فهم بموقفهم هذا يكلفون أنفسهم بمسؤوليات ومهمات وأعباء، بحاجة لمثابرة وصبر وإرادة قوية، واضعين نصب أعينهم أهدافاً يراها الآخرون شبه مستحيلة، يتحدّون أنفسهم، لا يقبلون المهادنة مع عدوهم مهما كلّف الأمر من تضحيات، ومتفهمين للحالات الكارثية التي ألمت بالمجتمع السوري... وأنا منهم.

علِّق

مقالات الكاتب