عدد القراءات: 8560

أدوات التمكين

في المقالة السابقة انتهينا إلى أن المجتمعات والحضارات تتدافع فيما بينها، وأن هذا التدافع سنة ربانية فطرية منذ أن وجدت المجتمعات البشرية على ضفاف الأنهار. وأن المؤامرة وإن كانت موجودة إلا أن دورها ليس بحجم سنة التدافع بسبب أن المؤامرة ذاتها جزء من سنة التدافع وليست مستقلة قائمة بذاتها. لهذا نرى أجهزة التآمر العالمي (الاستخبارات) تتدافع فيما بينها، بل تضع قوانين ونظماً لعملها وتُتبع تلك الأجهزة في الدول الديموقراطية بمؤسسات الحكم المنتخبة شعبياً وفي الدول الاستبدادية بالطبقة الحاكمة الضيقة المحيطة بفرعون وملئه.

من هنا فإن التدافع يصبح هو الناظم لحركة المجتمع داخليا بين فئاته المشكلة له والحامي خارجيا من الجوار والإقليم والعالم، ومثال التدافع الداخلي حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة التي قامت في منتصف القرن الماضي للنضال من أجل حقوق المواطنين السود، هذا التدافع الذي نرى آثاره الإيجابية اليوم في نضال المسلمين الأمريكيين على كافة الأصعدة للدفاع عن حقوقهم المدنية المشروعة التي كفلها لهم دستور البلاد.
أما أوضح مثال للتدافع الخارجي فهو التدافع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يبدأ من أصغر قرية في فلسطين، ولا ينتهي إلا في أقوى المحافل الدولية مرورا بالجامعات والمنظمات حتى الفيفا. وما حركة (قاطع- انزع الاستثمار- عاقب) ضد إسرائيل إلا مثالاً صارخاً على فعالية التدافع وإمكانية أن يستطيع الضعيف امتلاك عناصر التدافع فيصبح قويا بها. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى.
ومن هنا نستطيع إسقاط نظرية التدافع الداخلي والخارجي على أم المآسي سوريا، ما حصل في سوريا بالنتيجة هو تدافع بدأ بشكل داخلي بين فئتين اجتماعيتين، الأولى فئة صغيرة تملك معظم مقومات القوة التي تسحق بها الفئة الثانية الكبيرة التي لم تكن تملك من عوامل القوة الدافعة إلا القليل. ومع هفهفة نسائم الحرية استفاقت الفئة الثانية وانتفضت ضد الظلم النازل بساحتها منذ أكثر من نصف قرن. هذا الانتفاض استدعى تدافعاً خارجياً من دول الجوار، ومن خلفهم دول عظمى لم يكن غرضه إلا إرجاع المارد المتحرر إلى قمقمه. وكل المعلومات المتوافرة اليوم تشير بشكل واضح إلى ذلك. حسَبَ المعسكر الخارجي كل الحسابات عن قدرته على كبح جماح الشعب المنتفض، وأن ذلك سوف يكون نزهة. لكن الأمر الوحيد الذي لم يحسبه هو الصمود الأسطوري لهذا الشعب العظيم الذي تجلى باستعداده لدفع مهر الحرية مهما غلا ثمنه. لكن التدافع لم ينته بعد. فإيران لم تسلّم بالهزيمة بل دفعت بكل ما تملك من قوة إلى ساحات المعارك العسكرية في سوريا، وكل ما تملك من مكر إلى ساحات السجال الدولي خارجها. هذه المعركة إذاً قد تطول وستحتاج لذلك نفساً طويلاً للتعامل معها.
لن يفيدنا بعد اليوم أن نقول "إنها مؤامرة" بل سيفيدنا أن نقول "بل ماذا أعددت لها" هذا الإعداد هو لبُّ التدافع. إنَّ فهم هذا التدافع وعناصره هو الذي سيمكننا من الانتصار أو في أسوأ الأحوال سيمنع عنّا الهزيمة.
هذا التدافع له عناصر قوة، من امتلكها استطاع المدافعة بشكل أقوى ممن عدِمَها. ولكن قبل البدء بالحديث عن عناصر التدافع لا بد من التنبيه إلى أهم نقيصة تمنع من التمكن من عناصر التدافع.
هذه النقيصة تعتبر أهم عناصر الضعف في الشخصية السورية، خلال العقود الماضية تحت حكم الحزب القائد للدولة والمجتمع.
إنَّ فَهْمَ هذه النقيصة وعلاجها أمر لابد منه قبل البدء في رحلة التمكين، خاصة بعد أن انتشر السوريون في أصقاع الأرض ونزلوا في ساحات مجتمعات غريبة عليهم لغة وتاريخاً وسلوكاً.
إن هذه النقيصة ببساطة هي أن السوري يظن أنه يعلم كل شيء، فهو " مثل الزبدية الصيني، من أين ما رننته يرنّ".
خمسون عاماً أمضاها هذا السوري وهو يستمع للقيادة الحكيمة توجهه ليل نهار. تلك القيادة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. تلك القيادة ليست فقط حافظ أو بشار الأسد، بل الأهل في البيت، والمدرس في المدرسة، والأستاذ في الجامعة، والشيخ في المسجد، والموظف خلف مكتبه، والضابط في كتيبته. الكل يعلم كل شيء والويل لمن لا يقرّ بذلك.
إن أهم شيء يجب أن يحرص عليه السوري اليوم وهو يتحرك في رحاب المجتمعات الجديدة التي هاجر إليها، أن يقول دون حرج "لا أعلم" حين تواجهه أي مشكلة لا يعلمها.
إن نفسيتنا لم تعتد هذه الكلمة، تربيتنا كانت تتطلب منا دوماً أن نخترع إجابة ما لأن قول "لا أعلم" يُنظر إليه بعين النقصان، كنا نخاف أن نجيب أساتذتنا في الجامعة ب "لا أعلم" خشية الاستهزاء بنا فنلف وندور نحاول بذلك الظهور بمظهر العالِم، وهذا ما أدى إلى ظهور النقيصة الثانية في الشخصية السورية وهي اللف والدوران في محاولة للتغطية على نقص العلم. وكان يكفي أحدنا أن يقول "لا أعلم لكني سأبحث عن الإجابة غداً كي أعلم". 
وصدق من قال "نصف العلم لا أعلم" لأن العلم بما نجهل هو الخطوة الأولى لتحصيل العلم الذي هو أول ركائز التمكين. ولا أقصد بالعلم هنا علوم الدين وعلوم الدنيا العلمية فقط بل الاجتماعية والمهنية والإدارية واللغوية وغيرها.
كثير من السوريين الذين هاجروا في البلاد ما زالوا يحملون بين جنباتهم الشعور بالنقيصة إن قالوا "لا أعلم"، لذلك تجدهم يتحرجون منها وفي أحيان كثيرة يفتي بعضهم في شؤون المجتمعات الجديدة كما لو أنهم عاشوا فيها ألف سنة إلا خمسين عاماً.
الحل سهل للغاية. ارفع رأسك عن الورقة ودرِّب لسانك على قول "لا أعلم". لا تخف أنت في مجتمعات جديدة تطبق أقوال علمائنا الأوائل "فذلك جاهل فعلموه"
مرة ثانية ارفع رأسك فأنت السوري العظيم الذي لا يعلم، لكنه سيبدأ رحلة التعليم.
 

علِّق