عدد القراءات: 1833

الثورة السورية مستمرة ... والحلول ليست على الأبواب

 

*  أحمد مظهر سعدو

 

أحمد مظهر سعدو.jpg

لم يكن العدوان الروسي على سورية حالة خارجة أو متخارجة من سياقها العام، كما لم يكن الادعاء الأمريكي بالوقوف الى جانب ثورة الشعب السوري قضية ممكنة التصديق، أو الحدوث، فالعدوان الهمجي الذي تقوم به "روسيا الاتحادية" على شعب سورية وقواه، هو اشتغال عسكري في خدمة السياسة، وقد كان لإعطائهم الضوء الأخضر، من قبل الأمريكان توريطة لا شك فيها، أدركها الروس -الذين لم يعودوا روسا بأي حال من الأحوال - فيما بعد،  أي بعد أن دخو لهم المعركة، أو المخاضة النهرية وطميها الموحل، والذي يغرق صاحبه رويدا رويدا، دون القدرة أو الحركة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .

 

الروس لم يعودوا هم أنفسهم السوفييت، والروس اليوم ليسوا قوة عظمى، بأي حال من الأحوال، والروس أيضا غارقون هناك، في بلادهم، في أتون  حالة اقتصادية، لا يعرف احد الى أي حد يمكن أن تودي بهم، وهم لم يخرجوا بعد من حروبهم الأخرى مع أوكرانيا .

و"بوتين" المتصابي، والملتف على ديمقراطية روسية غورباتشوفية، والصاعد مرة أخرى، بطرق التوائية الى سدة الحكم الامبراطوري الروسي، بلا اقتصاد، ولا حتى أزرار نووية،يستطيع الإمساك بها أو التهديد بمفاتيحها، وهو ضمن كل ذلك، انبرى للدفاع عن نظام، أو عصابة آيلة للسقوط، بل هي في نهايات هذا السقوط، ليأتي " بوتين أفندي " ويضع كل بيضه في سلة مقطعة الأوصال، وفي مقلات بلا زيت، ولا ماء حتى .

وهو باستدعائه "بشار" على عجل، لم يكن بإمكانه فعل شيء، وليس باستطاعته أصلا، اذا لم يكن الأمريكان راضون عن ذلك، أو أنهم يجدون مصلحة لهم وللإسرائيليين في هكذا حل، أو جملة حلول، وهم أي الأمريكان ما زالوا على قناعتهم من أن النظام الحاكم في دمشق، من غير الممكن إيجاد البديل عنه  المطيع والمفيد لهم ولإسرائيل، على مبدأ " امشي في الطريق الذي تعرفه حتى لو كان طويلا "

وهم قد أدركوا هذا،  ويسيرون عليه منذ وقت طويل، أي منذ وصول الأب الى السلطة عام 1970، وهم بغاية الراحة في ذلك، علاوة على أن الابن قد فعل مالم يخطر على قلب بشر، عندما دمر سورية من أقصاها الى أقصاها، وأنهى الآلة العسكرية، لجيش كان قد تأسس ابان الاستقلال، ليحمي سورية من عدوان إسرائيل، وليساهم في تحرير فلسطين، جاء هذا الطاغية اليوم ليدمر كل شيء من اقتصاد، وبنية تحتية، وجيش عرمرم، والأكثر منه  فقد دمر أواصر التلاحم المجتمعي، وأعاد فتح ما كان قد تم اغلاقه عبر الزمن، من شحن طائفي، واستفزازات دينية، ليرفع بذلك امتدادات الجدران، بين مكونات الشعب السوري، ولتصبح مصائر وحدة الأوطان،  قاب قوسين أو أدنى من حافة الانهيار، وهو قد فعل ذلك، ودفع بالكيان السوري الى وديان سحيقة، من التفتت الطائفي والاثني، لم يسبق لها مثيل .

وما يجري اليوم من مباحثات هنا أو هناك، سواء في فيينا أو في باريس أو سواهما، لن يؤتي اكله، ولن يجعل من القضية السورية في منأى عن الضياع، ولن يجعل الشعب السوري مطمئنا الى مستقبله،  أو مستقبلات الأيام، الحالكة والتي أودت به، وجعلت من حالة الهجرة والتهجير فيه ولديه، كأكبر حالة هجرة عرفها التاريخ الحديث للمنطقة برمتها، أو للعالم أجمع، ولن تتعدى هذه المباحثات كونها فرض كفاية، اذا أداه البعض، سقط الاثم عن الجميع .

فالوضع السوري وحله ليس سهلا، وليس قريبا، وليس على الأبواب، والعدوان الروسي، لن يغير خارطة الطريق، ولن يثني الشعب السوري عن متابعة كفاحه ضد كل أنواع القهر، والسلب والنهب، والعسف، وحرق الأوطان، حتى يبقى الطاغية أو السلطان. الشعب السوري خرج ولن يعود الى منازله المهدمة، قبل تحقيق الحرية والكرامة، وكل آلات القتل والتدمير الفارسية، أو الروسية، أو العصاباتية، أو الحزب اللاتية، لن يثنيه عن عزمه وثورته.

 

وللروس وغيرهم أن يعودوا للتاريخ ويدرسوا مآلاته، التي سجلها شعبنا في مواجهة الغزاة والمحتلين والمعتدين، ولن يقنع أحد من شعبنا، أو من العالم بألعوبة ضرب الإرهاب، فما جرى حتى الآن من قصف طيراني روسي طال في معظمه، الشعب السوري المدني، أو فصائله المقاومة، من مكونات الجيش الحر، بكل تلاوينه الإسلامية وغير الإسلامية، التي أنتجها الشعب السوري، كي يدافع عن نفسه، عن عرضه، عن وطنه، وعن كرامته وحريته .

وليس هناك في الحقيقة والواقع إرهابا أعلى من إرهاب العصابة الحاكمة، وحزب اللات، والعصابات الطائفية الأخرى التي أتى بها الى سورية، من اجل قمع الشعب السوري. وليس هناك على الاطلاق من هو أكثر إرهابا ممن خرج ليقول ـ الأسد أو نحرق البلد ـ وهل هناك في التاريخ من كل الطغاة وأذنابهم من رفع هكذا شعارات، ومارسها على الأرض، يوميا وفعليا، وليس هناك أشد إرهابا وأقذر من حكام قصفوا شعوبهم بالبراميل، أو الصواريخ أرض أرض.

الحالة السورية، تعيش منعطفات خطيرة، وتفرض نفسها على الساحة الإقليمية والدولية،  وهذا ما استدعى كل هذه الدول أن تجتمع في فيينا وتعيد وضع الحالة السورية على طاولة البحث والنقاش ، ولعل الشعب السوري قد أدرك ومنذ  البداية أن مثل تلك الاجتماعات لن تؤتي أكلها على كل الصعد، وان كل تلك الاجتماعات لا تساوي شيئا أمام إصرار الشعب السوري على استمرار ثورته وقدرته على الفعل واقعا، وليس مفاوضات، واجتماعات،وهي كذلك تؤكد أن الثورة السورية باقية، مهما حاول هذا او ذاك، لكن حلولها ليست جاهزة وليست على الأبواب، وليس بالإمكان الإمساك بحل ممكن لها مهما حاول اللاعب الدولي او الإقليمي، ويبقى موضوع وحدة الفصائل، بل وجميع القوى، هو من يغير، مسارات الحل سواء كانت بعيدة أو قريبة .

 

كاتب وصحفي

علِّق