عدد القراءات: 12547

صور الموت السوري....... " ما حاجتي للمعرفة" أوديب

منذ أكثر من عام، و تحديدا منذ أن بدأت صور شهداء القتل تحت التعذيب تتسرب، معلنة شكلا جديدا من أشكال الفاجعة، و أنا أبحث عن وجوه ستة من أفراد عائلتي قضوا في سجون (نظام المقاومة)، منذ ذلك الوقت و أنا أقلب الصور و أفتش في قواميس اللغة عن مفردات و استعارات تعبر عن تلك الخلجات في هذا القلب الذي انتهى به المطاف في أحد المشافي العامة بعد شك بوجود أزمة قلبية، و بعد نفيها تمت إحالتي إلى مصح نفسي قضيت فيه بضعة أيام..
كان صباحا مشمسا على غير العادة حينما مارست طقسا مترفا في إعداد قهوتي و سماع بعض الموسيقى الصباحية استعدادا لعملية البحث الدؤوبة على الانترنت عن صور أحبتي في ملف الصور التي تم تسريبها من المعتقلات الأمنية للنظام السوري، غابت الموسيقى تماما خلف أصوات الأنين التي ملأت رأسي في تلك اللحظة التي عثرت فيها على وجه أحد أقاربي و أصدقاء الطفولة بين آلاف الصور المليئة بالصرخات التي كبتها الجلاد و كتمها الموت..
تقلصات مفاجئة في البطن، و تسارع غير منقطع في دقات القلب، مع ضيق في الصدر و صعوبة في التنفس، الشحوب في لون وجهي نبه الشخص الذي التقيته في ممر المبنى أمام شقتي و أنا أحاول التقاط أنفاسي و أطلب منه المساعدة، دقائق قليلة لا أعرف كيف مرت انتهت بوجودي داخل سيارة إسعاف شقت طريقها نحو وجهتها، نبهني صوتها المدوي مرارا إلى أني ربما في طريقي إلى عالم الصمت الأبدي ..
لا أعرف كم مرّ علي من الوقت حينما استيقظت على إيقاعات غير منتظمة لجهاز يقيس نبض القلب في أحد المشافي، حينها بدأت أستوعب كل ما حدث معي رويدا رويدا ..
خفت تأثير الأدرنالين على وظائف القلب و الشريايين بفعل الأدوية و المهدئات، و كانت تلك فرصتي لأقلب الصور التي امتلأت فيها ذاكرتي بهدوء، و هذا ما يساعدني حتى الآن على إعادة عملية البحث عن وجوه أحبتي بين تلك الصور..
اكتشفت أني مازلت حيا، فعدت إلى مكتبي الذي تحول إلى ورشة عمل لتقصي الموت و صرخاته البعيدة، و كانت وجبة الأدوية ضرورية لعزل المعرفة و الإحساس عن محفزات القهر التي يمكن أن تودي بي ثانية..
إنها المعرفة، و وهم الخيال المرتبط به ، هو الذي يقودني لأتلصص على زنازين المعتقلين، تبادل المواقع معهم، حتى أني بتّ ابحث عن وجهي بين صور شهداء التعذيب، اشعر بالمفاجأة لماذا وجهي ليس بين تلك الوجوه؟
الآلاف من الصور حملت لي وجه قريب واحد لي، يتميز وجهه عادة بأنه ضاحك على الدوام، لون بشرته بيضاء تميل إلى اللون الأشقر، لكن ضربات الجلاد حولت وجهه إلى لون متموج مابين الأزرق و الأسود، عيون مغمضة و متورمة و صرخة مكتومة سمعتها بحاستي السادسة قادتني إلى صدمة لم أحتمل وقعها على قلبي، كادت أن تقودني إلى حتفي، بعد أن استسلمت سريعا لضعفي..
قريبي هذا قتل أخاه أيضا تحت التعذيب بعد أن اعتقلا سوية عدة مرات، أذكر مرة بعدما أفرج عنه بعد اعتقاله الثاني أن حادثته هاتفيا حينما كان يداوي جراحه، و سألته سؤالا ساذجا:
طمني عنك انشالله مبسوط؟
فأجابني ضاحكا:
مبسوط لكن ماني مبسوط؟ رح  موت من كتر البسط ..
تنبهت حينها كم أن أسئلتنا مكرورة و غبية، و كم أنه علينا أن نقتنص المفردات الصحيحة للمواقف الخاطئة أو القاسية ..
الحيرة تنهش قراري القادم، هل أخبر من تبقى من عائلته أني عثرت على صورته؟ هل علي أن أزيد من آلامهم؟ هل علي أن أحفز ملكة الخيال لديهم فيواجهوا موت أخيهم وجها لوجه مع ما تبقى من سيماء وجهه بعد كل هذا التشويه؟!
أتذكر في بداية تسريب الصور قبل عام أنني هاتفت صديقا في وكالة الأناضول للأنباء لأطلب منه الصور، و تحدثت مع صديقي في جريدة زمان الوصل ليزودني بكلما يمتلك منها، كنت أتمنى في قرارة نفسي ألا يرسلوا أي واحدة و ألا يقوموا بنشرها أيضا ..
اثنان من عائلتي و هم أصدقاء الطفولة إضافة إلى اثنين من أعمامي و ابن عم لي و أخي الأكبر مني قضوا جميعا تحت التعذيب، أقلب كل يوم الصور المسربة بحثا عن أرواح هؤلاء الستة التي جمدت في إطار صورة أحاول التحايل على أبعادها باستخدام برامج الكمبيوتر، أدقق في تفاصيل ما تبقى من كل وجه، الحواجب و العيون، الفم و الأنف، الذقن و الخدود، تفاصيل اللحية و الشعر، ولا أنسى أن أتخيل ملامح من قام بقتلهم، قهرهم، تعذيبهم، القبض على أرواحهم..
كل يوم لدي أكثر من جولة في عملية البحث تلك، دون أن أنسى البحث عن وجهي بعد تناول وجبة كافية من المهدئات لإبطال مفعول الأدرنالين و ما تفرزه أسئلة المعرفة من مستحاثات قد تقودني إلى المستشفى أو إلى الجنون مرة أخرى ..
 

علِّق