No votes yet
عدد القراءات: 12886

الفتوحات العربية والمملكة الساسانية في إيران

الكاتب الأصلي: 
Khodadad Rezakhani
تاريخ النشر: 
15 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

 

على الرغم من اجتياح الجيوش الإسلامية للأراضي الإيرانية فقد حافظت على لغتها الفارسية الخاصة ومعظم معالم ثقافتها. يدرس خوداداد ريزاخاني في بحثه هذا كيف أصبحت الإمبراطورية الزرادشتية جزءاً من العالم الإسلامي.

 

كانت الإمبراطورية الساسانية التي حكمت ما بين نهر جيحون شرقاً ونهر الفرات غرباً ربما الأكثر تأثيراً من بين جميع الإمبراطوريات الفارسية القديمة. بمجاورتها لروما في الغرب والصين في الشرق وعلاقتها المباشرة مع الدويلات البدوية في السهوب الأوراسية كانت تُسمى إحدى عيني العالم. اشتملت أراضيها على مراكز حضارية عتيقة مثل أراضي سومر وبابل وإيلام وفارس. تلك الإمبراطورية التي أوقفت التمدد الروماني في الشرق الأدنى وسيطرت على ممرات القوقاز وأمنت وسيطرت على آسيا الوسطى كانت مركزاً مشعاً للثقافة، ابتداءاً من هندستها المعمارية الرائعة إلى صناعاتها المعدنية والزجاجية والمنسوجات الجميلة لقد ظهر إرثها واضحاً على كل من أوروبا في العصور الوسطى وضمن الحضارة الإسلامية التي سيطرت لاحقاً على أراضيها. في الدين والعلم أيضاً سيطرت ثقافة الأدب الفارسي الوسطى التي تُشكل العمود الفقري للثقافة الفارسية في العصور الوسطى على المنطقة بين الهند والبلقان. الزرادشتية أحد الأديان القديمة التي أثرت على كل من المسيحية واليهودية، والمانوية والدين الغنوصي أيضاً الذي كان في لحظة من التاريخ دين أوغسطين كلها نشأت وازدهرت في كنف الإمبراطورية الساسانية. فكيف استطاع العرب الذين جاءوا من أعماق الجزيرة العربية في القرن السابع التفوق على الإمبراطورية الساسانية وتحويل سكانها إلى الإسلام والسيطرة على مواردها وتحويل ثقافتها ولغتها؟ يعزو بعض المؤرخين السبب إلى البساطة والوضوح الذي أتى مع دين توحيدي مثل الإسلام. آخرون أكثر عداءاً للإسلام مع مشاعر حنين إلى أيام المجد الإيراني، يعزون الإنهيار إلى وصول البدو الهمجيين الذين دمروا الحضارة المجيدة. تقول الحكمة التقليدية إن سوء الإدارة الكارثي وقلة شعبية طبقة النبلاء الزرادشتية في الفترة الساسانية الأخيرة أعطت النصر للعرب الغازين الذين لم يلقوا أي مقاومة تذكر من السكان الساخطين.

كل من الروايتين اللتين تعتمدان أساساً على التاريخ الإسلامي المكتوب بيد المؤرخين المعاصرين لتلك الحقبة مثل البلاذري والطبري تعتبران أن سقوط الساسانيين كانت نتيجة الحملات العسكرية التي شنتها الجيوش العربية. ولكن سقوط الإمبراطورية الساسانية لا يزال يُذكر على أنه فشل وطني، بداية تبعية إيران للعرب والإسلام. هذا على الرغم من أن الساسانية إيرانشهر (المجال الحيوي لإيران) لا يمكن حقاً أن يكون مساوياً لمساحة الدولة الحديثة في إيران.

بخلاف سرعة وفعالية الفتوحات الإسلامية هناك افتراضان ثقافيان يقرهما الباحثون تلقائياً. الأول هو أن الفتوحات الإسلامية تعني أن الإسلام كدين كان إما مقبولاً أو مفهوماً من جميع السكان الساسانيين. إن بقاء أي دين من أديان ما قبل الإسلام - الزرادشتية عموماً - يُعتبر عملاً مقاوماً وتحدياً يتطلب جهداً كبيراً يحاول التغلب على قمع السادة الجدد العرب المسلمون. الافتراض الثاني أن اللغة العربية فُرضت مباشرة على السكان المحليين كجزء من عملية الأَسلمة. وبالتالي فإن بقاء الفارسية يُعتبر معجزة وظاهرة فريدة في العالم الإسلامي الذي اعتمد الجميع فيه على اللغة العربية. تُعزى هذه المعجزة إما إلى صلابة الإيرانيين أو إلى الشاعر الملحمي فيردوزي الذي كابد في تأليف كتابه (كتاب الملوك) كل أنواع الصعاب في الفترة بين 977-1010 مع وجود الهدف الواعي للحفاظ على اللغة الفارسية والثقافة الفارسية. يبدو أن هذان الافتراضان لا أساس لهما من الصحة.

 

لقد وقعت نهاية الإمبراطورية الساسانية وصعود الإسلام في عالم متغير، يسميه المؤرخون اليوم "أواخر العصور القديمة". قُدم هذا المصطلح إلى اللغة الانكليزية في الستينيات من القرن الماضي باعتباره تصحيحاً لسرد ادوارد جيبون عن سقوط روما وبداية "العصور المظلمة" عندما تحولت روما الكلاسيكية إلى المسيحية البيزنطية. يؤكد سياق أواخر العصور القديمة على أن المسيحية حلت محل العديد من مؤسسات العالم الكلاسيكي واعتمدتها وتبنتها في نظام يتجاوز هيكل الإمبراطورية. لقد تحولت الإمبراطورية الرومانية بموجب هذا النظام إلى اتحاد مسيحي. لقد خلق مفهوم أواخر العصور القديمة العديد من المواضيع والمنهجيات التي حدت بالمؤرخين الإيرانيين والمسلمين إلى تبنيها في سياق دفاعهم عن وجود عالم متغير مماثل في غرب ووسط آسيا. كانت إحدى نتائج هذه المنهجية هو عدم النظر إلى الفتوحات الإسلامية كتمزق وإنما كنتيجة للتغيرات التي حدث طوال فترة أواخر العصور القديمة والتي استمرت في تشكيل منطقة غرب آسيا لعدة قرون.

لقد حدث ذلك في وقت كان العالم فيه متغيراً حيث شهدت فترة أواخر العصور القديمة صعود فكرة "الرجل المقدس" وهو قديس محلي أو شخصية روحية تصدرت المشهد الاجتماعي في أواخر العصور القديمة، تلك الظاهرة التي يمكن أخذها بعين الاعتبار عند دراسة التغير في الهياكل الاجتماعية في جميع أنحاء أوراسيا وشمال أفريقيا. وبالمثل يجب فهم التغيرات الاقتصادية في غرب آسيا لا سيما في مجال الزراعة في سياق محاولة فهم التغيرات السياسية في آسيا الوسطى.

إن دراسة أواخر الإمبراطورية الساسانية في الفترة ما بعد 484 تُعد فرصة أساسية لسبر أغوار هذه الفترة المليئة بالتغيرات. كانت هزيمة الإمبراطور الساساني بيروز الأول ومقتله على يد الهفثاليين علامة فارقة في تاريخ تلك الفترة فقد قُتل الامبراطور في منطقة قرب بلخ في شمال أفغانستان اليوم. وأصبح الهفثاليون بعدها سادة شرق إيران وفرضوا تعويضات على الساسانيين. ولمدة عقدين من الزمن ظل الهفثاليون يمارسون دورهم في صناعة الملوك حيث يسقطون أحدهم ويتوجون الآخر من الأسرة الساسانية. ولا بد أن دفع تعويضات الحرب قد أنهك الخزينة الأمبراطورية على الرغم من عدم وجود دليل مباشر على ذلك. كل ما سبق حول أنظار الساسانيين تجاه سوريا المنطقة الشرقية من الإمبراطورية الرومانية والتي غزاها الإمبراطور الساساني كافاد (531-488) والذي استطاع الفوز بالعرش بعد عقدين من تتابع الملوك الضعفاء عليه وحاول بغزوه هذا التوسع فيها قدر المستطاع.

لقد وضعت المشاكل المالية للامبراطورية الساسانية وموت الامبراطور بيروز الأول المملكة في حالة من الفوضى ودمرت طبقة النبلاء فيها. لم تكن تعويضات الهفثاليين تُدفع من خزينة الدولة فقط بل حتى من جيوب النبلاء وعامة الشعب. وجعل فقدان الهيبة الساسانية من الصعب على النبلاء أن يحافظوا على احترامهم لتلك الملوك الدمى التي أعقبت بيروز مثل والاش وجامباس وهو وضع عانى منه حتى كافاد نفسه في سنين حكمه الأولى. هذا الانتقاص من الثقة في المؤسسة الملكية أدى إلى تمرد ولكنه غير واضح المعالم. يسمى بعض المؤرخين هذه المرحلة باسم ثورة مازداك والتي كان من المفترض لها أن تكون حركة إصلاح اجتماعي وديني بقيادة كاهن زرادشتي دعمه كافاد نفسه في البداية وذلك بهدف زعزعة النظام الاجتماعي الديني الذي تتحكم به طبقة رجال الدين الزرادشتية. ولكن الأدلة تشير إلى دوافع مختلفة. يبدو أن عدم رضا كافاد عن طبقة النبلاء أجبره على إجراء بعض التغييرات المتسرعة على إدارته وحكومته والتي أثبتت في النهاية قلة شعبيتها. أدت هذه التغييرات إلى تنحية كافاد عن العرش حوالي عام 496 على يد ائتلاف من النبلاء والكهنة وأسفرت في النهاية إلى انسحابه إلى مناطق الهفثاليين. ولكن استعادته للعرش بعد عامين أي عام 498 بدعم من الجيش الهفثالي لم يكن مجرد انقلاب ضد النبلاء الذين أزاحوه عن عرشه بل كان أيضاً بداية لنظام جديد حيث يبدو أن ذلك قد حصل بالاتفاق مع بعض النبلاء لأنه وبعد فترة وجيزة من استعادة كافاد للعرش اتفق مع طبقة النبلاء على غزو سوريا.

امتدت الحملة السورية حتى نهاية حكم كافاد وجزءاً من أوائل حكم ابنه خسرو أنو شروان (531-579). لم يكن لدى كافاد الكثير من الوقت فقد سارع إلى إجراء بعض الإصلاحات التي شملت إعادة النظر في نظام ضريبة الأراضي (الخراج) كما أدخل ضريبة الاقتراع. وقد يكون عمد إلى طرد النبلاء وإعادة تنظيم الجيش وتقسيم الامبراطورية إلى أربعة أجزاء لرفع كفاءة الدفاع عن أراضيها. جرت إصلاحات كافاد وخسرو في نفس الوقت الذي كان فيه الامبراطور جستنيان يعيد تأسيس وإصلاح مملكته في بيزنطة واشتبكت الامبراطوريتان في قتال عنيف على حدودهما. أصبح الهفثاليون أقل تأثيراً في الحكم الساساني، على الرغم من احتفاظهم بوجود قوي لهم في شرق إيران.

انتهى عهد كافاد بثورة مازداكية كاملة ولكنها تعرضت للقمع الوحشي على يد خسرو الأول مما جعله بطل النصوص الزرادشتية المعاصرة. لقد تم تأريخ ثورة مزدك في نصوص معادية لها فقط. إن دعوة الثورة المزدكية لتقاسم الممتلكات والنساء تعطيها فكرة اشتراكية استغلها المؤرخون والعلماء الماركسيون في الاتحاد السوفيتي السابق. ما نعرفه هو أن هذه الفكرة هي أحد أوجه حركة اجتماعية دينية كاملة. إن نظرة على الإصدارات اللاحقة من الحركة والتي ظهرت في الفترة الإسلامية تحت مسمى الخرمدينيا أو الدين الممتع تُظهر أنه من الحكمة البحث في هذه الحركة الدينية في إطار حركة التطور المتكاملة للأديان العالمية تلك الحركة العابرة للكيانات السياسية والثقافات والمجتمعات. وكما الحال في الكومنولث المسيحي فربما كانت المزدكية والخرمدينيا في طريقهم لخلق دين اجتماعي وربما في النهاية اتحاداً سياسياً.

 

تُظهر الزرادشتية اهتماماً أقل في لعب هذا الدور. تتوافر الكثير من الأدلة على وجود ثيوقراطية زرادشتية ترأسها مؤسسة كهنوتية مهيمنة، يعود بعض نُظمها إلى مئات السنين إلى القرنين السادس والسابع. وبصرف النظر عن غياب "أرثوذوكسية" زرادشتية في العالم الساساني فليس لدينا أي دليل على هيمنة رجال الدين. لقد عُرف الملوك الساسانيون المتأخرون بخطاباتهم الموجهة إلى السكان المسيحيين. في الحقيقة لقد تزوج الإمبراطور خسرو الثاني (591-628) من زوجة مسيحية أو اثنتين وكان له وزير مسيحي. وبالمثل فقد قام في سياق حشده للدعم لحملاته ضد بيزنطة بدعم المجتمع المسيحي النسطوري، ودعم النسطوريين في سوريا، وعند اجتياحه للقدس نقل الصليب الحقيقي من القدس إلى خوزستان في جنوب غرب إيران من أجل إعطاء هيبة للمسيحيين في إمبراطوريته. إن وجود هيكل ديني زرادشتي مهيمن لم يكن ليسمح بمثل هذه العلاقات بأفرادٍ من دين آخر.

في الواقع لقد كان المسيحيون هم المسيطرين في المناطق الغربية من المملكة الساسانية. في بلاد ما بين النهرين، قلب الإمبراطورية الساسانية، كان سكانها من المسيحيين الناطقين بالأرمينية واليهود. في جنوب غرب بلاد ما بين النهرين كانت مملكة الحيرة العربية والتي حكمت القبائل العربية في شمال شبه الجزيرة العربية نيابة عن الساسانيين. أما شرق الجزيرة العربية فقد كان مأهولاً بالعرب الذين كانوا يسيطرون على الإدارة الساسانية للبحرين والتي تضم شرق شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى ما يُعرف اليوم باسم عُمان. أما في جنوب الجزيرة العربية حيث مملكة حمير سابقاً فقد أصبحت جزءاً هي الأخرى من الإمبراطورية الساسانية بعد غزوها عام 570.

اجتاح خسرو الثاني سوريا عام 602 وهزم الجيوش البيزنطية هناك. وسرعان ما سقطت كل من سوريا وفلسطين ومعظم مناطق الأناضول بيد الساسانيين. وبحلول عام 615 أصبحت مصر أيضاً تابعة للإمبراطورية الساسانية. على مدى عقدين من الزمن كان الساسانييون هم سادة غرب آسيا كما هزموا الهفثاليين بمساعدة الأتراك في عام 560 وأمنوا بذلك السيطرة على كثير من أراضيهم التي فُقدت سابقاً في شرق إيران.

في هذه البيئة نشأ الإسلام كحركة سياسية ودينية في شبه الجزيرة العربية. لقد تأثرت المعتقدات الإسلامية بالثقافة السيريانية غير الأورثوذوكسية والطوائف المسيحية الأخرى في منطقة بلاد الشام والرافدين. لقد كان عرب مكة على علم بالصراع في اليمن بين الساسانيين والأكسوميين (إمبراطورية أثيوبيا ). كما عرفوا بانسحاب البيزنطيين من سوريا ومصر. إن صعود النبي محمد كزعيم للمجتمع الإسلامي يتناسب مع صعود فكرة الإنسان المقدس في فترة أواخر العصور القديمة. لم يكن بأي حال من الأحوال النبي العربي الوحيد الذي يبشر بنسخة "صافية" من الدين الإبراهيمي، الذي لا يتميز عن اليهودية الربانية أو المسيحية. لقد كانت دعوات معظم الأنبياء في ذلك الوقت مستوحاة من مختلف الحركات داخل اليهودية مع امتزاجها بالحركات المختلفة الغنوصية التي كانت شائعة في غرب آسيا. إن فكرة الرجل النبي المقدس الذي يختفي في الصحراء للتأمل يظهر في حياة الراهب المسيحي، القديس أنطونيوس الكبير، والذي كان قد جاب صحراء مصر قبل قرون. كان الأنبياء العرب المذكورين في النصوص الإسلامية ميزةً أساسيةً من ميزات تلك المنطقة ونقطة التركيز للحركات الاجتماعية التي أرادت كسر الاختناق الجغرافي والسياسي الناجم عن صراع الساسانيين مع الأكسوميين والبيزنطيين. استخدم الساسانييون نفوذهم في ذلك الوقت لفتح طرق للتجارة مع سوريا الرومانية وتأمين وصولهم إلى البحر الأحمر والتجارة في المحيط الهندي، مما يقلل من حظوظ التجار العرب. لقد سيطر الساسانييون على نجران البلدة الحدودية اليمنية التي كانت نقطة الاتصال الرئيسية لتجار مكة ويثرب مع ثروات اليمن الحميري. وبسقوط مملكة حمير في أوائل القرن السادس، ونشوب الخلافات الداخلية في اليمن وانقطاع التجارة السورية بالحرب، تلاشى كذلك الازدهار النسبي الذي حققه البدو (سكان مكة والمدينة). وربما حاول الساسانييون الذين يسيطرون على جدة بعد أن قطعوا الاتصالات البيزنطية الأكسومية أن يفرضوا حاكماً على مكة، رغم صعوبة الأمر. ليس من المستغرب أن أول علاقة خارجية للمجتمع الجديد من المسلمين كانت مع الملك الأكسومي (النجاشي) لقد كانوا يبحثون عن حليف جديد.

 

لقد كانت الإمبراطورية الساسانية في توسع. وازدادات تكلفة الحرب مع البيزنطيين وكانت مهمة إدارة الأراضي الجديدة أمراً من الصعوبة بمكان. إلا أنه وفي الوقت نفسه فقد ساعد الازدهار الاقتصادي الأخير الناجم عن الإصلاح الزراعي في تمويل الحرب والتوسع. وقد سمح كافاد وخسرو لمالكي الأراضي الصغار بالتحول لانتاج المحاصيل النقدية مثل القطن وقصب السكر مما أدى لتوفير العمالة اللازمة وبالتالي إلى زيادة الثروة. وكان اكتساب الأراضي واستخدامها في زيادة الانتاج سمة بارزة من سمات الاقتصاد الساساني في سنينه الأخيرة. وقد ساعد الطفرة الاقتصادية في معالجة الفقر الذي خلفته أجيال التعويضات للهفثاليين في السابق. لم تكن الإدارة الساسانية متعودة على هذا المعدل الهائل من النمو وغير مجهزة للتعامل مع التوسع غير المسبوق في رأس المال والأرض والعمل. ولم تتمكن البيروقراطية الساسانية من السيطرة على إمبراطوريتها الخاصة التي تجاوزت قدرتها على الإدارة.

كانت إحدى نتائج النمو الاقتصادي هي ضرورة استيعاب الأراضي والقوى العاملة من خارج حدود الإمبراطورية. إن الغزو المستمر لسوريا ونقل أعداد كبيرة من سكانها إلى الإمبراطورية الساسانية، الأمر الذي كان يفضلة الملوك من شابور الثاني إلى خسرو الأول أي من القرن الثالث إلى القرن السابع، لم يعد فعالاً. إن سوريا والتي تعد امتداداً طبيعياً لبلاد الرافدين يجب أن تكون متحدة معها، الأمر الذي حاول خسرو الثاني تحقيقه.

أدت الحملات الناجحة للإمبراطور الروماني هيراكليوس إلى هزيمة خسرو الثاني عام 628. وأزيح عن العرش على يد ابنه كافاد بالتعاون مع النبلاء وقُدم للمحاكمة. في الواقع لقد انتهت السلالة الساسانية مع تنفيذ حكم الإعدام على خسرو الثاني عام 628 في إحدى الوقائع القليلة لإعدام الملوك عبر التاريخ. استمر عهد خلفائه كافاد الثاني وابنه أردشير الثالث أقل من عامين.

كان لانتصار هيراكليوس عواقب مباشرة قليلة. استعادت بيزنطة الأناضول وكذلك السيطرة الإسمية على سوريا ومصر أيضاً. ولكن بحلول عام 636 أي بعد ثمان سنوات فقط من زوال خسرو الثاني هُزمت القوات البيزنطية في معركة اليرموك، بالقرب من الحدود الحديثة بين سوريا والأردن وإسرائيل على يد الجيش الإسلامي المتقدم. في العام التالي وقعت معركة القادسية في جنوب غرب الرافدين. كانتا كلتاهما معركتان صغيرتان ولكن المؤرخين مجدوهما لاحقاً، على كل حال كانت تلك أولى الخطوات الناجحة في المسيرة الطويلة للجيوش المسلمة.

لقد تضرر السكان المحليون من العنف الممارس بيد البيزنطيين والساسانيين منذ فترة طويلة وكانوا بالتالي أكثر ترحيباً بالجيوش القادمة مثل الجيش الإسلامي، والذي عرض على الأقل قبول دفع الجزية بديلاً للغزو على مدن مثل الحيرة التي فتحت أبوابها سلمياً. وكان على الآخرين الذين حاصرتهم القوات الإمبراطورية أن يقاتلوا ولكنهم أصبحوا في النهاية جزءاً من النظام الجديد. من الناحية الاقتصادية اتحدت سوريا وبلاد الرافدين أخيراً وبقيتا كذلك لعقدة قرون. تحت حكم العرب وجدت المنطقة أخيراً إدارة قوية قادرة على حكمها وتولي شؤونها.

 

جلب الوافدون الجدد دينهم معهم، والذي يشبه إلى حد بعيد المعتقدات المسيحية واليهودية والمعارف المحلية. ربما بدا المسلمون الأوائل مثل أي طائفة مسيحية أو يهودية أخرى الأمر الذي يظهر في النصوص السريانية والأرمنية. هناك إشارات قليلة للإسلام في المصادر المعاصرة القليلة، ويبدو أن خليفتهم "أمير المؤمنين" كان بنظر الأرمن والمسيحيين السريان هو "ملك العرب".

ومهما كان الأمر في البداية فإن أطماع الوافدين الجدد بثروات بلاد الرافدين وسوريا ووجهت بالمقاومة. لقد بذل الدهاقنة "النبلاء من السكان المحليين" الكثير من الجهد لمنع العرب من الاستيلاء على أراضيهم. لقد نجحوا لأن العرب وخاصة أولئك المرتبطين بالأسرة الأموية كانوا يحاولون السيطرة على الأراضي الحدودية في الصحاري أو المستنقعات في جنوب بلاد الرافدين في خوزستان. لقد ازدهر الاقتصاد في منطقة سوريا وبلاد الرافدين في أواخر العصور القديمة في ظل الإدارة الجديدة إلا أنه وجد وقتاً أقل لأولئك الذين أتوا لتنفيذها.

أدركت الإدارة الإسلامية الجديدة أن الجزيرة العربية لم تكن مكاناً مناسباً لإدارة الدولة. وسرعان ما انتقلوا إلى الأراضي الجديدة وكانوا في البداية يقيمون في مخيم الكوفة خارج جدران الحيرة مباشرة. وسرعان ما انتقلوا منها إلى دمشق.

كان من الضروري تأمين المؤن لمدن البصرة والكوفة التي تُعتبر حاميات وتضم العديد من الوافدين الجدد وكذلك السكان المحليين الذين يريدون الوصول إلى مراكز القوة في السلطة الجديدة. لقد مُلئت الخزائن الإدارية للكوفة من ضرائب دينوار في أقصى غرب الهضبة الإيرانية. وكلفت نهاوند بذات المهمة بالنسبة للبصرة.

اعتمدت الإدارة الجديدة على النظام القديم الراسخ الذي أسسه كافاد وخسرو الأول، بل إنها أصدرت نقوداً مكتوبة باللغة الفارسية الوسطى. واتخذت نفس الإجراءات في سوريا. بعد المرحلة الأولى من الغزو وتأمين الحدود الشرقية لبلاد الرافدين ضد يزجرد الثالث استقرت المملكة الجديدة.

 

اضطر الملك الساساني يزدجرد الثالث للتخلي عن العاصمة الساسانية في كتسيفون بالقرب من بغداد. وهو من فرع صغير من الأسرة الساسانية وفاز بلقب الملك بعد أن كان جميع أقرباء خسرو الثاني إما قُتلوا أو أعدموا. ويبدو أنه عاش في جنوب الهضبة الإيرانية. وانسحب من هناك بعد غزو بلاد الرافدين ونادى بين رعاياه للمساعدة. وجند جيشاً لمواجهة المسلمين في معركة ثانية في نهاوند عام 642. بهزيمته الساحقة أمن المسلمون الوضع في بلاد الرافدين وخوزستان وماه (المرتفعات الغربية من الهضبة الإيرانية). لم تكن الهزيمة في القادسية أو نهاوند حاسمة ونهائية للحكم الساساني على معظم الأراضي شرق بلاد الرافدين، ولم تكن تشكل ممراً آمناً للمشي نحو الهند. على مدى أكثر من عقد تعايشت الدولة الساسانية مع المسلمين في بلاد الرافدين وسوريا. حتى بعد وفاة يزدجرد الثالث على أيدي حلفائه فقد استغرق الأمر أكثر من سبعين عاماً لاحتلال بقية الأراضي الساسانية، لم يكن النصر سهلاً.

 

لم يكن التحول سهلاً كذلك. لم يجد السكان الأصليون الذين ينتمون إلى المسيحية واليهودية والناطقين بالأرمنية سبباً لاعتناق دين الوافدين الجدد الذي ربما كانت لديهم فكرة بسيطة عن الفرق بين دينهم ودين هؤلاء. كلاهما يؤمن بإله واحد ويصلي على حد سواء ويشتركون بنفس القصص التعبدية من إبراهيم إلى يوسف إلى موسى وداوود وسليمان حتى عيسى.

ومع نضوج الإدارة فقد نضت الإيديولوجيا كذلك. لقد مهد الخلفاء الراشدون الأربعة الطريق للخلافة الأموية عام 661 والتي أدركت مثل كل الإمبراطوريات الناجحة ضرورة تبني أيديولوجيا واضحة. كانت القومية العربية أو القَبلية العربية هي الخيار الأكثر وضوحاً والذي اعتمده الأمويون بكل إخلاص. لقد كانت هناك فوائد في تعريف دينهم. لأن عملية توضيح الدين وتمييزه وجعله أيديولوجيا الدولة المعتمدة كان يوفر في مرحلة أواخر العصور القديمة للدولة القدرة على فرض ضرائب على تلك الجماعات التي لا تنتمي لهذا الدين.

 

إن الوصول إلى السلطة أصبح يعني تبني العروبة والإسلام. وفي الأجيال الثانية والثالثة من العرب الغزاة أصبح السيف والحصان والغزو أقل جاذبية من تولي المناصب لإدارة ما غزته الأجيال السابقة. اعتنقت النخبة الساسانية الإيديولجيا الجديدة واكتسبت مناصب من ذلك. أصبح العديد منهم مترجمين لعقيدة الدين الجديد. وشجعوا على قبول الأيديولوجيا الجديدة باعتبارها العلامة الوحيدة على العضوية الاجتماعية وأصبحت اللغة الفارسية إلى جانب العربية مقبولة كلغة ثانية للإسلام. أصبح بعض أطفال النخبة المهزومة سلطات دينية في المجتمع الجديد، وذلك باستخدام الفارسية لتحويل بقية السكان. ساروا جنباً إلى جنب مع الجيوش الكبيرة كجزء من الإدارة الموسعة واستخدموا نسختهم الخاصة من الفارسية وهي صيغة مبسطة تقريباً من اللغة بدلاً من اللغة الفارسية الوسطى التي كانت سائدة في العهد الساساني استخدموها لنشر الأيديولوجيا الجديدة. وكما في سوريا حيث تحدث العربية واعتناق الإسلام يفتح للمرء الأبواب كذلك في مناطق الإمبراطورية الساسانية سابقاً كان تحدث الفارسية واعتناق الإسلام وسيلة للوصول إلى السلطة.

تنحت اللغات المحلية البارثية والباكترية والسوجدانية والخوارزمية جانباً وأصبحت لهجات منطوقة بين السكان الريفيين غير المسلمين. استغرقت عملية تبني اللغة الفارسية الجديدة الأيديولجيا الجديدة وقتاً بين النخبة الحضرية. لقد بقي النظام الكتابي أحياناً لعدة أجيال معتمداً على اللغة الفارسية الوسطى والباكترية والسوجدانية وذلك لإدارة الشؤون المحلية. كانت اللغة العربية تستخدم لإبقاء السلطات المركزية في دمشق والكوفة على اطلاع ولكن وببطء حاولت اللغة الفارسية تبني الخط البهلوي أو العبري ولكنها في النهاية اعتمدت الخط العربي. استغرق الأمر قرابة القرنين من الزمان لغالبية سكان الأراضي الساسانية السابقة ليصبحوا مسلمين. كما استغرق الأمر قرنين إلى ثلاثة قرون لكي تظهر اللغة الفارسية الجديدة كلغة مكتوبة لتحل محل اللغة العربية كلغة إدارية في العديد من الأراضي التي كانت سابقاً تحت حكم الساسانيين. لقد صارت اللغة الفارسية اللغة المهيمنة في الشرق قبل أن يولد الشاعر فيردوزي بوقت طويل. فبدلاً من النظر لأدبه على أنه محاولة يائسة لإنقاذ لغة جماعة مضطهدة فقد كان أدبه الناضج القوي يمثل النجاح المظفر لفئة جديدة من الأدباء وذروة للغة الجديدة.

لقد كان انتشار الإسلام في الأراضي الساسانية السابقة عملية تدريجية للتغيير الاقتصادي والثقافي والسياسي. بالإضافة إلى أن رفض فكرة النظر إلى انتهاء حكم الأسرة الساسانية على أنه فشل وطني، يعطينا القدرة على النظر وفهم العملية التي أُزيلت بها الإدارة الساسانية، والتي أصبحت غير مناسبة لحكم أراضيها، ولم يحل محلها النظام الجديد إلا تدريجياً والذي ثبت أنه ليس إلا نسخة معدلة من نظام الإدارة الساساني في معظم الجوانب. فقط بهذه الطريقة تصبح أواخر العصور القديمة مفتاحاً تاريخياً لدخول العصور الوسطى الإسلامية.

 

---------------------------

الكاتب:

Khodadad Rezakhani: باحث مشارك في مركز شارمن وبيجان موسافار رحماني لدراسات منطقة إيران والخليج العربي في جامعة برينستون

علِّق

المنشورات: 106
القراءات: 1035840

مقالات المترجم