عدد القراءات: 20745

رسالة إلى أخي الشهيد


 

خرساء القصائد كلها، بكماء ناصية الشعر، و جافة بحور القوافي، لا ماء في سواقي اللغة، و لا مطر يسقي حروف الكلام،  و لا عشب ينمو فوق هاء الآه لأمتد نشيجا على همزة المد ..
لا نداء يأخذني إلى أقاصي الندا ليجيب المنادى ..
فأشهق:
        يا مهند ..
        يا أيتها الأقمار المسروقة من ضحكاتك..
        يا حكاية الأزرق في عيني أبيك ..
       يا مهند:
يا أخي و ظلي .. يا مرآتي و وجهي .. يا روحي و قلبي .. يا خاي ..
يا رفيق اسمي و حارس طفولتي حين شقاوة الأولاد على نهر العاصي و عين الدباغة و سد الدويسات ..
يا شريك تحويش الزيتون، وقطاف الأغاني في حقول الضيعة ..
يا درعي من قرصات أمك حين أشاكسها ، و يا رمحي في معارك الأطفال البريئة ضد دولة الأولاد في حارة ضيعتنا الشرقية "السيّر".
يا صديق وشوشات المراهقة والغمزات و اللمزات، و يا قمر الأغنيات على درب العين و طريق "ستي نفيسة".
بعرف ما رح ترد علي يا خاي ..
أعرف ذلك منذ أن اقتحم بيتك الجيش العربي السوري المقاوم، و سرق و خرّب محتوياته في سبيل القضية الفلسطينية و المسجد الأقصى و الجولان المحتل.
أعرف ذلك منذ أن سلبك من دمع حدقات أطفالك أولئك المدججون بالمقاومة و مكافحة المؤامرة الكونية من عناصر الدفاع الوطني و الشبيحة و أولاد الحرام..
منذ ذلك الوقت عرفت أنك لن تجيب ندائي،  منذ أن قبعت في سجون البعث و فروعه القومية و القطرية و  وقفت تصرخ بوجه جلادك :
                أحبني ..
أولئك المليئون بالكراهية المسلحون بالحقد .. لا يحبون يا مهند، هم فقط يكرهون..
منذ ذلك الوقت الذي توقف سكينا في حناجرنا أمسيت أنت في سجنك و أنا أمسيت دمعة .. أنت نمت في موتك .. و أنا مسامير لومي تنخز قلقي .. فأتألم كالملدوغ كل صباح و أنتحب كثكلى كل مساء ..
يا ليت النسيان بضاعة  نشتريها .. و يا ليت الذاكرة "قرص صلب" نرميه .. يا ليت المعرفة وهمٌ فلا أعرف أنك متّ تحت التعذيب .. و لا يقودني  هوس الخيال لأتلصص على زنزانة قبرك ..
يا ليتني ما عرفت .. يا ليتني ما عرفتك .. يا ليتني ما أنا كنت أنت و لا أنت كنت أنا ..
" أنا لحبيبي و حبيبي إلي "
يا خاي:
الثورة لسا مكملة .. يعني هيي ما فشلت فشلت .. هنن شوية دواعش و كم ميليشيا تانية مدعومة من كم دولة.. و كمان كم ميليشيا تانية لإيران و توابعها .. هلأ فيك تقول أنو الغريب بدولة جزر القمر لسا ما بعتت ولا ميليشيا .. و النظام لسا ما سقط .. بس والله بحلفلك أنو هو نظام ساقط ..
اللاجئين لسا ما رجعوا على بيوتن لأن اللجوء صار أبعد من تركيا بكتير .. فما بيلحقوا يلجأوا و يرجعوا ..
الحرية رخصانة حقها فشكة .. و العدالة بتنباع بالكيلو حسب مين عندو فشك أكتر .. و مو ناقصنا أبدا كرامة .. كرامتنا واصلة للسويد ..
و السلب و النهب و التدمير شغال .. طبعا سرقوا العود تبع أبوك ..  ما كسروه لأن الجيش الحر يلي سرقو .. و بعدين دولة الإسلام استولت على بيتنا .. بس لا تخاف الجيش الحر قصف البيت وطلعها .. لا مو جيش النظام يلي قصف البيت .. الجيش الحر قصف البيت ليطلع داعش .. جيش النظام قصف الجنينة بس .. و آآآه عالجنينة .. يا مهند :
تتذكر لما أنت زرعت فيها شجر المشمش و الدراق و أمك أصرت أنو تزرع فيها بقدونس و فليفلة و بندورة منشان السلطة..؟ الجنينة  يلي كنا نسهر تحت دالية العنب تبعها ونغني :
"الله يدل الهوى و انتو سبب دلّي .. وانتو أخدتو الحبيب و أنا اشو نلّي"

هي الجنينة صارت ساحة معركة .. ما بعرف كم جثة كان فيها بس كان في واحد من أفغانستان و التاني من ليبيا و واحد من السعودية و البقية تابعين لدول الكمنولث و عدم الإنحياز ..
منشان هيك نحنا كلياتنا صرنا لاجئين .. ولادك لاجئين كمان .. بس لا تخاف .. الحكومة المؤقتة بلشت شغلها و الإئتلاف الوطني لقوى الثورة و المعارضة السورية قائم على رأس عملو،  لكن أشهد بالله أن الشمس تشرق في صبيحة كل يوم، و أن العصافير لا تزال تزقزق،  و جورج صبرا يخطب يوميا: صباح الخير داريّا ..
و أشهد  أن السويد صارت أقرب من أي وقت مضى، و أوروبا صارت أسهل من "شربة المي" في البحر الأبيض المتوسط، و أشهد أن السوري يبلط  البحر الغادر لينجو، و يلتحف الموج لينام الأبد ..و الأمور بخير  ..
على الأقل إن الأمور بخير لأن أطفالك الثلاثة بخير .. و لأن اسمك باق كالسر يرفرف في صلاح شهقتهم،  و موسيقى ضحكتك المنقوشة على وجوههم مغسولة بعطرك ..
كلما رأيتهم رأيتك .. و كلما تكلموا أسمعهم يبوحون برنات صوتك ..
صلاح صار صف تاسع ... علاماتو كويسة و صار يحكي تركي بيعزف عالعود و بغنيلك .. و بيروح على نادي رياضي .. عامل رجال بالبيت و جهلان عالفيسبوك ..
رفيف صارت صف سادس هيي من الأوائل .. و تنادي الغيم حينما تعزف على الكمان، و بتحكي تركي و إنكليزي كمان، و عاملة ست بيت و بتناقش بأمور مهمة، بتوزع حنان على أمها و أخوتها، و عم تصير صبية .. بشوفها بعيونك و بغار عليها ..

أليسار صارت صف تالت، بتتحدانا أنو نبحبش بعلاماتها بالمدرسة على تسعة .. و من يومين جابت الأولى على صفها، عم تتعلم الغناء الياباني، مع أنو هي ملكة قرطاج، ما بعرف هالبنت شلون بتقطف أحلامها، بس ضحكتها بتزرع الحب بصباحات أمها و أخوتها ..
و فاتن .. إمرأة منك .. سرك و المعنى .. زوجة من حديد .. كالسيف في غيابك، و جناحاها المكسوران بعد وقع رحيلك  يحلقان  بحضور اسمك، و يدفئان وجهك في عيون أولادك، و تصلي بهما لآس روحك .. قمرها مسروق من ضحكته .. يبحث عن جثتك التي لم نستلهما من فرع الأمن العسكري 215.
يا مهند :
         أنت الضحكة السادسة من عائلتنا التي خطفها الموت القابع في زنازين المقاومة، و لم نستلم إلا بعض أوراقكم الثبوتية .. فادخل إلى قلبي الذي صار مقبرة جماعية لكم..
يا مهند :
        أبنتك في غربتي و مشيت في جنازتك وحيدا .. حملتك كالغيم على أكتافي .. صليت عليك بدمعي و لقنتك في صمتي .. و دفنتك في قلبي ..
يا مهند:!

علِّق