عدد القراءات: 5293

أشبه بالعودة لحضن الوطن... مؤتمرات المعارضة السورية، وفوضى الحل السياسي

من الجدير ملاحظته أنّ اجتماعات المعارضة السوريّة أصبحت في الآونة الأخيرة مصدر أزمة نفسيّة لدى غالبيّة السوريّين، على الرغم من أنّ الهدف "المعلن" لها هو تقديم حلول سياسيّة عاجلة للأزمة المستعصية التي قلبت حياة السوريّين رأساً على عقب..
لا شكّ وأنّ الأهداف المعلنة لا يمكنها أن تحجب الأهداف الحقيقيّة التي يمكن أن يلمسها الإنسان العادي المتابع لمجريات الأمور.. ولا يحتاج الأمر إلى خوضٍ في النوايا، إذ تكفي متابعة بعض ما يُعلن فقط أثناء التحضيرات، وما يتم الكشف عنه من ملابسات وصراعات خلف الكواليس، مع ربط المقدمات بالنتائج التي يخرج بها "المؤتمرون" حتى يمكن بناء رأي قريب جداً إلى الصواب، يمكن اختصاره بعبارة :
إن غالبيّة هؤلاء لا ينتمون إلى ثورة السوريّين التي بدأت في آذار 2011، بل ينتمي كلٌّ منهم إلى مشروعه السلطويّ الخاص، وهذا لا يتعارض بالضرورة مع كون بعضهم قد عارض النظام فعلاً، وربما كان من المعتقلين السياسيّين القدامى في عهد واحدٍ من الأسدين، أو في عهد كليّهما!
شهدت التحضيرات لمؤتمر القاهرة الأخير خلافات لا تختلف عن تلك التي شهدتها معظم المؤتمرات والتجمعات السابقة. فالأمر يتعلّق بسياسة الدولة الراعية للمؤتمر، إن كانت على وفاق مع الإئتلاف السوري وتوجّهاته أو كانت أقرب إلى شخصيّات هيئة التنسيق في توجّهاتها. وعادة ما يحدث التنافر بين الإئتلاف وهيئة التنسيق، فإن حضر أحدهما غاب الآخر..
ومن جهة أخرى، فمن الواضح أن مقرّرات المؤتمر تعكس خلافاً حادّاً بين السوريّين حول قضايا الثورة الأساسيّة، كما تعكس انفصالاً مزمناً لعدد كبير من المعارضين عن الواقع السوري، وهذا ما يفسّر انعدام ثقة الشارع الثائر بهؤلاء، ورفضه لفكرة تمثيلهم له..
حملت مقرّرات مؤتمر القاهرة كامل التوجّهات المعلنة والمكرّرة لهيئة التنسيق، والتي لم تعد تكتفي بالمساواة بين النظام و الثائرين عليه، بل إنها تعلن انحيازها للأوّل على حساب الثاني؛ فقد جاء في البند الأول من خارطة طريق الحل السياسي: "الإعلان الفوري عن وقف الصراع المسلح من قبل جميع الأطراف على كافة الأراضي السورية، واعتبار كل مخالف لهذا المبدأ خارجاً عن الشرعية الوطنية والدولية. مع بقاء قوات الجيش النظامي والفصائل المسلحة المؤمنة بالحل السياسي في أماكنها لتجميد الصراع المسلح". لا يناقش هذا البند مسألة بقاء قوات الجيش النظامي، حيث يظهر أنّ بقاءها أصبح مسألة بديهيّة عند هؤلاء المعارضين، بينما لا يغيب عنهم تحديد نوع الفصائل المسلّحة التي يمكن القبول بها، وهي حصراً الفصائل التي تؤمن بالحل السياسيّ، على اعتبار أنّ قوات جيش النظام ليست أكثر من قوات حفظ سلام في سوريا !
يتحدّث البند الثامن أيضاً عن ضرورة إلغاء جميع أحكام محاكم الإرهاب، ولا أظنّ أن  كاتب هذا البند يجهل أن إلغاء الأحكام "فقط"، دون المساس بصيغة المحاكم، يعني الاعتراف بهذه المحاكم، سيّما وأنّه يشدّد في البند ذاته على ضرورة "إلغاء كل المحاكم المشكلة خارج مناطق السيطرة الحكومية"!!
تنتقل خارطة الطريق مباشرة إلى ما هو أهم بالنسبة لأصحابها وهو الحديث عن هيئة الحكم الانتقالي، التي ستضمن لهم المشاركة في الحكم، وهو الهدف الأهم الذي يسعى إليه أصحاب هذه الخارطة، لا فرق عندهم إن تحقّق هذا الشرط برضى السوريّين أو بعدم رضاهم. متناسين أنّه لولا الآلام التي تحمّلها الناس لما جلسوا في أماكنهم اليوم، ولما استطاعوا حتّى المطالبة بهذه المطالب الهزيلة.. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ حالة الانفصال عن الواقع التي يعيشها هؤلاء تجعلهم يعتقدون بأنّ الشعب الذي تمرّد على أعنف أنظمة المنطقة وأكثرها وحشيّة، ستجبره الكارثة البشريّة على القبول ببدلاء عن هذا النظام لا يضعون مطالبه على رأس أولويّاتهم..
ولكن، بالمقابل، لا تخلو خارطة الطريق من بعض اللمحات الطريفة أيضاً، وهي طرافة يمتاز بها "فكر" هيئة التنسيق عادة! ففي الحديث عن إجراءات المرحلة الانتقالية، اتّفق المجتمعون على ضرورة "فصل حزب البعث عن جميع أجهزة الدولة بما فيها الجيش والقوى الأمنية"!
ستقوم المعارضة "الوطنيّة" إذن من خلال هذه الخارطة بالعمل على التالي:

فصل حزب البعث "الغير موجود أساساً في الوقت الحالي" عن الجيش والمخابرات .. ثمّ الطلب من جبهة النصرة " وغالبيّتها من السوريين" مغادرة البلاد، مع التأكيد على ضرورة المحافظة على أجهزة الدولة "قوات النظام العسكرية والأمنيّة" ثم استجداء الإفراج عن المعتقلين وإلغاء الأحكام التعسّفيّة، دون الحديث عن المحاكم بحد ذاتها..
ترى ما الفرق بين القبول بهذه المقرّرات وبين العودة إلى "حضن الوطن" ؟

علِّق