Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 1918

علم عدم المساواة: لمَ يفضّل الناس المجتمعات غير المتساوية؟

الكاتب الأصلي: 
Christina Starmans
تاريخ النشر: 
21 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

 

في دراسة جديدة تحفّز التفكير، يبيّن 3 علماء من جامعة "ييل" أن ما يزعجنا في الحياة حقيقةً ليس عدم المساواة وإنما الظلم.

 

إن أي شخص يبحث عن أدلة على أن لدى الناس نفوراً طبيعياً من عدم المساواة، سيجد عدداً هائلاً من الدراسات التجريبية التي يبدو أنها تؤيّد وجهة نظرهم. وقد توصّلت الدراسات إلى وجود "رغبة عالمية في تحقيق المزيد من المساواة في الأجور"، و"دوافع للمساواة بين البشر"، و"المساواة بين الأطفال الصغار"، كما وجدت أن "المساواة تتفوق على المعاملة بالمثل". كما أن بحثاً علمياً عبر غوغل عن "النفور من عدم المساواة" ينتج عنه 10 آلاف دراسة تتناول هذا الموضوع.

 

وعندما طُلِب إلى الأشخاص موضوع البحث في الدراسات المخبرية أن يقوموا بتقسيم الموارد بين أفراد لا صلة لهم ببعض، كانوا يميلون إلى تقسيم تلك الموارد بالتساوي.  وفي حال أدّت الحالة السابقة إلى عدم مساواة موجودة من قبل، سيقسّم أولئك الأشخاص الموارد المستقبلية بطرق غير متساوية بغية تصحيح عدم المساواة بين الآخرين أو ربما تقليلها. وهذا النوع من التحيّز قويٌّ إلى درجة يفضّل عندها الأشخاص موضوع الدراسة الحصول على نتائج متساوية يحصل فيها كل فرد على إجمالي أقل مقارنة بالنتائج غير المتساوية التي يحصل فيها كل شخص على إجمالي أكبر.

 

علاوةً على ذلك، يبدو أن الناس ينظرون إلى التوزيع المتساوي للموارد على أنه مبدأ أخلاقي؛ ذلك أنهم يعبّرون عن الغضب تجاه أولئك الذين يستفيدون من التوزيع غير المتكافئ. وهذا الغضب قويٌّ كفايةً كي يدفع الأشخاص موضوع البحث إلى دفع النقود لمعاقبة الموزعين الذين لا يعتمدون المساواة. وقد خلصت دراسة تناولت هذا الموضوع في 15 ثقافة متنوعة إلى أن الأفراد من أماكن مختلفة أظهروا نوعاً من الجاهزية لتولي عقاب الطرف الثالث المسؤول عن تقسيم غير عادل للموارد، على الرغم من أن حجم هذه العقوبة قد يتباين إلى حد كبير بين السكان.

وقد توصّلت دراسات للأطفال بين سن الثالثة والثامنة إلى تحيّز مماثل في المساواة؛ فقد قسّم الأطفال بعمر الثالثة الموارد بصورة متساوية بين أطراف ثلاثة، بينما أبدى الأطفال بعمر السادسة التزاماً أشد بالتوزيع المتساوي، مصرّين على التخلص من الموارد الإضافية بدلاً من السماح بتوزيعها بصورة غير متساوية بين طرفين غائبين من أصل 3.

 

وفي إحدى الدراسات، أُسنِدت إلى مجموعة من الأطفال في سن الثامنة مهمة توزيع محايات على صبيين قاما بتنظيف غرفتهما، وعندما كان هناك رقم فردي من المحايات، أصرّ الأطفال على أنه ينبغي للذي يقوم بالتجربة أن يلقي بالممحاة الإضافية في سلة المهملات بدلاً من التسبب بوجود تقسيم غير عادل. وقد كانت ردة فعلهم هي ذاتها حتى عندما أُخبروا بأن المتلقّين لن يكونا على دراية بأن أحدهما سيأخذ أقل من الآخر، ما يوحي بأن الأطفال لم يكترثوا بمشاعر المتلقّين وإنما كانوا يعارضون خلق نوع من عدم المساواة حتى وإن كان ذلك دون علم المتلقين.

والأهم من ذلك، من المحتمل أن يرفض الأطفال التوزيع غير المتكافئ عندما يعكس الكرم (إذ قامت الموزعة بالتخلي عن جميع ما تملك من الحلوى وقدمتها للمتلقي)، وكذلك الأمر عندما يعكس نوعاً من الأنانية (فقد احتفظت الموزعة بجميع الحلوى لنفسها). ويشير هذا إلى أن هذا الرفض على وجه التحديد هو نفور من عدم المساواة، بدلاً من معاقبة الأنانية.

 

"الرغبة في عدم المساواة"

بالنظر إلى هذه النتائج، قد يتوقّع المرء أنه في حال طُلِب إلى الناس أن يقوموا بتوزيع بعض الموارد بين مجموعة حقيقية من الأشخاص، فإنهم سيختارون توزيعاً عادلاً للموارد عبر جميع شرائح المجتمع، لكنهم لا يفعلون ذلك حقيقةً.

وقد حظيت دراسة حديثة أجراها "نورتون" و"إيرلي" باهتمام استحقته من وسائل الإعلام لأنها بيّنت أن الناس يقللون من شأن عدم المساواة في مجتمعنا، ويفضّلون أيضاً مجتمعاً أكثر مساواة من المجتمع الذي يعتقدون أنهم يعيشون فيه.

ويصف لنا واضعو هذه الدراسات أعمالهم على أنها "تدرس المستوى الأمثل لعدم المساواة في الثروات"، ويذكرون نتائج "مستوى مذهل من الإجماع: إذ ترغب جميع التركيبات السكانية، حتى أولئك الذين لا يرتبطون عادة بإعادة توزيع الثروات، كالجمهوريين والأثرياء، يرغب جميعهم بتوزيع للثروة يكون أكثر عدلاً من الوضع الراهن". وقد حمل عنوان مقال كتبه إيرلي: "الأمريكيون يريدون العيش في بلد أكثر مساواة (لكنهم لا يدركون ذلك وحسب)".

وهذه الملخّصات دقيقة: فالمشاركون في هذه الدراسات يفضّلون حقيقةً قدراً من المساواة أكبر من الوضع الحالي. لكن النتائج تشير أيضاً إلى أنهم لم يكونوا قلقين على وجه الخصوص إزاء التفاوتات الكبيرة، بل إن هؤلاء الأشخاص ادّعوا بدلاً من ذلك أنه في المجتمع المثالي يجب أن يحصل الأفراد الذين يشكّلون 20% من القمة على 3 أضعاف الأموال التي يحصل عليها أولئك ممن يشكّلون 20% من أسفل الهرم.

 

وعندما كان لديهم خيار إجباري بين توزيع متساوٍ وآخر غير متساوٍ للثروة، وطُلِب إليهم أن يفترضوا أنهم قد يكونون عشوائياً أحد الأغنياء أو الفقراء (وهذا هو "ستار الجهل")، رفض أكثر من نصف المشاركين صراحةً خيار التوزيع العادل للثروة، مفضّلين عدم المساواة. وبذلك، تشير هذه المعطيات إلى أنه عندما يتعلق الأمر بتوزيع الثروة في العالم الحقيقي، يفضّل الناس قدراً معيناً من عدم المساواة.

ويتجلّى هذا التفضيل لعدم المساواة في 16 بلداً آخر، لدى أشخاص على طرفي الطيف السياسي الأيمن والأيسر، ولدى المراهقين كذلك. وكما يقول نورتون: "يُظهر الناس رغبة بعدم المساواة؛ أي عدم المبالغة في المساواة، وعدم المبالغة في عدمها".

في الواقع، من الممكن لهذه البيانات أن تقلّل من تحبيذ الناس للتوزيعات غير المتكافئة، وتقارن دراسة أخرى بين تساؤل نورتون وإيرلي حول نسبة الثروة التي ينبغي أن تتوافق مع كل خمس من الشعب الأمريكي بتساؤل آخر حول معدل الثروة الذي يجب أن يكون موجوداً لدى كل خمس. وقد نجم عن التساؤل الأول نسبة مثالية من الأفقر إلى الأغنى بلغت حوالي 1:4، أما بالنسبة للتساؤل الثاني، فقد قفزت النسبة إلى 1:50. وعندما فُسِّرت العلاقة بين التساؤلين للمشاركين في الدراسات، اختارت الغالبية منهم نسبة عدم المساواة الأعلى التي تعكس معتقداتهم الفعلية لكل من المقياسين.

 

تفضيل الإنصاف

كيف يمكن التوفيق بين هذا التفضيل لعدم المساواة في العالم الحقيقي مع التفضيل القوي للمساواة الذي وجدناه في الدراسات المخبرية؟ سنقترح أن هذا التباين ينشأ نتيجة عدم تقديم النتائج المخبرية أدلة على أن النفور من عدم المساواة يؤدي إلى تفضيل التوزيع المتساوي. بل إن هذه النتائج جميعاً بدلاً من ذلك تتوافق مع تفضيل المساواة والإنصاف، ذلك أن الدراسات معدَّة ليكون الناتج المتكافئ ناتجاً منصفاً أيضاً.

 

وهذا يرجع إلى أنه ليس من الممكن التمييز بين المشاركين عن طريق بعض الاعتبارات مثل الحاجة والجدارة. ومن هنا، سواءً كان المشاركون حساسين تجاه الإنصاف أو المساواة، فإنهم سيميلون إلى توزيع السلع على قدم المساواة. وتؤيد هذه الفكرة العديد من الدراسات التي يتم التمييز فيها بين الإنصاف والمساواة بعناية، كما قد توصّلت هذه الدراسات إلى أن الناس يفضّلون الإنصاف على المساواة.

ولنأخذ مثالاَ لشخصين متطابقين في جميع الجوانب ذات الصلة بموضوع البحث، يأخذ أحدهما 10 دولارات أمريكية بينما لا يأخذ الآخر شيئاً. وهذا غير متساوٍ بوضوح، لكن هل هو عادل؟ من الممكن أن يكون كذلك إذا كان التحديد عشوائياً. ويرى البالغون أنه من العدل اللجوء إلى إجراءات محايدة مثل تقلّب العملة واليانصيب لدى توزيع أنواع كثيرة مختلفة من المصادر.

وللأطفال أيضاً وجهة نظر مشابهة، ففي الدراسات المذكورة أعلاه والتي تحدثت عن توزيع المحايات مقابل تنظيف الغرفة، في حال أُعطي الأطفال "مغزلاً" ليختاروا عشوائياً الشخص الذي سيحصل على الممحاة الإضافية، سيكونون سعداء في خلق عدم المساواة. وقد يكون حصول أحد الصبيين على ممحاتين، والآخر على واحدة فقط، قد يكون عادلاً ومقبولاً تماماً، على الرغم من أنه غير متساوٍ بكل وضوح.

ويترتب على ذلك أنه في حال اعتقد شخص ما أن (أ) مجموعة من الناس في العالم الحقيقي يبدون تبايناً في الجهد والقدرة والاستحقاق الأخلاقي وما إلى ذلك، وأن (ب) هو نظام عادل يأخذ هذه الصفات بعين الاعتبار، عندها سيملي تفضيل الإنصاف على الفرد أن يفضّل نتائج غير متساوية في المجتمعات الفعلية.

ويستخدم "توم تايلر" نظرية ذات صلة ليفسّر السبب في عدم وجود درجة قوية من الغضب العام لمواجهة عدم المساواة الاقتصادية. ويبين أن الأمريكيين يرون أن نظام السوق الأمريكية إنما هو إجراء عادل لتخصيص الثروة، وبالتالي يؤمنون بشدة بإمكان التحوّل الاجتماعي. وبناء على وجهة النظر هذه، سيكون التنبؤ بسخط الناس من الوضع الاجتماعي الحالي عن طريق معتقداتهم حول عدم الإنصاف في تخصيص الثروة أفضل من الاعتماد على معتقداتهم حول عدم المساواة.

 

نظريات النسبية

لربما يكون لدى الناس دوافع أخرى لتفضيل التوزيع غير المتساوي للثروة في مجتمعاتهم. وأحد هذه الاعتبارات لا علاقة له بالرغبة المجرّدة في تحقيق الإنصاف، بل إنه يعكس بدلاً من ذلك رغبة في الحصول على ما هو أكثر من الآخرين. ومن المثير للاهتمام أن هذه الرغبات لا تتعلق على الدوام بزيادة المبلغ الذي يملكه الفرد، بل إنها غالباً تكون بغية تحقيق زيادة في وضع الفرد بالنسبة للآخرين.

 

على سبيل المثال، كشفت دراسات تناولت الدخل والسعادة عن أنه حالما تحقّق مستوى أساسي من الثروة، فإن الثروة النسبية تكون أكثر أهمية في السعادة الإجمالية. وبالمثل، فإن مجموعة واسعة من البحوث في علم النفس الاجتماعي توصّلت إلى أن الناس يدخلون في مقارنة مستمرة مع الآخرين. كما أن معرفة الفرد أن دخله أعلى بكثير، أو أقل، من جاره لها تأثير كبير في السعادة. وكما قال "غور فيدال": "كل مرة يحقّق فيها صديق نجاحاً، أموت قليلاً".

ومن الممكن لدافع "الفائدة النسبية" هذا أن يحفّز رغبة في توزيعات غير متساوية. وفي الواقع، لتحقيق ذاك الوهج الدافئ المرتبط بالفائدة النسبية، فإن الناس على استعداد لدفع التكلفة بأنفسهم مقابل التقليل من دخل الآخرين.

كما أبدى الأطفال الصغار هذا السلوك في السعي لتحقيق الفائدة النسبية؛ إذ غالباً ما يرفض الأطفال بعمر 5 أعوام دفعات متساوية لجائزتين تخصهم وجائزتين أخريين لطفل آخر، ويختارون بدلاً من ذلك جائزة واحدة لأنفسهم إذا كان ذلك يعني أن الطفل الآخر لن يحصل على أي شيء. وإن عدم المساواة هذا المرتبط بالمنفعة النسبية جذاب للغاية إذ يتجاوز الرغبة في الإنصاف والرغبة في تحقيق مكاسب مطلقة.

وهناك دافع آخر لعدم المساواة وقد يأتي من الفكرة التي توحي بأن عدم المساواة ضروري لتحفيز الجدارة والسماح بالتحوّل الاجتماعي. على سبيل المثال، يبيّن نورتون أن الأفراد يفضّلون عدم المساواة لأنهم يرونه قوة محرّكة تدفع الناس إلى العمل بجهد أكبر وبصورة أفضل، مدركين أنهم بذلك يستطيعون أن يطوّروا من وضعهم المعيشي ووضع أطفالهم.

ويستتبع هذا الاعتقاد نوعاً من "التحوّل المبني على الكفاءات"، وهذا التحوّل شرط لازم لمجتمع غير متساوٍ لأن يصبح مجتمعاً منصفاً. على أية حال، فالمجتمع الذي يفتقر إلى التحوّل هو مجتمع يظل فيه أولئك الذين ولدوا فقراء، يظلون في حالة فقر، بغض النظر عن عملهم الجاد أو إبداعهم.

وليس من المستَغرَب عندها أن يرتبط الاعتقاد بالتحوّل المبني على الكفاءات بالمزيد من التسامح وعدم المساواة، كما يتجلى في نسبة أقل من عدم الارتياح بوجود عدم مساواة في الثروة ودعم أقل لإعادة توزيع المصادر التعليمية واستعداد أقل لتأييد زيادة الضرائب على الأثرياء.

ومن هذا المنظور، قد تُفَسَّر الاختلافات الثقافية في التوقعات حول التحوّل من خلال الاختلافات في التسامح في عدم المساواة عبر الثقافات. ومثال ذلك، قد يكون لدى الأمريكيين تسامح غير معقول في عدم المساواة جزئياً وذلك لأنهم يميلون إلى المبالغة في تقدير مدى التحوّل في الولايات المتحدة، والذي يكون في الواقع أقل بكثير من أماكن أخرى مثل كندا ومعظم أوروبا.

وأحد أسباب الافتقار إلى التحوّل هنا هو أن توزيع الدخل في الولايات المتحدة - المسافة الفاصلة بين المواطنين الأفقر والأغنى- أكبر بكثير من البلدان المنافسة. فالانتقال من النسبة المئوية العاشرة إلى النسبة المئوية التسعين في الدنمارك يتطلب زيادة في الدخل تُقدَّر ب 45 ألف دولار أمريكي، بينما يتطلب تحقيق القفزة ذاتها في الولايات المتحدة زيادة بمقدار 93 ألف دولار أمريكي.

فضلاً عن أن الوضع ليس في تحسّن، ففي حين تمكّن 92% من الأطفال الأمريكيين الذين ولدوا عام 1940 من تحصيل مبالغ أكبر من التي حصّلها ذووهم، فإن نسبة 50% فقط من الأطفال المولودين عام 1980 تسنّى لهم ذلك.

 

تبعات المجتمع غير المتساوي

على الرغم من أن المخاوف المتعلقة بالإنصاف قد تحفّز الرغبة في تفضيل عدم المساواة، إلا أن هنالك العديد من القوى النفسية التعويضية التي قد تدفع الأفراد إلى إقرار المساواة. ومن بين هذه القوى نجد القلق من عواقب المجتمع غير المتساوي، ذلك أنه حتى إن لم يكن لدى الأفراد أية مشكلة مع عدم المساواة بحد ذاته، فإن ذلك قد يكون له آثار سلبية تدفع الناس إلى تجنبه.

ومن بين تلك الأسباب أنه مع ازدياد عدم المساواة يتناقص مقدار السعادة الذاتية، لا سيما لدى أولئك الذين يشكلون نسبة 40% من الحاصلين على الدخل الأدنى. وأحد أسباب ذلك هو أن "الضرر النسبي" له تأثير سلبي في الرفاهية أكبر من تأثير الفائدة النسبية الإيجابي. وعندما يعلم الناس موقعهم في توزيع الدخل الإجمالي، يعبّر أولئك الذين يجدون أنفسهم في الطرف الأدنى من الميزان عن مستوى أقل من الرضا في العمل، بينما لا يعبّر أولئك في الطرف الأعلى عن المزيد من الرضا.

ولهذا آثاره السلبية على الإنتاجية أيضاً: فالعمال الذين يعرفون أنهم على الجانب المنخفض من التوزيع يقلّلون من جهودهم، لكن في المقابل لا تزيد المعرفة بأنهم على الجانب الأعلى من جهودهم.

ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت الآثار المدمّرة لعدم المساواة في السعادة تُعزى إلى عدم المساواة بحد ذاته أو إلى تصوّر عدم المساواة الجائرة. أي إنه تساؤل مفتوح عما إذا كان الأفراد الذين يحصلون على دخل أقل من غيرهم سيعانون من نقص في السعادة والإنتاج في حال اعتقدوا أنهم يخضعون لنظام منصف، نظام قد تؤدي فيه زيادة الجهود من جانبهم إلى تحوّل اجتماعي.

وفي البيئة الاقتصادية الراهنة في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية، قد يحدث أن تؤدي المخاوف بشأن الإنصاف إلى تفضيل خفض المستوى الحالي من عدم المساواة. ومع ذلك، تؤدي المخاوف حول الإنصاف في مجتمعات أخرى حول العالم وعبر التاريخ، على سبيل المثال عندما تواجهها القيم الشيوعية للاتحاد السوفييتي السابق، تؤدي إلى الغضب من الكثير من المساواة. ولفهم هذه الدوافع المتعارضة، يجب على المرء أن يركز على ما إذا كان ينظر إلى النظام على أنه عادل، لا أن يركّز على نتائجه إن كانت متساوية نسبياً أو غير متساوية في توزيع الثروة.

 

ما الذي يزعج الناس حقاً؟

وكما هو الحال بالنسبة لمعظم المطالب النفسية من هذا النوع، ينطوي اقتراحنا، في أفضل الأحوال، على تبعات غير مباشرة على السياسة العامة. وحتى إذا كان الفرد العادي يرغب في مجتمع غير متساوٍ، قد يجادل أحدهم بأن الأفراد مخطئون فيما يريدونه. وربما يكون الأفراد أفضل حال في مجتمع متساوٍ تماماً، لكنهم لا يعرفون ذلك بكل بساطة.

ومع ذلك، فإننا نرى بالفعل تأثيرين لهذا العمل.

- أولهما: يدل على أن العديد من الناس يملكون معلومات خاطئة حول مدى توافق مجتمعهم مع مُثُلِهم، وبذلك يكونون مخطئين في تقدير مستوى عدم المساواة فيه، معتقدين أن الوضع الراهن أكثر مساواة مما هو عليه في الواقع. علاوةً على ذلك، لقد بالغ الأمريكيون بوجهة نظرهم حول مدى التحوّل الاجتماعي في الولايات المتحدة، وبالتالي بالغوا في تقدير الحد الذي وصل إليه نظام السوق الأمريكية الحالي ليكون إجراءً منصفاً في تخصيص الثروة.

وكنا قد بيّنا سابقاً أن وجهات النظر المتعلقة بالإنصاف ستكون أكثر قدرة على التنبؤ بالاستياء نتيجة وجود عدم مساواة اقتصادية. وبذلك، ستسهم الثقافة العامة حول النسبة الراهنة الفعلية للتحوّل بضمان أن يستند تقييم الأفراد الأخلاقي للعالم الذي يعيشون فيه إلى حقائق ذات صلة.

- ثانياً: كثيراً ما يطمس الخطاب السياسي المعاصر المخاوف التي ينبغي أن يُنظَر إليها على أنها متميزة. كما تختلط المخاوف بشأن عدم المساواة مع المخاوف من الفقر وتلاشي الحقوق الأساسية، وكما ركزنا هنا، تختلط مع المخاوف من عدم الإنصاف.

وإذا كان صحيحاً أن عدم المساواة بحد ذاته ليس ما يزعج الناس حقاً، عندها سنكون أفضل حال إذا بددنا هذه المخاوف بعناية وحولنا تركيزنا إلى المشكلات التي تهمنا أكثر.

وبهذا، فإن الاعتراف بأن الإنصاف والمساواة مختلفان لا يمكن أن يكون مجرد حاشية للدراسات التجريبية، كما لا يمكن أن يكون مجرد أمر تافه نادراً ما يتم الاستشهاد به في المحادثات السياسية التي تتصارع مع عدم الإنصاف لكنه يشكّل الحوار في إطار المساواة.

وسيتم تسهيل تحقيق التقدم في المختبر وفي العالم الحقيقي من خلال تركيز النقاش على ما يهم الناس بالتحديد - الإنصاف- وليس على ما لا يهتم به الناس وهو المساواة.

 

------------------------

الكتّاب:

- كريستينا ستارمانز (Christina Starmans)هي زميلة ما بعد الدكتوراه في قسم علم النفس في جامعة ييل. تركز أبحاثها على التفكير لدى الأطفال والكبار حول العالم الاجتماعي، بما في ذلك مواضيع مثل الذات والأخلاق والملكية والإنصاف والمعرفة.

- مارك شيسكين (Mark Sheskin): أستاذ ما بعد الدكتوراه ومحاضر في برنامج العلوم المعرفية في جامعة ييل.

- بول بلوم  (Paul Bloom): أستاذ علم النفس والعلوم المعرفية في جامعة ييل.

 

علِّق

المنشورات: 105
القراءات: 869969

مقالات المترجم