عدد القراءات: 20874

الصمت… كفعل، وموقف، ونتيجة

تعريف الصمت لغةً:

صمَتَ يَصمُت، صَمْتاً وصُمُوتاً وصُماتاً، فهو صامِت، صَمَتَ الْوَلَدُ : سَكَتَ وَلَمْ يَنْطِقْ، ويقال لغير النَّاطق: صَامتٌ، و خرَج عن صمته: أي تكلَّم، نطق، ويقال صمت دهراً ونطق كفراً، أي أن الصمت عكس النطق.
أما تعريف الصمت في الاصطلاح السياسي فهو تعريف ملتبس، إذ أن تداول مفهوم الفئة الصامتة أو الأغلبية الصامتة، غالبا ما يكون عبارة عن رسالة سياسية من أجل ادعاء القوة أو الغلبة أو من أجل كسب الحشود الجماهيرية، وهذا الأمر محكوم على كل حال بالسياق الذي يرد فيه هذا المصطلح.
و لكن غالبا ما يقصد السياسيون بمصطلح الأغلبية الصامتة أي أولئك الذين يؤيدونهم ولكنهم لم يعبروا عن هذا التأييد و لم يخرجوا إلى ساحة الفعل حتى الآن.
وضمن المتعارف عليه، فإن الصامتين هم أولئك الذين لم يعبروا عن موقفهم السياسي بعد، ولم ينضموا لمجموع الجماهير الفاعلة سواء كانت مؤيدة أو معارضة.
وقد جرت العادة أن يخلط البعض بين الصامتين والرماديين أو التيار الثالث ولكن الفرق كبير و يسهل تحديد مقارنة واضحة للأمر، ويمكن القول بأن الصامت هو الذي لا يعبر عن موقف سياسي، ولا يخرج نحو المجال العام لإحداث تأثير في مجريات الأمور، بينما الرمادي هو الذي يعبر عن مواقف غير واضحة تماما وتخلط في أدبياتها بين ما يقوله الطرفان المتصارعان والمنقسمان على بعضهما بشكل حاد، وعادة يصعب تحديد هوية واضحة للرماديين نتيجة هذا الخلط الذي يقومون به، وقد يكون لهم أحزاب سياسية وكتب تعرف بهم وتدل عليهم على عكس الصامتين أو الفئة الصامتة التي لو كان لديها أي عمل تنظيمي أو تيار سياسي يقوم بتمثيلها لما صار اسمها فئة صامتة بالأساس.
أما التيار الثالث فهو فاعل في المجال العام و يعبر عن مواقفه ويخرجها إلى العلن، ويحاول أن يؤثر في المجال العام ولكن بطريقة مختلفة عن طرفي الصراع، ويمكن أن يكون التيار الثالث توفيقيا بالعادة بحيث يحاول أن يكون خطاً وسطاً بين الطرفين المتصارعين بشكل رئيسي، ويوجد العديد من الأحزاب أو التيارات السياسية التي تحاول تبني هذا الخط الثالث.
الصمت إذاً ليس من الضروري أن يكون عن الكلام فقط، بل أيضا عن الفعل، فهناك من يتكلم ويعبر عن مواقفه بأشكال مختلفة، ولكن أثر الكلام في المجال العام معدوم أو غير واضح، خاصة وأن الصراع في سوريا بالأساس خرج من ساحة الكلام أو التعبير عن الموقف إلى ساحة الفعل، والفعل هنا عسكري بالدرجة الأولى، ومن ثم تحرّك سياسي ومدني بالدرجة الثانية.
في الدول الديمقراطية يكون التعبير عن المواقف من خلال وسائل الإعلام أو التظاهر أو غيرها من الأنشطة المدنية، وتعتبر الانتخابات الفرصة الأكبر للفئات الصامتة للخروج من صمتها والتأثير في النتائج النهائية، ولذلك فإن خصائص وظروف الصامتين تختلف من بلد لآخر ومن وقت لآخر بحسب الظرف وانزياحات الأحداث واستطالاتها، وبالتالي يمكن أن يكون للصامتين موقف ما في بلد مثل سوريا ولكن لأسباب مختلفة لا توجد لديهم القدرة للتعبير عن هذه المواقف خاصة وأن الكلمة صارت للسلاح.
حينما كان للتعبير عن الموقف، أو المشاركة في التظاهرات أو المسيرات الأثر الأكبر في تطور الأحداث وحسمها كان الذين لا يشاركون في هذه الفعاليات يعتبرون من الصامتين لأنهم لم يخرجوا إلى ساحة الكلام، ولكن حينما تطور الأمر إلى المجالين السياسي ومن ثم العسكري فصار الذي لا يشارك بهما أو يقوم بدعمهما هو الصامت، ولذلك فإن تحديد الصمت والصامتين يتحدد أيضا تبعا للفعل والحدث المسيطر على المجال العام.
تمتد جغرافيا الصامتين على امتداد جغرافيا الأطراف المتصارعة وقواعدها الجماهيرية، ولعل هذه الفئة الاجتماعية هي الأوسع، فمن مخيمات اللجوء والمنافي إلى المدن والأحياء والقرى القابعة تحت القصف مرورا بالمدن والأحياء والقرى الهادئة، وفي القواعد الاجتماعية للأطراف المتصارعة، يوجد صامتون أو قطاعات اجتماعية واسعة خارجة عن حسابات الفعل ورد الفعل، إنه الإنسان المقهور أو الجمهور الثالث الذي نحن بصدد تحديد هويته من خلال معرفة طبيعة الفئة الصامتة، وذلك بمحاولة الابتعاد عن التحزب لفكرة سياسية معينة كي لا نقع في المصطلح الهلامي نفسه الذي يطلقه السياسيون على تلك الفئة، والتي يعتقد بأنها تشكل قطاعاً واسعاً من المجتمع يتمدد حجمه وينحسر تبعا للمعطيات والتحولات الميدانية على الأرض.
تخلو الأدبيات العربية من تعريف محدد للفئة الصامتة، أو ما يطلق عليها اسم الأغلبية الصامتة، وفي سياق بحثنا سوف نحاول إيجاد تعريف لهذه الفئة، بل سوف نبحث في طبيعة هذه الفئة وخصائصها وحجمها ودورها وبنيتها.
الثابت إذاً أن الصمت هو الامتناع عن الكلام، وفي حدث عام يهدف لتغيير جذري في سوريا وفي مجتمع معقد ومركب في بنيته وفي موازين القوى الداخلية والخارجية المؤثرة في طبيعة الأحداث ومجرياتها، وفي سيطرة العنف والعقاب الجسدي المباشر على التعبير عن الرأي أو الموقف، صار الصمت هو الحالة الأكثر وضوحاً ويسهم في هذا الوضوح أيضا تشكل الفئات الفاعلة في الحدث، فيصير بروز لون الفاعلين الآخرين عاملاً رئيسياً في سطوع الفئة الصامتة.
وبالتالي وحتى نتمكن من إيجاد هكذا تعريف للأغلبية الصامتة، وهو المصطلح الذي يتردد على ألسنة السياسيين في بازارات ادعاء القوة والغلبة، لابد من تحديد هوية وخصائص غير الصامتين، أو الفئات غير الصامتة، خاصة أن ما يوحي به خطاب السياسيين أنهم يخاطبون جماهيرهم أو الجمهور الفاعل ثم يتوجهون نحو الفئة الصامتة التي يدّعون أنها متعاطفة معهم، كما يدّعون أنها الأغلبية التي تؤيدهم و يحثونها لإعلان هذا التأييد.
وسوف نرى من خلال تحديد هوية وخصائص غير الصامتين أو الفاعلين في الشأن العام والمشاركين في تحول الأحداث، والذين يعبرون عن مواقفهم سواء لغةً أو فعلاً وإن تغيرت أشكال اللغة والفعل، وإن انقسموا إلى فريقين متخاصمين أو متحاربين، سوف نرى أن هؤلاء يتشاركون بالخصائص نفسها من حيث الفعل ورد الفعل والبنية الاجتماعية والمعرفية، واللغة الخطابية ذاتها وإن تغيرت مفرداتها، وسوف يساعد في توضيح هذه الجماهير الفاعلة التي سنطلق عليها اسم "الجمهور" بحسب تعريف "غوستاف لوبون" مؤسس علم النفس الجماهيري وبحسب "فرويد" أيضا الذي أضاف الكثير لتعريف الجمهور، وبالتالي سوف ننتقل نحو نحت تعريف أكثر وضوحاً و شمولاً للفئة الصامتة وهو هدف هذه الدراسة.
في المقال القادم سنستعرض خصائص الجمهور ونقوم بعملية إسقاط على طبيعة الصراع في سوريا ومن ثم نجري مقاربة نحو تحديد أدق للفئة الصامتة.

علِّق