No votes yet
عدد القراءات: 12191

الاتحاد السوفياتي اندثر... لكنه ما زال ينهار حتى يومنا هذا

الكاتب الأصلي: 
FB Contributors
تاريخ النشر: 
3 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

 

خمسة دروس لم تُكشَف يُقدمها كبار الخبراء حول روسيا المعاصرة واندثار الإمبراطورية السوفييتية.

غَيَّرَ انهيار الاتحاد السوفييتي وولادة 15 دولة جديدة شهر ديسمبر/ كانون الأول عام 1991 شكلَ العالم بين عشية وضحاها، حيث اختفت الحرب الباردة وتهديدات الإبادة بالأسلحة النووية وانتشرت الديمقراطية والأسواق الحرة في عموم أنحاء الإمبراطورية السوفييتية المهزومة. وبطبيعة الحال، لم تتكشف الأحداث بعد 25 عاماً تماماً مثلماً كان متوقعاً في البداية. وقد عمدت قوى العولمة إلى تغيير جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة مستخدمة طرقاً خفية لتحقيق ذلك مما أدى إلى تقوية المستبدين وترسيخ الفساد في المنطقة، في الوقت نفسه، تجدد العداء الجيوسياسي بين موسكو وواشنطن لا سيما مع كون العلاقة بين البلدين في أدنى مستوياتها منذ سباق التسلح في عهد الاتحاد السوفييتي. وقد أدى تأسيس هذه الدول الجديدة إلى ظهور القومية والأنظمة الاستبدادية اللتين تشكلان قرارات السياسة الخارجية وتُغيران المجتمعات بطرق غير متوقعة.

ومع ذلك، فإن أهمية ربع قرن من التغيير لا تزال غير مفهومة تماماً، حيث تطالعنا الأسئلة التالية: لماذا انهار الاتحاد السوفييتي فعلاً، وما هي الدروس التي أضاعها صانعو السياسات، و كيف يعيد التاريخ نفسه في عموم أنحاء القوة العظمى التي كان يشكلها الاتحاد؟. وفي معرضِ بحثها عن الإجابات، سألت صحيفة الـ فورن بوليسي ستة خبراء يتمتعون بمعرفة ودراية تامة بأمور المنطقة في مجالات التمويل والأوساط الأكاديمية والصحافة وصناعة السياسات، وإليكم هنا الدروس التي لم نتعلمها من انهيار الاتحاد السوفييتي.

 

المقالات وكتّابها في هذه السلسلة بالترتيب:

1- الاتحاد السوفييتي ما زال ينهار- سيرهي بلوخي

2- التخلي عن السلطة له عواقبه- بيل برودر   

3- لا ينبغي أن تقود الإيديولوجيا السياسة الخارجية- ديميتري ترينين

4- لا يمكن لروسيا أن تتزعم من خلال الإمبريالية- نرجس كاسينوفا

5- مَكَنَت العولمة وآثرَت المستبدين فقط- ألكسندر كولي

6- لا تزال موسكو تضحي بالتجديد في سبيل أمن الدولة- اندريه سولداتوف

 

-----------------------------

1- الاتحاد السوفييتي ما زال ينهار:

سيرهي بلوخي: هو أستاذ التاريخ ومدير معهد الأبحاث الأوكرانية في جامعة هارفارد. من مؤلفاته: الإمبراطورية الأخيرة- آخر أيام الاتحاد السوفييتي، بوابات أوروبا: تاريخ أوكرانيا. وأحدثُ كتبه : صاحب البندقية السامة: قصة جاسوس في زمن الحرب الباردة.

 

شهد القرن العشرين نهاية العالم الذي بنته وحكمتهُ الإمبراطوريات: بدءاً من النمسا وهنغاريا والإمبراطورية العثمانية التي سقطت في آخر أيام الحرب العالمية الأولى، وانتهاءً بالإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية اللتين تفككتا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وانتهت هذه المرحلة التي امتدت لعقود بانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 الخَلَف العظيم للإمبراطورية الروسية التي أعاد البلاشفة توحيدها في أوائل العشرينات، لا لشيء سوى لتتفكك بعد 70 عاماً خلال الفصل الأخير من الحرب الباردة.

ورغم أن العديد من العوامل ساهمت في سقوط الاتحاد السوفييتي، من قبيل إفلاس الإيديولوجية الشيوعية وفشل الاقتصاد السوفييتي، إلا أنه غالباً ما يتم تجاهل السياق الأوسع لتفكك الاتحاد. وحاله حال تفكك الإمبراطوريات السابقة، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي هو عملية وليس حدثاً. ولا يزال انهيار هذه الإمبراطورية الماضية يتَكَشفُ حتى يومنا هذا، حيث لم تنتهِ هذه العملية باستقالة ميخائيل غورباتشوف يوم عيد الميلاد عام 1991، كما أن ضحاياها لا يقتصرون على الثلاثة الذين قَضوا وهم يدافعون عن البيت الأبيض في موسكو شهر آب من العام ذاته أو آلاف الضحايا للحروب في الشيشان.

وحاله حال صعود الدول الناشئة على بقايا كل إمبراطورية أخرى، فقد أثارَ صعود الدول القومية على أنقاض الاتحاد السوفييتي، مسائل العِرق والقومية والادعاءات الإقليمية المتنازعة. وتفسر هذه العملية جزئياً على الأقل ضم روسيا لشبه جزيرة القرم والحرب في أوكرانيا والاندفاع القوي للدعم الشعبي لتلك الأعمال العدائية في الاتحاد الروسي. وبصفتها ضحية لهجوم شنته جارتها الأكثر قوة، وجدت أوكرانيا نفسها في وضع مشابه لذاك الذي تعيشه الدول الجديدة في أوروبا الشرقية والتي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى على أنقاض الإمبراطوريات الهنغارية- النمساوية، والعثمانية والروسية. وكافحت تلك الدول في ظل المهام الهائلة لبناء الأمة، تزامناً مع محاولتها استيعاب الأقليات القومية والدفاع عن أنفسها في وجه القوى الاحتجاجية التي تَدَّعي ولاءها للأقليات نفسها.

ورغم أن السياق التاريخي لانهيار الإمبراطوريات يساعدنا على فهم تطورات السنين الـ25 الماضية في الاتحاد السوفييتي السابق، إلا أنه بمثابة تحذير للمستقبل أيضاً. إن إعادة رسم الحدود بعد فترة الإمبريالية لعكسِ أهمية القومية واللغة والثقافة، جاء عموماً كنتيجة للصراعات والحروب التي دام بعضها لعقود إن لم يكن لقرون. دخلت الإمبراطورية العثمانية طور انهيارها البطيء عام 1837 في عملية بلغت ذروتها نهاية الحرب العالمية الأولى. واليوم، فإن الحرب المستمرة شرقي أوكرانيا ليست الوحيدة التي تُذكرنا أن عملية تفكك الاتحاد السوفييتي لم تكتمل بعد، إذ أن هناك أحداثاً أخرى تُذكرنا بذلك أيضاً مثل الصراعات المُجمدة أو شبه المجمدة في ترانزنيستريا،أبخازيا،أوسيتيا الجنوبية، ناغورنو- كارابخ، ودولة الشيشان شبه المستقلة.

ويمكن لصناع القرار في يومنا هذا تعلم درس من تاريخ الانهيار الإمبريالي ألا وهو أن للمجتمع الدولي دوراً أعلى في تصنيف العلاقات بين الحُكام السابقين والمَحكومين. وقد قامت قلةُ من الدول المستقرة، على أنقاض الإمبراطوريات المندثرة بدون دعم دولي قوي، سواء كان هذا متمثلاً بدور فرنسا في تأمين استقلال أمريكا، أو مشاركة روسيا وبريطانيا في الصراع من أجل الدولة اليونانية، أو دور الولايات المتحدة في دعم طموحات دول حلف وارسو السابق في أوروبا الشرقية. وكان دور الجهات الخارجية وسيبقى مفتاح أي تسوية ما بعد الإمبريالية. وبالنظر إلى الوضع الحالي، فإنه من الصعب أن نبالغ في الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف الناتو لإيجاد حل للصراع في أوكرانيا وأجزاء أخرى من دول ما بعد الاتحاد السوفييتي المُتقلبة. ولا يزال سقوط الاتحاد السوفييتي الذي حمل إرث آخر إمبراطورية أوروبية، أبعد من أن ينتهي.

 

------------------------

2- التخلي عن السلطة له عواقبه:

بيل برودر: هو المدير التنفيذي لـ" هيرميتيج كابيتال مانجمينت" ورئيس الحملة العالمية المطالبة بالعدالة لسيرغي ماغنيسكي.

 

عندما انهار الاتحاد السوفييتي قبل 25 عاماً، تنفس العالم الصعداء لاسيما وأنه تم استئصال خطر تهديد الإبادة النووية، بعد ذلك دخلت روسيا في مرحلة ديمقراطية واستطاع الغرب إعادة تركيز جهوده على تحقيق السلام والازدهار، وعلى أيَ حال فقد تأرجح الموقف الغربي بين القلق الشديد وبين الإهمال تجاه موسكو.

ولسوء الحظ وبينما كان الغرب يتجاهل روسيا، كانت الأخيرة تتحول بهدوء إلى دولة أكثر خطورة بكثير من الاتحاد السوفييتي.

وفي ظل غياب القوانين والمؤسسات الحقيقية، نهبَ 22 من الأوليغارشيين  أو/ مؤيدي حكم القِلة/ الروس 40% من ثروات البلاد بينما تُركَ 150 مليون روسي فريسة للفقر والعوز، وتراجع معدل متوسط العمر للرجال من 65 إلى 57 عاماً. واضطُرَ الأساتذة الجامعيون للعمل كسائقي تاكسي في سبيل تأمين قوت يومهم وتحولت الممرضات إلى عاهرات، ناهيك عن تفكك نسيج المجتمع الروسي بأكمله.

في هذه الأثناء، لم يكن الغرب يتجاهل سلب ونهب روسيا فحسب، بل كانت له يدٌ فعالة في تسهيل حدوث ذلك، حيث قبلت المصارف الغربية إيداع الأموال المسروقة من الزبائن الروس لديها، كما ورحبت الهيئات العقارية الغربية بالأوليغارشيين بهدف شراء أثمن عقاراتهم التي يملكونها في سانت تروبيز وميامي ولندن.

كان كلُ ما وقع من ظلم مُغيظاً للروس العاديين الذين كانوا يتوقون لحاكم قوي يعيد أمور البلاد إلى نصابها، وفي عام 1999، كان لهم ما أرادوا حيث وجدوا ضالتهم في فلاديمير بوتين، بيد أنه بدل من أن يستعيد النظام، استبدل بوتين الـ22 أوليغارشياً بشخصه فحسب متربعاً على عرش السلطة. وانطلاقاً من بحثي الخاص، أخَمِنُ أنه من خلال سنيه الـ18 في السلطة، كان بوتين قد نهب 200 مليار دولار من أموال الشعب الروسي.  

لقد سمح بوتين فعلاً بتسرب جزء يسير من ثروة بلاده النفطية إلى جيوب الروس ــ إلى الحد الذي يحول دون اندلاع انتفاضة ضده، بيد أنه لا شيء يكفي لقلب صورة الوضع الفظيع الذي يسوده الظلم. ولكن هذا لم يدم طويلاً بسبب تراجع الازدهار النفطي، مما أدى إلى استمرار معاناة المواطنين الروس الذين نزلوا إلى الشوارع عامي 2011 و2012 للاحتجاج على حكم بوتين للبلاد. وإذا ما نظرنا إلى طريقة بوتين للتعامل مع احتجاجات الشعب الغاضب لرأينا أنها مُستقاة من الدليل المعياري للديكتاتورية: إذا غضب الشعب منك كرئيس،عليك حينها إشعال الحروب. وكان هذا السبب الحقيقي وراء اجتياح بوتين لأوكرانيا، ونجح الأمر بصورة مذهلة حيث ارتفع فجأة وبسرعة معدل رضا الشعب الروسي عنه من نسبة 65 إلى 89% في غضون أشهر قليلة.

وفي معرض رده على ضم شبه جزيرة القرم والحرب في أوكرانيا وإسقاط طائرة الركاب الماليزية ذات الرقم 17 مما أدى إلى مقتل 298 من الأبرياء، لم يكن أمام الغرب من خيار سوى الرد بحزمة عقوبات اقتصادية ضد موسكو، حيث أدت هذه العقوبات مجتمعة مع انهيار أسعار النفط إلى مزيد من الصعوبات الاقتصادية التي لم تُزد الشعب الروسي إلا غضباً على غضب ولهذا بدأ بوتين حرباً أخرى كان مسرحها سوريا هذه المرة.

وتَكمُن المشكلة التي يواجهها العالم اليوم في أن بوتين قد دعم نفسه وعزز موقفه على نحو فعال. وخلافاً لأي زعيم عادي، لا يستطيع الرئيس الروسي أن يستقيل دون عواقب، حيث أنه سوف يخسر ماله ويواجه السجن أو حتى قد يقتلهُ خصومه، لذلك فإن ما بدأ كمسعىً لزيادة الأرباح لبوتين قد تحول إلى تمرين على السيطرة العالمية من أجل ضمان بقائه على رأس السلطة.  

وبعد 25 عاماً على سقوط الاتحاد السوفييتي، لا يزال الغرب يواجه تهديداً حقيقياً من الكرملين تدفعه الكليبتوقراطية هذه المرة بدلاً من الإيديولوجيا الشيوعية بيد أن الخطر نفسه لا يزال قائماً لا سيما مع وجود الأسلحة النووية ذاتها ناهيك عن موقف روسي خطير للغاية.

إن المأساة الحقيقية هي أنه لو لم تكن الحكومات الغربية قد تسامحت مع الكليبتوقراطية الروسية على مدى ربع قرن، لم نكن لنوجَد حيث نحن اليوم: ولكن طالما أن بوتين ورفاقه يستمرون بالحفاظ على أموالهم وإيداعها لدى المصارف الغربية، فلا يزالون يتمتعون بشيء من النفوذ: يمكن تجميد أصولهم المالية ورفض حساباتهم. وإذا ما كان هناك درس واحد ينبغي أن يؤخذ من انهيار الاتحاد السوفييتي، فهو أننا في الغرب لا يمكن أن نستمر في دَسِ رؤوسنا في الرمال وتجاهل الكليبتوقراطية في روسيا لأن العواقب كارثية.

 

-----------------------

3- لا ينبغي أن تقود الإيديولوجيا السياسة الخارجية:

ديميتري ترينين هو مدير مركز كارنيغي للدراسات في موسكو وخدمَ في صفوف القوات المسلحة الروسية والسوفييتية بين عامي 1972 و1993 وأحدثُ مؤلفاته كتاب: هل ينبغي أن نخاف من روسيا؟.

 

كان الاتحاد السوفييتي يرى في نفسه قوة أيديولوجية وكانت روسيا تؤمن أن الشيوعية قَدَمَت مثلما جاء في الشعار الشيوعي القديم تماماً وهو" مستقبل مشرق للبشرية جمعاء". وسادت لدى قادة موسكو قناعة بأن الشيوعية هي الوصفة المناسبة لأي دولة بصرف النظر عن التاريخ أو التنمية أو الثقافة، واليوم وبعد 25 عاماً على انهيار الإمبراطورية السوفييتية، لا يزال ذلك المنطق الذي لم يكن في محله يُشكلُ الأحداث الجارية في أنحاء المعمورة.

وجاء أول نجاح كبير للاتحاد السوفييتي في تعزيز الشيوعية في منغوليا، حيث تفاخرت موسكو بتحويل البلاد من الإقطاعية إلى الاشتراكية أواخر ثلاثينات القرن الماضي. وبعد الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى أوروبا الشرقية وشرق آسيا، انتشرت الأنظمة التي يرعاها السوفييت في جميع أنحاء العالم من أمريكا اللاتينية إلى شرق أفريقيا بنجاح اسميٍ لا أكثر.

بعد ذلك جاء الدور على أفغانستان عام 1979 حيث تدخلت موسكو في بادئ الأمر لضمان استمرار ولاء القادة في كابل للاتحاد السوفييتي، ولكن حالما وطأت قدماها التراب الأفغاني، تحولت مهمة موسكو إلى مساعدة الأفغان على بناء دولة ومجتمع على أساس النموذج السوفييتي مثلما فعلت في منغوليا. ومن خلال التجربة الأفغانية، اكتشف الاتحاد السوفييتي قوة الإسلام المسلح وأدرك في نهاية المطاف أن غزو بلد متشدد ومتعمق في الدين كان أسهل بكثير من إعادة تشكيل مجتمعه. وفي الوقت الذي أرسلت فيه موسكو جيشها إلى أفغانستان، كان الاتحاد السوفييتي قد كشف ضعفهُ الأساسي ألا وهو التوسع الإمبراطوري. آنذاك، كانت موسكو قد بدأت تصارع بالفعل من أجل الحفاظ على حلفائها في أوروبا الشرقية ـــ ودعم عشرات الدول العميلة حول العالم.

وقد عززت الحرب في أفغانستان حالة السخط في أوساط الشارع الروسي إذ أنها كانت مكلفة وغير ضرورية على حد سواء. في الوقت ذاته، نفدت قوة الاقتصاد السوفييتي بحلول ثمانينات القرن الماضي في ظل انهيار البنية التحتية وتزايد الحشد الشعبي المعارض للحرب. كانت تكلفة دعم قائمة طويلة من الأقمار الصناعية والوكلاء في الدول تعيق تمويل الاتحاد السوفييتي. وبدأت موسكو الحذرة دائماً من الاقتراض من الخارج، تأخذ المزيد والمزيد من القروض، وخلال سنواته الأخيرة، تأثرت السياسة الخارجية للاتحاد بشكل كبير بالحاجة المستمرة إلى الحصول على مزيد من التمويل من الخارج. وازدادت وتيرة التحرير المحلي بالإضافة إلى اتخاذ خطوات تجاه إعادة توحيد ألمانيا، ولم تتدخل موسكو عندما تابعت دول أوروبا الشرقية مسارها السياسي في الثمانينات.

وتنطبق دروس هذه المرحلة التاريخية أولاً وقبل كل شيء على الاتحاد الفيدرالي الروسي خليفة الاتحاد السوفييتي، حيث رفض على الفور أي أيديولوجية للدولة مُتخلياً ليس فقط عن الإمبراطورية العالمية، بل وحتى عن الأراضي التي تعتبرُ تقليدياً جزءاً من صميم روسيا تاريخياً مثل أوكرانيا. وبعد 25 عاماً، وتزامناً مع سعيها لبناء نفسها كقوة عالمية عظمى، تدرك روسيا اليوم أن تأسيس إمبراطورية باسم مختلف هو أمر ليس في حساباتها. ونظراً لدخولها الحرب في سوريا، أوضحت موسكو أيضاً ومنذ البداية أنها لن ترسل قواتها البرية خشية أن تصبح سورية أفغانستان أخرى.

ومع ذلك، إلا أنه لا ينبغي حصرُ تلك الدروس ضمن نطاق الاتحاد السوفييتي السابق فحسب، فالتاريخ لا يعيد نفسه لكنه يتطابق ويتناغم. لقد تطورت التدخلات العسكرية الأمريكية في أفغانستان عام 2001 والعراق 2003  لتصبح مشاريع ضخمة لبناء الدولة تحت ستار الديمقراطية بتكلفة مالية وبشرية كبيرة. وإن أي أيديولوجيا وليس فقط الشيوعية، هي دليل ضعيف للسياسة الخارجية، حيث أدت المغامرات العسكرية في الخارج إلى الإحباط داخلياً وضياع الهيبة خارجياً، ناهيك عن أن الدَينَ الوطني المتزايد إنما هو قنبلة موقوتة تهدد استقرار الدولة ذاته.

في النهاية، لقد دفع الاتحاد السوفييتي الثمن غالياً بسبب غضبه الإمبراطوري.

-----------------------

4- لا يمكن لروسيا أن تتزعم من خلال الإمبريالية:
نرجس كاسينوفا هي بروفيسورة مساعدة ومديرة مركز دراسات آسيا الوسطى في معهد كازاخستان للإدارة والاقتصاد والأبحاث الإستراتيجية في ألما اتا.

 

عندما انهار الاتحاد السوفييتي، تُرِكَت الدول الخمسة الجديدة في آسيا الوسطى وهي كازاخستان، قيرغيزستان، طاجاكستان، تركمانستان وأوزباكستان خارج دائرة الاهتمام. وتم توقيع تفاهمات بيلافيزها ـــ الوثيقة التي وقعها كل من الرئيس الروسي آنذاك بوريس يلتسين ونظيريه الأوكراني ليونيد كرافتشوك والبيلاروسي شوشكيفيتش يوم الثامن من كانون الأول/ ديسمبر عام 1991، وكانت إشارة على تفكيك الاتحاد السوفييتي واستبداله بتجمع أكثر تحرراً من دول مستقلة /كومنولث/، من دون مشاركة جمهوريات آسيا الوسطى حيث كشفت هذه العملية حقيقة مهمة عن العلاقات بين الأطراف المتناقضة في الإمبراطورية السوفييتية. ركب الزعماء السلافيون موجة هذه المغامرة المربحة بينما تركوا نظرائهم في آسيا الوسطى يتحملون العواقب.

وبالنسبة لروسيا المتطلعة نحو الغرب بداية التسعينات، كانت آسيا الوسطى بمثابة حديقة خلفية أثقلت كاهل موسكو التي لم ترَ ضيراً في التخلص منها. وبعد جهود مضنية للحفاظ على فسحة اقتصادية وعملة مشتركة، أخرجت حكومة الرئيس يلتسين بقية الدول الأعضاء في تجمع الكومنولث /سي اي إس/من منطقة الروبل/ الوحدة النقدية للاتحاد السوفييتي/عام 1993. كانت هذه الخطوة صفعة مؤلمة لاسيما لدول آسيا الوسطى التي كانت تعتمد بشكل كبير على المصارف الروسية فيما يتعلق بالتحويلات المالية بهدف الحفاظ على استقرار اقتصادها المزروع

وتزامناً مع تحول روسيا إلى دولة أقل ديمقراطيةَ وأكثر حنيناً لاستعادة الأمجاد السوفييتية أواخر التسعينات، راحت موسكو تولي آسيا الوسطى الاهتمام من جديد. ومع إحياء الكرملين الحديث عن "مصالحه وامتيازاته" و"مجالات تأثيره"، فقد سعى إلى تثبيت نفسه بطرق جديدة كمركز النشاط الاقتصادي والسياسي في أوراسيا. وأغدقت موسكو مصادر جديدة على منظمة معاهدة الأمن الجماعي وهي تحالف عسكري يضم 3 من الدول الخمس في آسيا الوسطى. وفي عام 2015، دخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي رحب به الرئيس بوتين بحفاوة، وهو جسم اقتصادي يضم كل من أرمينيا وبيلاروسيا وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان، حيز التنفيذ ليصبح بذلك رابطة أكثر قرباً تجمعُ الجمهوريات السوفييتية السابقة.

ومن خلال تحالفاتها، تستمر موسكو بالتصرف كسيدٍ وليس كعضوٍ شأنه شأن بقية الأعضاء في اتحاد، وعندما فرض الغرب عقوبات على روسيا عقاباً منه على تدخلها في أوكرانيا عام 2014، ردت موسكو بمجموعة من العقوبات الانتقامية ضد المنتجات الأوروبية، حيث لجأت إلى هذه الخطوة دون التشاور مع بيلاروسيا أو كازاخستان أو بقية الأعضاء في الاتحاد الأوراسي الجمركي الذي بَشَرَ بولادة الاتحاد الاقتصادي. وانطلاقاً من بحر قزوين، شنت روسيا أيضاً هجمات صاروخية ضد أهداف في سورية خريف العام 2015 دون الأخذ بعين الاعتبار مخاوف حليفتها العسكرية وشريكتها الأقرب "كازاخستان" والتي أُجبِرت وخلال مدة قصيرة على إعادة توجيه رحلاتها الجوية إلى خارج المنطقة.

وعلى الصعيد المجتمعي، ليس هناك اهتمام بالغ أو مشاعر حب تجاه القادمين من دول آسيا الوسطى، حيث يعمل ملايين المهاجرين من هذه الدول في روسيا ويرسلون الأموال لدعم عائلاتهم التي تركوها خلفهم. وأثارت هذه المسألة المشاعر العنصرية ضد المهاجرين في البلاد لدرجة أن بعض سياسيي المعارضة البارزين سعوا لتوجيهها لخدمتهم، حيث وعد الملياردير الروسي ومرشح الانتخابات الرئاسية عام 2012، ميخائيل بروخوروف، أنه سيغلق الحدود مع "آسيا الوسطى" /المصطلح السوفييتي الذي يشير إلى آسيا الوسطى من دون أوزباكستان/، ويقدم نظام تأشيرات دخول مع هذه الدول. وكان الناشط اليكسي نافالاني صاحب الشخصية القوية والجذابة والذي يخطط لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2018، قد شن حملة في الماضي على إدخال نظام التأشيرات مع دول آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز. ومع صعود النزعة القومية، أصبح مواطنو هذه الدول "الغرباء" بنظر عامة الشعب الروسي.

وينبغي أن تحثّ هذه النزعة سكان آسيا الوسطى على حِفظِ درس أوائل التسعينات، إذ أنه من المستحيل بناء مجتمع سياسي أو أي نوع من التكامل الاقتصادي المُجدي دون هوية أو حلم مشترَكَين للمستقبل. ويتعين على دول آسيا الوسطى وكذلك مجتمعاتها التَفَكرُ في تبعياتها السابقة والحالية وتطوير هويات بمعزل عن تاريخها السوفييتي وارتباطها بروسيا. وبعد 25 عاماً، حان الوقت لأن يتخلى سكان آسيا الوسطى عن هذا النوع النموذجي من إيذاء الذات كَشعوبٍ مُستَعمَرة، ويحتضنوا استقلال بلدانهم بِحق.

------------------

5- مَكَنَت العولمة وأثرَت المستبدين فقط:

ألكسندر كولي هو مدير معهد هاريمان في جامعة كولومبيا وأستاذ العلوم السياسية في كلية برنارد في نيويورك. شارك كولي مع جون هيثرشو بتأليف كتاب هو بصدد النشر تحت عنوان" ديكتاتوريون بلا حدود، السلطة والمال في آسيا الوسطى".  

 

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ظهرت الدول الخمس الجديدة في آسيا الوسطى والتي عَددها التقرير آنفا، كمنطقة منسية ومقطوعة عن قوى العولمة. وراح العلماء وصناع القرار يصفون هذه المنطقة بأنها معزولة ومفككة وغير مندمجة في الاقتصاد العالمي على نحوٍ كفء، وأصبحت حكوماتها أكثر استبدادية وتُرِكَ اقتصادها راكداً يعوزهُ الإصلاح منذ العهد السوفييتي.

وعلى أي حال، لم تكن دول آسيا الوسطى محمية ومُحصنة تماماً من العولمة. وبدلاً من تسهيل الانتقال من حالة الاقتصاد الشيوعي، تشير علاقة هذه الدول بالنظام الليبرالي العالمي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي إلى أن العولمة شجعت بالفعل هروب رؤوس الأموال وكرَسَت الفساد وسمحت لأكثر الديكتاتوريين وحشية في العالم أن يعززوا حكمهم.

وكان هذا الإرث من التمويل الخارجي قد انتشر في عموم آسيا الوسطى مجحفاً بحق اقتصادها ومعززاً سلطة حكامها المستبدين. وقد لا تكون النخب في المنطقة قد حولت أنظمة بلدانها إلى ليبرالية على المستويين السياسي والاقتصادي، إلا أنها لجأت إلى مؤسسات الدولة في سبيل إثراء نفسها بنفسها اعتماداً على شركات مجهولة الهوية وحسابات مصرفية خارجية لتمويه معاملاتها المشبوهة. ورغم أن الغرب هاجم هذه البلدان بسبب تفشي الفساد فيها، إلا أنه نادراً ما كان يولي اهتماماً للمحاسبين الدوليين ورجال القانون والمستشارين الأجانب الذين ساعدوا على تنظيم هذه الترتيبات غير المشروعة.

فعلى سبيل المثال، شُنت في طاجاكستان الدولة الجبلية الصغيرة شمال أفغانستان،  حرب سياسية على شركة الألمنيوم الطاجاكية /تالكو/ أكبر مُصَدِرٍ في البلاد والمُسَجَلِ هيكلها الإداري في جزر فيرجن البريطانية. وبَرزت في محاكم لندن وسويسرا ونيويورك تهماً للرئيس إمومالي رحمون وأقاربه بالاحتيال وسرقة ملايين الدولارات في الخارج. الشيء ذاته في تركمانستان حيث قَدَرَ تحقيق أجرته هيئة رصد الفساد العالمية أن ما يتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار من احتياطي النقد الأجنبي للبلاد تراكمت بفعل تجارة الغاز الطبيعي في ظل حكم الرئيس سابارمورات نيازوف، تم إيداعها في بنك دويتشه في حساب "يملكه ويسيطر عليه" الرئيس التركماني وحده.

أما بالانتقال إلى كازاخستان الغنية بالنفط، فقد كشفت فضيحة رشوة ضخمة تورط ست شركات طاقة غربية رئيسية من بينها إكسون موبيل وكونكو فيليبس في الحصول على امتيازات الطاقة المربحة في التسعينات. وزعمت الاتهامات أن هذه الشركات دفعت رشاوى بقيمة 80 مليون دولار للنخب العليا في البلاد من خلال حسابات مصرفية خارجية. وفي عام 2010، اعترف جيمس جيفن الوسيط الأمريكي والمستشار الكبير للرئيس نور سلطان نازارباييف بارتكابه مخالفة طفيفة بموجب قانون الممارسات الفاسدة الأجنبية، وذلك بعد استغلاله دفاع "السلطة العامة" والذي قال فيه إنه تصرف نيابة عن المؤسسات الحكومية الأمريكية بما فيها وكالة الاستخبارات المركزية/سي اي إي/ بهدف تعزيز المصالح الأمريكية عبر هذه الصفقات الغامضة.

في هذه الأثناء، استخدم نظامان رئيسيان أُطيحَ بِهما بانتفاضات شعبية منفصلة عامي 2005 و2010 في قيرغيزستان، القاعدة الجوية الأمريكية في ماناس لصالح جيبيهما الخاصين وشركائهما. ورغم أنه كان لتلك القاعدة دور حاسم في الحملة الأمريكية في أفغانستان، إلا أنه جرى تحويل مليارات الدولارات من عقود الوقود المربحة عبر شركات خارجية غامضة مسجلة في جبل طارق. ويُعتبرُ اقتصاد الجارة أوزباكستان مغلقاً بصورة عامة لكنه هو الآخر قد تورط في فضيحة رشوة دولية، حيث قالت تقارير إن جلنارا كاريموفا ابنة رئيس البلاد السابق، استخدمت مجموعة متنوعة من الوسائل الخارجية لجمع ثروة تزيد عن المليار دولار من المدفوعات والرشاوى من شركات الاتصالات الغربية.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي، كثيراً ما وصف المراقبون الأجانب آسيا الوسطى بأنها جزء منعزل عن العالم. ومهما يكن، فمن خلال النظر إلى كيفية استخدام الأنظمة استراتيجياً للقنوات الخارجية والحسابات المصرفية والوسطاء الماليين، سنرى أن الغرب  قد تجاهل تواطؤه في رعاية وتعزيز الشبكات العالمية التي دعمت الأنظمة الاستبدادية في آسيا الوسطى وعموم أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق.

-------------------------------

6- لا تزال موسكو تضحي بالتجديد في سبيل أمن الدولة:

اندريه سولداتوف هو صحفي ينشط في مجال التحقيقات ومؤسس مشارك في  " أغنيتورا رو" مركز المعلومات الروسي عن وكالات الاستخبارات. وشارك سولداتوف أيضاً بتأليف كتاب" الشبكة الحمراء: الصراع بين ديكتاتوريي روسيا الرقميين والثورات الجديدة على الانترنت".

 

يوم السادس من شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وقَعَ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قانون مفهوم أمن المعلومات في البلاد. وتحدد وثيقة القانون المكونة من 17 صفحة تَصَوُر الكرملين للتهديدات التي يشكلها الإرهاب والدعاية الخارجية والتجسس الإلكتروني، قبل الدعوة إلى إجراء تغيير كبير يتمثل بإنشاء "نظام وطني لإدارة حصة روسيا من شبكة الإنترنت". ويقترح القانون أن تتشاور شركات الاتصالات وتقنية المعلومات مع الأجهزة الأمنية قبل طرح خدمات ومنتجات جديدة، وأن الدولة بحاجة إلى تصفية" اعتماد الصناعات المحلية على تقنية المعلومات الأجنبية".

وعلى الرغم من أن هذا التوجه قد يبدو جديداً وجريئاً لروسيا، إلا أنه في الواقع ليس سوى من بقايا الماضي وإشارة إلى أن الكرملين لم يَتعلم أي شيء من تاريخه السوفييتي عندما يتعلق الأمر بتبني التغيير التكنولوجي. وسيراً على خُطى الاتحاد السوفييتي السابق، تهدف الحكومة الروسية وأجهزتها الأمنية إلى تقييد التجديد والابتكار خشية الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي قد تنجم عن ذلك.

كانت أمور الاتحاد السوفييتي منظمة بهذا الشكل تماماً، حيث تاجرت السلطات بالتطور التكنولوجي لشبح أمن الدولة. وفي كِتابنا "الشبكة العنكبوتية الحمراء" نَسرُدُ أنا والصحفية إيرينا بوروغان كيف أن يوري اندروبوف رئيس جهاز الاستخبارات الروسية / كي جي بي/ آنذاك بلغَ اللجنة المركزية في حزيران عام 1975 عن إجراء اليهود الذين منعت السلطات السوفييتية هجرتهم إلى إسرائيل، مكالمات هاتفية دولية. وأوصى اندروبوف حينها "بقمع استخدام قنوات الاتصال الدولية لنقل معلومات متحيزة ومفتعلة إلى الخارج". تبنت الحكومة الروسية هذا الإجراء الذي عمل على الحد من انتشار المعارضة وكانت النتيجة تَخَلَفَ الاتحاد السوفييتي عن الغرب.

وعندما انهار الاتحاد السوفييتي، احتاج هذا العجز التكنولوجي نهجاً جديداً، وكان فلاديمير بولجاك وزير الاتصالات في عهد الرئيس بوريس يلتسين، على استعداد لإعلان القطيعة مع الماضي. كانت روسيا وقتذاك بحاجة ماسة إلى الاتصالات الحديثة بيد أنه لم تكن الصناعة المحلية قادرة على توفير التكنولوجيا اللازمة. وبسبب القيود المفروضة عليها منذ الحقبة السوفييتية، فإن صناعة الاتصالات الروسية متخلفة عن الغرب بمقدار 20 أو 25 عاماً. وخلال مقابلة أجريتها معه قال الوزير بولجاك: "لقد بتنا نعتقد أن صناعتنا سوف لن تلحق بركب الغرب أبداً وهذا يعني أن علينا أن نذهب ونشتري تقنيات الاتصالات الحديثة".

وهذا ما فعلته موسكو بالضبط إذ أنه وعلى مدى ثلاث سنوات، تم استبدال أكثر من 70 % من محطات الهاتف الداخلية الروسية بأخرى رقمية حديثة مُصَنعة في الغرب، كما زاد وزير الاتصالات عدد الخطوط الدولية في البلاد من 2000 رقم تناظُري إلى 66000 جميعها رقمية.

اشترى بولجاك المعدات اللازمة من الخارج متجاهلاً المصانع السوفيتية القديمة ذات التكلفة العالية والتي أُجبر الكثير منها على إغلاق أبوابه مما أدى إلى حدوث تفاوت صارخ بين طبقات الشعب ولكن بحلول العام 1995كانت روسيا قد أسست صناعة اتصالات وطنية وحديثة، ونشأت شبكات الانترنت المزدهرة والمربحة مطلع الألفية الثانية، الشيء الذي كان من المستحيل أن يتحقق دون الخطوط والمحطات التي اشتراها الوزير.

وقد تم إنشاءُ البنية التحتية لشبكة الانترنت الروسية استناداً إلى التكنولوجيا الغربية وفي مقدمتها مجموعة "سيسكو" الأمريكية، وذلك لأن شركات الاتصالات الوطنية الجديدة كانت تعتقد أن الموثوقية أهم بكثير من منشأ المُوَرِد. لم يَعِ بوتين هذا الدرس حيث أنه وعندما فرض الغرب عقوبات على روسيا عام 2014 في أعقاب ضم موسكو لشبه جزيرة القرم، دعا الرئيس الروسي لاستبدال المنتجات الأجنبية بأخرى محلية. ويعزز قانون الأمن الجديد هذه الفكرة بالقول إن "مستوى اعتماد الصناعات المحلية على تقنية المعلومات الغربية مرتفع جداً وإن هذا يجعل روسيا تعتمد على المصالح الجيوسياسية الغربية".

 

أخيراً وببساطة، لا يمكن أن تنتج الصناعة الروسية كل ما تحتاجه البلاد من معدات، حيث أنه منذ ذلك الحين، اتخذ المسؤولون الروس اليائسون، من الصين قِبلةَ لهم للاستعاضة عن التقنية الغربية. وعلى الرغم من أن ما إذا كان هذا القانون الجديد سيجعل من روسيا بلداً أكثر أمناً بالفعل، يظل سؤالاً مفتوحاً، فإنه سيقيد بالتأكيد الإمكانات الاقتصادية للبلاد.  

 

علِّق

المنشورات: 106
القراءات: 985798

مقالات المترجم