عدد القراءات: 5163

ضاقت عليهم الأرض بما رحبت

هناك لحظات رائعة اشعر بها بعد أن تحلق الطائرة عاليا إلى السماء وبعيدا عن أي مدينة انطلقت منها. تلك اللحظات التي تلتقي فيها الطائرة بالفضاء الواسع والهدوء الممتد إلى الكون حولنا. وهناك في الأعالي تسنح لي الفرصة لأرى المساحات الشاسعة ايضا في التضاريس تحت عيوننا وعيون كل العصافير والطيور التي تحلق عاليا فوق الأرض. هناك على الأرض تظهر المدن بقعا صغيرة على خرائط كبيرة من الانفتاح المكاني. وتتحول تلك النقاط الكثيفة من الحضر البشري إلى قطع  من الماس اللامع في الرحلات الليلية. أرى هذه المساحات الفارغة تمتد في كل مكان حتى في القارات المكتظة سكانيا مثل أوربا، أو بلد بتعداد سكاني كبير مثل الولايات المتحدة.  وحتى لو طرت يوما ما فوق بلد مكتظ مثل الهند فسأرى التضاريس الهندية بمساحات فراغية هائلة.

هل تذكرون ماذا كنا نرى لما كان بعضنا يطير فوق سوريا، قادمين إليها أو مغادرين؟ كنا نطير مثل السنونو فوق آفاق ممتدة لا بناء ولا إنسان فيها. سوريا مع كل مدنها وسكانها الملايين كانت تكاد لا تحس بوجودهم. تضاريس شاسعة من حقول ووديان وجبال خالية، وبعض من بقع مضيئة بمدن وقرى صغيرة.

مشكلة الإنسان ليس في سعة الأرض حوله، وإنما في سعة القلب داخله.

هل تعلمون أن كل سكان البشرية حاليا بأعدادنا التي تجاوزت سبعة مليارات نسمة يمكن أن تسعهم ولاية بحجم تكساس لو تحولت لمدينة مكتظة. وهل خطر على بالكم أنه لو وقف كل سكان الكرة الأرضية في صفوف مثل صلاة المسلمين كتفا إلى كتف ستسعهم مدينة لوس آنجلس لوحدها. نعم، كل سكان الكرة الأرضية في مدينة واحدة.

لا يوجد وطن ضيق ولا توجد أزمة في مساحات الكوكب. وإنما توجد افكار ضيقة وثقافات لا تسع "الآخر" لا تسع الاخر المختلف فكر وسياسة وعقيدة.

نحن على كوكب كبير رغم أن ثلاثة أرباعه محيطات وبحار. ولكن لأن الإنسان مخلوق اجتماعي يلتصق الناس ببعضهم في مدن مكتظة أو قرى صغيرة متقاربة لتسهيل الحياة والتفاعلات والمعاملات واختصار المسافات بيننا. وهذا يعطينا وهم الضيق، بينما حياتنا في الواقع اشبه برحلة في الربع الخالي، وكوكبنا يسبح في كون لا يقترب الخيال البشري من فهم مساحاته وهو في حالة توسع مستمرة.

بعد كل هذا أليس عارا أن يكون قد غرق أكثر من ٣٥٠٠ من السوريين في عرض البحر المتوسط هربا من أرض كانت أوسع من ضيق أفكار الحزب الواحد والحاكم الأوحد. أليس من العار مقتل مئات ألاف السوريين واختفاء آخرين وسجن وتعذيب آخرين، وكأن الأرض السورية  لم تكن تسع لنا جميعا وفوقنا عدة شعوب أخرى يمكن استقبالها بيننا. إن ما يضيق علينا الحياة ليس ضيق الأرض التي نعيش عليها ولا ضيق الرزق والفرص ولا ضيق الحياة وإنما ضيق المفاهيم التي نؤمن بها فتحول الوطن الكبير إلى زنزانة انفرادية لضغط شعب بأكله وراء قضبانها المتعصبة.

الأرض ساشعة وممتدة أينما ذهبنا، ونحن كائنات صغيرة تحتاج الى ما قل من الطعام وبعضا من سقف يحمينا. ولكن أفكارنا هي التي تضيق وتتوسع،  وكم من كوراث نخلقها لبعض عندما نضيق عيش "الآخر" بينما نوسع ونمد لابعاد طغياننا وشهواتنا ورغباتنا. فبرغم أن المخلوق البشري من أكثر الكائنات اقتصادا في تكوينه مقارنة بما تحتاجه معظم الكائنات الأخرى من غذاء لكنه استطاع أن يجعل من نفسه أكبر عبئ على كوكب كريم معطاء--كل هذا لان جشعه ورغبته في السيطرة والأخذ يخلق فيه ابعاد وهمية خيالية لا تتوقف عند الشبع الفيزيائي لجسده الصغير. فمخيال الإنسان أوسع من الكوكب كله، وهذه نقطة قوة الإنسان ونقطة مطباته أيضا. ولذلك إذا استطعنا أن نفهم ان المساحات الحقيقية هي مساحات داخل الفكر والقيم التي نخلقها وأن الأرض تسعنا جميعا سنصبح قادرين على تحليل مشكلاتنا داخل أطرها الحقيقية بدل أن تخرج إلى المساحات الفيزيائية وتسبب الدمار. تضاريسنا الحقيقية هي الأفكار والمساحات التي نسكنها هي القيم، ولا توجد مساحات اوسع من الحب ولا مساحات اضيق من الحقد. عندما نحل أزمتنا الفكرية داخل اللغة والفكر عندها سنكتشف كم سوريا كبيرة، وكم هذه الأرض شاشعة وكم نعيش في كون عظيم بمساحات هائلة بين كواكبه ونجومه. "فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه قسم لو تعلمون عظيم." 

علِّق

مقالات الكاتب

سوريون
التعليقات: 0
سوريون
التعليقات: 0