No votes yet
عدد القراءات: 3412

استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية الأساسية: القضاء على داعش والقاعدة

الكاتب الأصلي: 
ISW institute for the study of war
تاريخ النشر: 
27 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

تعريف بالمشكلة

- تحارب الولايات المتحدة حرباً خاطئة في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي تستغل فيه داعش والقاعدة ثورة التجمعات السكنية تشن الولايات المتحدة حربها ضدهما بالوكالة. هزيمة هذه المجموعات تتطلب من الولايات المتحدة مواكبة ودعم هذه الثورات من خلال شركاء مقبولين وقادرين على البقاء في المجتمعات السنية العربية في كل من سوريا والعراق.

- إن استراتيجية الولايات المتحدة الحالية تزيد من قوة القاعدة، التي لديها جيش في سوريا، مستعدٌ لكي يحل محل داعش مستغلاً ضعف التجمعات السنية العربية. لقد أجلت الولايات المتحدة مسألة هزيمة القاعدة ريثما تنتهي من داعش. لكن تنظيم القاعدة يعيد ترتيب صفوفه في شمال غرب سوريا بعد الانسحاب من حلب ويستعدّ لشن هجوم مضاد في سوريا كما أنه يعيد ترتيب قواته في العراق في نفس الوقت.

- إن العمليات العسكرية الأمريكية تعيق شركاء الولايات المتحدة المحليين في عملياتها ضد أقوى نقاط التمركز الدفاعي، وتحد بذلك من قدرات الولايات المتحدة المتفوقة. يمكن للولايات المتحدة ويجب عليها العمل في الخط الخلفي للعدو، بينما تهاجم الخطوط الأمامية في نفس الوقت وذلك لتشتيت دفاعات الخصم وجعله يجابه معضلات لا يستطيع الاستجابة لها على النحو الملائم.

- يرى العرب السنة أن الولايات المتحدة متواطئة مع حلف روسي إيراني بل ومتورطة في جرائمهم الفظيعة.

- يجب على الولايات المتحدة أن تستعيد المبادرة وتقود الاستراتيجية المتعددة الجنسيات. لا يوجد لاعب إقليمي قادر أو لديه الرغبة لكي يطور ويدرب العرب السنة المعتدلين ويقودهم لهزيمة داعش والقاعدة. تدعم تركيا تنظيم أحرار الشام المخترق من القاعدة. المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة متورطتان في اليمن وقد تخلتا عن فكرة إنشاء مقاومة معتدلة في سوريا. يواجه الأردن تهديداً سلفياً جهادياً كبيراً ولديه شح في الموارد في نفس الوقت.

- يجب على الولايات المتحدة أن تخفف من حدة النزاع التركي الكردي في سوريا لكي تحصل على النفوذ لدى كلا الطرفين. إن الأهداف السياسية لكرد سوريا تهدد المصالح الأمريكية. يجب على الولايات المتحدة وقف تقدم هذه القوات بعد أن أمنت سد الطبقة واعتباره الحدود الطبيعية لقوات سوريا الديمقراطية.

- تنكر روسيا وإيران على الولايات المتحدة حرية العمل في سوريا والبحر المتوسط، ويمكنهما تهديد ثلاثة من أصل سبعة من أهم المضائق البحرية في العالم وهي قناة السويس ومضيق هرمز ومضيق باب المندب في خلال السنوات الخمس المقبلة.

- من المرجح أن يندلع نزاع كبير بين الولايات المتحدة وإيران في السنوات الخمس المقبلة. لقد طورت إيران تحالفاً فعالاً ونشطاً وقابلاً للتنفيذ بيد وكلائها وذلك بمساعدة روسيا، الأمر الذي سيؤدي إلى إبطال مخططات الولايات المتحدة. كما تسعى إيران أيضاً إلى رفع قدراتها التقليدية. سوف تقاوم الضغوط الأمريكية في القضايا غير النووية وستقاوم جهود السيطرة على قوات الحشد الشعبي في العراق، وتزيد نفوذها في الخليج العربي والبحر الأحمر وفي أماكن أخرى مستخدمة قواتها الخاصة أو الميليشيات الموالية لها.

- يجب على الولايات المتحدة الأمريكية وضع خطة لتحقيق المصالح الأمريكية مع وضعها في الاعتبار قلة أو انعدام إمكانية التمركز في العراق. حيث تعتزم إيران وحلفاؤها العراقيون استغلال انتخابات 2018 لاستبدال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بمرشح مؤيد لإيران والذي من المرجح أن يطلب انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف من العراق أو الحد من عملياتهم العسكرية إلى ما دون المستويات المطلوبة لهزيمة داعش وغيرها من الجهاديين.

 

المفهوم العملي: المهمة

يمكن للولايات المتحدة وبوجود شركاء مناسبين ومستعدين أن تسيطر وتؤمن قاعدة للعمليات في جنوب شرق سوريا من أجل زيادة حرية العمل في المنطقة، وتقوم بدعم شريك سوري سني عربي تستطيع من خلاله السيطرة على التجمعات العربية السنية وتساعده على هزيمة داعش والقاعدة ومنعهم من إعادة ترتيب صفوفهم وتساعد في النهاية على إعادة توطين اللاجئين السوريين.

 

مسار العمل المقترح:

أ- المرحلة الأولى في حملة متعددة المراحل.

تسيطر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها المقبولون على قاعدة في جنوب شرق سوريا مثل البوكمال مثلاً ويخلقون منطقة آمنة بحكم الأمر الواقع. من هناك يبدؤون بتجنيد وتدريب وتجهيز المقاتلين وبناء شراكة مع القوى العربية السنية المحلية المعادية لداعش، ويبدؤون بالتجهيز لشن هجوم ضد داعش. إن هذه القوى العربية السنية المحلية المستقلة تشكل أساس الحركة لتدمير داعش والقاعدة في سوريا والعراق على مدى سنوات عديدة. يجب أن يكون بناء الشريك العربي السني المناهض لتنظيم داعش هو المقياس الذي يقيس التقدم المنجز في وادي نهر الفرات. يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تقاتل جنباً إلى جنب مع شركائها للحد من ضعف الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها السنة المحتَملين. يجب أن لا يكون هؤلاء الشركاء المتحتَملون داعمين للسلفية الجهادية أو الميليشيات الإيرانية أو الأكراد الانفصاليين.

إن عملية في جنوب شرق سوريا بدلاً من الرقة ستكون مفيدةً لأنها:

1- ستحد من التصعيد مع روسيا ونظام الأسد على المدى القريب لأنها ستركز على الجغرافيا غير الحرجة لأي منها.

2- إنشاء موضع قوة للولايات المتحدة في منطقة أخرى مستقلة عن الحلفاء الحاليين.

3- تمكن الولايات المتحدة من تخفيض حدة النزاع التركي الكردي.

4- التخفيف من خطر فقدان امتيازات القاعدة الأمريكية في العراق.

5- تهيئ الظروف للانتصار في المعركة ضد داعش في المدن التي يسيطر عليها وذلك لأنها تمكن الولايات المتحدة من استهداف الخطوط الخلفية لداعش.

6- تمكن الولايات المتحدة من المنافسة على الشرعية في المدن والمناطق العربية السنية.

7- تحد من تهديد داعش للأردن.

 

ب- المرحلة التالية

- تطلق الولايات المتحدة عملية تطهير على طول وادي نهر الفرات باتجاه الرقة تشنها القوات الأمريكية والشريك العربي السني في مدينة البوكمال وفي محافظة الأنبار العراقية.

- تتوسط الولايات المتحدة في اتفاق سلام بين تركيا وأكراد سوريا (وحدات حماية الشعب)، مركزةً على خطوط الإمداد في محافظة حلب.

- تفرض الولايات المتحدة منطقة حظر جوي في محافظة درعا، مما يظهر التزام الولايات المتحدة بمعالجة مظالم السكان الخاضعين لسيطرة الجماعات الجهادية، كما يسهل تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية مع روسيا بين القوات الموالية لنظام الأسد من جهة وقوات المعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة من جهة أخرى. يجب على الولايات المتحدة أيضاً مساعدة حلفائها في درعا على هزيمة وتدمير داعش والقاعدة، الأمر الذي سيساعد في التوصل إلى حل سلمي للأزمة السورية. يجب على الولايات المتحدة تنفيذ هذه الخطوة بعد المرحلة الأولى بالتزامن مع إطلاق عملية التطهير في جنوب شرق سوريا.

- يجب على الولايات المتحدة أن تحاول الجمع بين هذه القوة الجديدة والمقاتلين المدعومين حالياً من قبلها، وذلك من أجل إنشاء شريك واحد قادر على تأمين المناطق من هجمات الجهاديين والدفاع ضد هجمات القوات الموالية للأسد ودعم التسوية ضد نظام الأسد.

 

هذه العملية متعددة الخطوات يمكنها تأمين مصالح واسعة للولايات المتحدة الأمريكية ولكنها لا تحقق هذه المصالح. وستكون المراحل اللاحقة ضرورية وستتطلب عنصراً هاماً معادياً لإيران في العراق وسوريا. مسار العمل هذا هو الخطوة الأولى في الحملة الأولية من أجل تحقيق أهداف الولايات المتحدة الشاملة. إنه هجوم مضاد محدود يستهدف استعادة حرية العمل الأمريكية ويقلل من تراجع الولايات المتحدة ويهيئ الظروف لعكس اتجاه التراجع وتحويله نحو النصر.

 

أدوات تقدم الولايات المتحدة في سوريا: اقتراح مسار عمل

تقديم

تقاتل الولايات المتحدة في حرب خاطئة وتخسرها أيضاً.

لا تزال الولايات المتحدة تشن حربها بالوكالة ضد أعدائها من الجهاديين في المناطق ذات الكثافة السكانية. من المرجح أن يستعيد حلفاء الولايات المتحدة السيطرة على الموصل من الدولة الإسلامية في العراق والشام. وقد يتمكن الحلفاء الآخرون من استعادة الرقة في سوريا. ولكن السؤال يبقى ماذا بعد؟ فالدولة الإسلامية لديها قواعد أخرى في العراق وسوريا. لقد هزمت القاعدة المعارضة المعتدلة في شمالي غربي سوريا وتستعد لأخذ المبادرة في المناطق التي تنسحب منها الدولة الإسلامية (داعش). عززت إيران قبضتها في كل من العراق وسوريا. سيثبت الانتصار في الرقة والموصل أنه ليس مؤقتاً فحسب بل له نتائج عكسية.

ومع ذلك تفكر الولايات المتحدة بالإبقاء على هذا النهج. فقد أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إدارته بوضع خطة جديدة لهزيمة داعش. إلا أن تقارير وزارة الدفاع وصلت إلى البيت الأبيض تحمل استراتيجية تبدو أنها تتبنى خطة الإدارة السابقة مع إجراء بعض التعديلات.

إن الخيارات التي وضعتها الإدارة الجديدة ستسرع من هزيمة الولايات المتحدة من خلال تعزيزها القوى التي تهددها. إن توصيات وزارة الدفاع لا تتعارض مع الافتراضات الأساسية التي وضعها الرئيس أوباما وإدارته السابقة. ستبقى الاستراتيجية في العراق كما هي.

والخيارات "الجديدة" في سوريا يبدو أنها ضمن نطاقين:

1- إما توسيع استراتيجية أوباما في سوريا من خلال رفع القيود على القوات الأمريكية هناك ومدها بالقليل من الموارد

2- أو "تقسيم" سوريا.

يفترض النهج الأول ضمناً أن استراتيجية أوباما كانت صحيحة ولكنها عانت من نقص في الموارد وبعض القيود المفرطة. والثاني يفترض أن هناك تقسيماً في سوريا يمكن أن يستقر بشكل معقول ويتفق مع المصالح الأمريكية. ويهدف إلى تسريع ما يعتقد أنصار هذا النهج أنه النتيجة الحتمية لمسار الأحداث. ليس أي افتراض لأي من النهجين صحيحاً.

إن تعزيز الاستراتيجية الحالية مصيره الفشل. يجب على الرئيس ترامب وإدارته تغيير الاستراتيجية تماماً. يجب أن تدور الاستراتيجية حول المصالح الأمريكية وليس حول ما كانت تفعله الولايات المتحدة سابقاً. يجب أن تتخلى عن المبادئ الخاطئة التي بُني عليها نهج أوباما الفاشل.

 

مبادئ الاستراتيجية الحالية

المبادئ الخاطئة وراء استراتيجية الولايات المتحدة الحالية هي:

- داعش هي الخطر الأكبر على الأمن القومي للولايات المتحدة

- ستنهار داعش عندما يستعيد حلفاء الولايات المتحدة كلاً من الرقة والموصل

- يجب على الولايات المتحدة دعم حلفائها فقط في حربهم ضد داعش.

- يجب على الولايات المتحدة أن تتفق مؤقتاً مع روسيا وإيران لهزيمة داعش.

- يجب أن تتصرف الولايات المتحدة فقط من خلال الضربات الجوية والميليشيات الموالية.

- يمكن للولايات المتحدة أن تتولى أمر القاعدة من خلال استهدافها لقياداتها.

- يمكن للولايات المتحدة أن تعتمد على الآخرين من أجل حل مشاكل العراق السياسية.

 

- لقد تطورت داعش

تُعتبر داعش في الحقيقة تهديداً خطيراً للولايات المتحدة. إن سيطرتها على الأراضي والسكان أتاح لها من الموارد والقدرات ما يتجاوز بكثير ما كان لدى أي منظمة إرهابية سابقة. إن إتقانها للتكنولوجيا الحديثة لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي أعطاها وصولاً غير مسبوق إلى قلب المجتمعات الغربية حيث نفذت العديد من الهجمات وكانت على وشك تدمير الدولة العراقية. إن أهدافها هي تدمير جميع الدول الإسلامية والاستيلاء على السلطة فيها ومهاجمة الولايات المتحدة والغرب واستبدال النظام الدولي الحالي في نهاية المطاف.

لم تواكب الإدارة الأمريكية السابقة تلك التطورات التي طرأت على داعش. إن تنظيم داعش في عام 2017 هو عدو مختلف عما كان عليه في عام 2014 ولكن استراتيجية الولايات المتحدة ظلت جامدة عند ذلك التاريخ. لو ساعدت الولايات المتحدة العراقيين والسوريين على استعادة الموصل والرقة في عام 2014 لربما انهار تنظيم داعش. أما استعادة السيطرة على هذه المدن بعد ثلاث سنوات ودون وجود خطة مستعدة لما سيأتي لن يكون له نفس النتائج.

لقد أمضت داعش حتى الآن ثلاث سنوات في تحصين هذه المدن. كما أنها الآن مستعدة لتحمل خسارة هذه المناطق الهامة ونجاتها بعد ذلك. لقد وجهت الولايات المتحدة القوات التي تدعمها نحو مهاجمة اثنين من أقوى خطوط الدفاع لدى العدو. ما زالت داعش تسيطر على الأراضي في كلا الدولتين. والأهم من ذلك أنها ستستمر بالحفاظ على قدرتها في اختراق المجتمعات العربية السنية الواقعة تحت الحصار حتى بعد سقوط أكبر قواعدها ودفاعاتها.

تعمل داعش أيضاً على تصدير رؤيتها لمسألة الخلافة إلى فروع خارجية وتحويل أيديولوجيتها عن الخلافة من مجتمع مادي إلى مجتمع افتراضي منظم يعمل على نقل أهداف داعش بشكل مستقل عن المنظمة. إن هزيمة داعش في سوريا والعراق قد لا تكون كافية لهزيمة تنظيم داعش العالمي.

 

- القاعدة: الخطر الأكبر

تستهدف كل من القاعدة وداعش الولايات المتحدة وحلفاءها وشركاءها. إنهم يعملون على هدم الدولة القومية وحشد الثورة السنية العالمية، وحقن الفكر الإسلامي المتطرف في مجتمعات الشرق الأوسط والعالم بما في ذلك المجتمعات الغربية.

إلا أن القاعدة مع ذلك تبقى أشد خطراً من داعش. صحيح أن كلاً من القاعدة وداعش تتشاركان نفس الأهداف بما في ذلك مهاجمة الغرب وتدميره. ولكن بينما زعماء داعش متغطرسون ووحشيون فإن زعماء القاعدة في المقابل متطورون ويجيدون التحكم وضبط النفس. كما أن لديها شبكة عالمية راسخة تضيف مرونة إلى تنظيم القاعدة من خلال توفير اتصال أفقي بين القاعدة وفروعها وتمكن التنظيم من زيادة الموارد استجابة للظروف المحلية. لا تزال داعش تسعى إلى تطوير هذه الشبكة. لقد حشد تنظيم القاعدة جيشاً في شمال سوريا مستغلاً ضعف السكان السنة ويستعد للاستفادة من نكسات داعش في ساحة المعركة.

لقد تكيف تنظيم القاعدة مع سياسة الولايات المتحدة أفضل من داعش. فقد تعلم أيمن الظواهري ومساعدوه في جميع أنحاء العالم كيفية تسخير المظالم لتحفيز السكان على التمرد. لقد تجنبوا إلى حد كبير شن هجمات مخططة وموجهة ضد الغرب منذ بدء التحالف العالمي لمكافحة داعش عام 2014. بدلاً من ذلك ركزت القاعدة مواردها على تحسين صورتها داخل المجتمعات السنية الثائرة باستخدام المظالم الشعبية. تساعد القاعدة في خلق الثورات وتغير طابعها تدريجياً مع مواصلة بناء القدرات التي يمكن استخدامها ضد الغرب مستقبلاً.

لقد تعلمت القاعدة أن فرض تفسيرها المتطرف للشريعة الإسلامية على السكان المحليين من شأنه أن يُنفر الحلفاء الذين تحتاجهم، لذلك فهي تتسلل تدريجياً حتى تتمكن من فرض هذا الجزء من أيديولوجيتها بعد أن تكون قد حظيت بدعم السكان المحليين. تُنفذ القاعدة خطتها الآن في شمالي غربي سوريا ما يُنذر بنجاح هذه الخطة.

لقد تعلم قادة تنظيم القاعدة بحكم التجربة أن السيطرة والتحكم قبل الأوان يأتي بنتائج عكسية. حيث أنه يكلف الكثير من المال ويرفع من توقعات السكان المحليين بما يتجاوز إمكانيات التنظيم ويستدعي الهجوم المضاد من الدول المجاورة التي يدعمها الغرب. بدلاً من ذلك تُشجع المنظمات الإنسانية على تقديم المساعدات ثم تفرض الضرائب عليها.

يبدو تنظيم القاعدة الآن أقل خطراً من داعش لأنه يُخفي طبيعته الحقيقية وأهدافه. خلافها مع داعش هو على التوقيت والآلية وليس على استهداف الدولة أو العمل على إنهائها.

لا تقتصر الحركة الجهادية العالمية على جماعات معزولة وناشطين يخططون ويشنون الهجمات. تستعد القاعدة لضبط السيطرة على الحركة السلفية الجهادية العالمية بعد هزيمة داعش. وتساعد استراتيجية الولايات المتحدة القاعدةَ في مسعاها عندما تُركز على داعش.

 

- مضاعفة الرهان على الفشل

لقد فرضت إدارة أوباما قيوداً شديدة على العمليات الأمريكية ضد داعش في العراق وسوريا حتى ضمن سياق نهجها الاستراتيجي الخاطئ. على سبيل المثال فرضت قيوداً على الضربات الجوية الأمريكية التي تنتهك القانون الإنساني الدولي. وقد خففت تلك القيود تلبيةً لحاجة الجنود الأمريكيين عندما بدأ العدو في التغلب على القوات التي تدعمها الولايات المتحدة في الموصل. وحتى عند ذلك استمرت في تقييد الاستهداف بشكل مفرط.

لقد تجنبت إرسال أي جنود أمريكيين إلى العراق وسوريا لأطول فترة ممكنة، ثم أرسلت بعد ذلك حزماً صغيرةً من القوات مما زاد مشاركة الأمريكيين في الحرب تدريجياً وبشكل غير ملموس تقريباً. وحتى بعد ذلك رفضت السماح بتواجد القوات الأمريكية على الخطوط الأمامية لمدة طويلة، مما يحد من قدرات هذه القوات على فهم تطورات الأوضاع ومساعدتها لشركائها.

لطالما ندد الجيش بهذه القيود. إن تركيز الجيش على رفع هذه القيود كأول خطوة للعمل هو أمر طبيعي. وبالتالي فالتوصيات التي سُربت من البنتاغون تؤكد على إعطاء الطيارين الأمريكيين حرية أكبر في ضرب مجموعة واسعة من الأهداف، مما يسمح للقوات الأمريكية بالاقتراب من المعارك الجارية، وبصفة عامة توفير المزيد من الموارد لمتابعة النهج المتبع نفسه لاستعادة السيطرة على الرقة والموصل من خلال القوات المدعومة من الولايات المتحدة.

يجب على الإدارة الأمريكية التخفيف من بعض هذه القيود، ولكن ذلك لا يكفي.، سيكون ذلك اتباعاً لاستراتيجية أوباما ذاتها مع بعض التعزيزات. المزيد من القوات لا يعني استراتيجية جديدة، ستفشل عملية توسيع استراتيجية أوباما لأن افتراضاتها بالأساس كانت خاطئة.

 

- مطاردة عقدة التهديد الخارجي

لقد حددت إدارة أوباما مشكلة تنظيم داعش والقاعدة بقدرة الجماعات ونواياها في شن عمليات قتالية على نطاق عالمي. ووصف الرئيس باراك أوباما تنظيم داعش بأنه "فريق هواة" ورفض اعتباره تهديداً للولايات المتحدة في مقابلة أجريت معه في كانون الثاني عام 2014. وأعلنت إدارته مراراً أنها لن تتصرف إلا ضد الجماعات التي تُشكل تهديداً "وشيكاً" للولايات المتحدة. لم يكن داعش يشكل مثل هذا التهديد حتى تمكن من تصدير قدراته المطورة محلياً إلى الخارج. ربما تكون القاعدة في سوريا أكثر فروع التنظيم قوة، ولكن قيادة تنظيم القاعدة لم تُشهر أسلحتها في وجه الولايات المتحدة بعد.

إن التركيز الأمريكي على "عقدة التهديد الخارجي" في غير محله، وحملة مكافحة الإرهاب التي تستهدف الخلايا الإرهابية الهجومية فقط يمكنها أن تتعامل مع التهديد لفترة محدودة. يعتمد كل من تنظيم داعش والقاعدة بشكل كبير على قاعدة دعم محلية لتسهيل عملياتهم. لقد أعلنت إدارة باراك أوباما عن عملية الرقة في ضوء وجود عقدة تهديد خارجي من تنظيم داعش وهي الفكرة التي تبنتها إدارة الرئيس دونالد ترامب. وكان التركيز السابق على منبج في سوريا يستند إلى القضاء على عقدة تهديد خارجي لتنظيم داعش والتي نقلها التنظيم بدوره قبل سقوط المدينة.

يجب على الولايات المتحدة أن تعترف بأن القضاء على القدرات الهجومية الخارجية يقلل مؤقتاً من التهديد الذي تشكله القاعدة وداعش. يمكن لهذه المجموعات أن تُعيد تشكيل عقد الهجوم الخارجية وستعيد تشكيلها مادام لديها من جهة قواعد دعم متينة من السكان المحليين المتضررين ومن جهة أخرى لديها القدرة على الحصول على الموارد. يجب أن تعمل الاستراتيجية الجديدة على إنهاء قدرات هذه المجموعات على إعادة بناء نفسها، مما يعني التركيز على القاعدة المحلية بالتوازي مع التركيز على العقد الهجومية الخارجية.

 

- روسيا وإيران تقوادن التطرف

جمعت إجراءات إدارة أوباما بين الشراكة مع طهران وموسكو. إن جرائم الحرب الصارخة التي ارتكبتها هذه الأنظمة في سوريا دفعت بالمجتمعات العربية السنية نحو التطرف مما جعلها فريسة سهلة لداعش والقاعدة. إن الشريحة السكانية الأهم المعول عليها في هزيمة السلفيين الجهاديين - المجتمع العربي السني- أصبحت تنظر الآن إلى الولايات المتحدة على أنها متواطئة مع حملة روسيا وإيران التي تهدف إلى تدميرها.

لقد أثبت التحالف الروسي الإيراني الذي سمحت به الولايات المتحدة ضرره بالعديد من الطرق. إن الحشد العسكري الروسي والإيراني ومحاولة السيطرة على النظام والموارد الإقليمية يقيد ويضعف قدرة الولايات المتحدة. تعمل روسيا وإيران على بناء نظام إقليمي يقوم على مصالحهما المشتركة على المدى القريب والتي لن تتغير في الوقت الحالي. إن هذا النظام الجديد يحرم الولايات المتحدة من حرية حماية مصالحها في المنطقة. كما أن هذا التحالف الروسي الإيراني سيجعل من الصعب على الولايات المتحدة الرد على التهديدات الإرهابية التي تستهدفها، والدفاع عن حلفائها الرئيسيين مثل إسرائيل، وضمان الوصول غير المقيد إلى الطرق التجارية التي يعتمد عليها الاقتصاد الأمريكي. تعمل روسيا على توسيع قواعدها العسكرية وانتشارها العسكري وتحسين قدرتها على شن العمليات العسكرية كما تقوم بنقل القدرات العسكرية إلى إيران. كما أن إيران تعمل على تثبيت أقدامها من خلال تنظيم ونشر ميليشيات مشتركة بين إيران وحلفائها، كما تعمل على تطوير القدرات العسكرية التقليدية وتثبيت برنامجها النووي.

كان لتوسع إيران أثارٌ جانبية أخرى في المنطقة. لقد عززت الطائفية وأضعفت الشراكة الأمريكية مع دول الخليج. حيث تلقي دول الخليج باللائمة على السياسات الأمريكية في المنطقة لا سيما الاتفاق النووي والتغاضي عن نظام الأسد بتغذية النفوذ الإيراني في المنطقة. لقد بذلوا جهودهم الخاصة من أجل الحد من النفوذ الإيراني، بما في ذلك دعم المزيد من العناصر المتشددة من المعارضة السورية.

 

- اعتماد الولايات المتحدة على تركيا والأكراد

لا تزال الولايات المتحدة تخسر نفوذها لصالح جهات فاعلة متعددة في سوريا. لقد زادت من اعتمادها على القوات التي تجابه داعش ولكن تلك القوات تجلب مشاكلها الخاصة معها. فقد جندت إدارة أوباما وحدات حماية الشعب الكردية YPG في حملتها ضد داعش في شمال سوريا. لقد أثبتت هذه القوات فاعليتها في طرد داعش من بعض المناطق. ولكنها مع ذلك لا تستطيع أن توفر الهيكل السياسي والأمني اللازم لجعل هذه المكاسب دائمة ومنع السلفيين الجهاديين من إعادة السيطرة.

إن لدى وحدات حماية الشعب رؤية سياسية طويلة الأجل من شأنها أن تخلق بيئة مناسبة لمجموعات مثل داعش والقاعدة. إن تجنيدهم للشباب من العرب السنة الذين يلتزمون بهذه الرؤية لا يحسن من فرص وحدات حماية الشعب. كما أن وحدات حماية الشعب مرتبطة بحزب العمال الكردستاني الذي هو بحسب التصنيف الأمريكي منظمةٌ إرهابيةٌ أجنبية تنفذ تمرداً ضد الحكومة التركية العضو في حلف الناتو والتي أصبحت أقل استجابةً للمصالح والمطالب الأمريكية. تنفذ وحدات حماية الشعب الرؤية الاشتراكية لحزب العمال الكردستاني في الحكم في أجزاء شمال سوريا التي تسيطر عليها والتي يرفضها معظم السوريين من المعارضة والموالاة معاً. تركيا أيضاً هي حليف غير مناسب لأن الرئيس رجب طيب أردوغان يدعم مجموعة أحرار الشام وهي مجموعة سلفية جهادية منحازة للقاعدة.

لا توجد دولة إقليمية أو مجموعة من الدول التي يمكنها تعبئة قوة عربية سنية مقبولة للولايات المتحدة وقادرة على هزيمة السلفيين الجهاديين. السعودية والإمارات مشغولتان في اليمن، والأردن ليس لديه العدد الكافي والمصريون نشروا بدورهم مجموعات محدودةً في سوريا نيابةً عن الروس والإيرانيين وليس الأمريكيين. يجب على استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة أن تعمل على إخراجها من هذا القفل المزدوج. فلا وحدات حماية الشعب ولا الأتراك هم الشركاء الحقيقيون.

 

- الحاجة إلى استراتيجية جديدة في العراق

يجب على إدارة الرئيس ترامب أن تضع استراتيجية جديدة في العراق أيضاً. فالولايات المتحدة تسابق الزمن لهزيمة داعش في الموصل قبل انهيار الأوضاع السياسية في بغداد، وهذه استراتيجية فاشلة وقصيرة النظر. لازال النجاح في العراق ممكناً ولكنه يتطلب من إدارة ترامب أن تضع في خطتها بعض الاعتبارات غير العسكرية، وأن تقبل بأن النصر العسكري الكبير ليس كافياً لتحقيق أهداف الأمن القومي على المدى الطويل.

يجب أن لا تتوقف العمليات القتالية الرئيسية بعد استعادة الموصل، حيث يجب على قوات الأمن العراقية أن تُحرر المدن التي في قبضة داعش في شمال وغرب العراق، وعليهم أن يواجهوا أيضاً احتمالية انبعاث داعش من جديد في المناطق التي سيطروا عليها. ستمر سنوات قبل أن تستطيع قوات الأمن العراقية أن تشن عمليات عسكرية كبيرة دون مساعدة حاسمة من الولايات المتحدة والتحالف. فقد بدأ التمرد السني لمرحلة ما بعد داعش بالظهور، وسيحاول تنظيم القاعدة وداعش استغلال هذا العنف السياسي. كما أن الميليشيات الموالية لإيران تسيطر على المناطق وتمنع إعادة اللاجئين. وقد بدأت فصائل كردية مختلفة بالاشتباك فيما بينها ومع حكومة بغداد. إن هذه الحروب بعد سقوط داعش يمكن أن تؤدي إلى إعادة خلق الظروف نفسها التي أدت إلى انبثاق نجم داعش. يجب على الولايات المتحدة الحفاظ على وجودها العسكري في العراق، وربما زيادته أيضاً حتى بعد استعادة الموصل وذلك لمنع تنظيم داعش من إعادة ترتيب صفوفه، ومحاولة منع الحروب الأهلية والعرقية والطائفية التي على وشك الاندلاع، وكذلك رفع قدرات قوات الأمن العراقية حتى تكون قادرة على تنفيذ عمليات حفظ الأمن ومكافحة التمرد على الأمد الطويل.

تحتاج الولايات المتحدة إلى حكومة عراقية صديقة في بغداد وذلك للحفاظ على وجودها العسكري هناك ومواصلة حربها ضد داعش. إن دعم رئيس الوزراء العراقي الصديق لأمريكا ليس استراتيجية سياسية. فالعبادي تحت نيران الفصائل السياسية العراقية المتنافسة والعناصر المؤيدة لإيران والتي تسعى لطرد الولايات المتحدة من المنطقة. ستنتهي ولاية العبادي بعد أربعة عشر شهراً. ومن غير الواضح ما إذا كان سيسعى إلى ولاية جديدة ولكن من غير المرجح أن يفوز بها حتى لو ترشح. ستتغير الظروف السياسية في العراق قريباً بشكل مفاجئ، والولايات المتحدة ليست مستعدة لتأمين مصالحها في هذه البيئة الجديدة. إن السيناريو الأكثر احتمالاً في العراق هو إعادة انتخاب رئيس الوزراء العراقي الطائفي السابق نوري المالكي في عام 2018 أو أي مرشح آخر موالٍ لإيران وسيأمر قوات الولايات المتحدة بالخروج من العراق قبل أن تكون تمكنت من تحقيق مصالح أمنها القومي.

تغير إيران أيضاً من سياستها تجاه العراق. لقد تقبلت إيران وجوداً عسكرياً أمريكياً في العراق في ظل إدارة أوباما عندما كانت داعش في أوج قوتها وكانت الإدارة الأمريكية سهلة المراس، ولكنها الآن تتحول بالفعل إلى موقف مناهض للوجود الأمريكي في العراق. يتضمن الاحتمال الأكثر خطورة سقوط حكومة البغدادي قبل 2018 وحرباً إيرانيةً مفتوحة ضد القوات الأمريكية في العراق. إن أياً من هذه السيناريوهات سيؤدي إلى تمردٍ السنة وحرمانهم من حقوقهم.

يجب على الولايات المتحدة أن تضع استراتيجيةً جديدة في إطار حملتها للقضاء على داعش في العراق من أجل منع حدوث هذه المضاعفات الخطيرة والتخفيف من هذه المخاطر السياسية الحقيقية. إن مسار العمل الموصى به لن يحل مشاكل الولايات المتحدة في العراق ولكنه يساعد على التماسك في حالة سقوط الحكومة العراقية. كما أن وضع خطة أمريكية منفصلة للانتصار في العراق هو أمر ضروري.

 

- المناطق السنية الحرجة

شنت الولايات المتحدة في المقام الأول حربها على الإرهاب عن طريق قوات بالوكالة في كل من سوريا والعراق. إلا أن هذه الحملة أغفلت إلى حد كبير التركيبة السكانية في المناطق التي ينشط فيها العدو: السكان العرب السنة. وقد مكن هذا النهج القوات المدعومة أمريكياً من السيطرة على المناطق في محيط ما يُسمى دولة الخلافة داعش إلا أنها لم تكن مجدية على المناطق الأساسية التي تسيطر عليها داعش أي على قلب المناطق السنية الأساسية في جنوب شرق سوريا وجنوب غرب العراق. ستبقى الجماعات الجهادية السلفية محتفظةً بالشرعية في نظر السكان العرب السنة حتى تُسهل الولايات المتحدة وشركاؤها ظهور هياكل سياسية وعسكرية ذات مصداقية مقبولة لدى هؤلاء السكان.

قد تتمكن الولايات المتحدة من تزويد القوات غير العربية بالقوة النارية الكافية من أجل طرد داعش إلا أن حلاً من هذا القبيل لن يدوم طويلاً. في الواقع سيسمح هذا الوضع للقاعدة بالتقدم إلى الأمام بصفتها مدافعاً شرعياً عن العرب السنة ضد أي تحالف خارجي يستهدف مناطقهم. إن فشل استراتيجية أوباما الرئيسي يكمن في تجاهله استراتيجيات تنظيم داعش والقاعدة السكانية وقدرتهما على استغلال الظروف الطائفية والسياسية لتحقيق مكاسب لصالحهم. لذلك فشلت استراتيجيته لهزيمة داعش في الجمع بين الجهود السياسية والعسكرية اللازمة لإنهاء الحرب من جهة ومصالح الأمن القومي الأمريكي من جهة أخرى.

يجب على الرئيس ترامب فتح الأفق وتوسيع وجهة نظر سلفه الضيقة. يجب على الولايات المتحدة أن تتصدى لاستراتيجية السلفيين الجهاديين في الترسخ داخل المجتمع السني وتسليحه. عليها أن تُساعد في خلق نظام سياسي أمني جديد يُدافع عنه المجتمع السني العربي ضد الجهاديين. إذا لم يحدث ذلك فإن أي نجاح في ساحة المعركة سيكون مؤقتاً في أحسن الأحوال وسينهار في نهاية الأمر مما سيجبر الولايات المتحدة على التدخل مرة أخرى من أجل منع تنظيم داعش أو القاعدة أو الجماعات التي ستخلفهم من إعادة بناء قواعد صلبة يستطيعون من خلالها تنظيم الهجمات وتنفيذها ضد الولايات المتحدة والغرب.

 

التقسيم

يُركز النهج الجديد الذي تجري مناقشته حالياً على تقسيم سوريا.  ويؤكد مؤيدوه على أن سوريا مقسمة بالفعل بحكم الأمر الواقع وأن على الولايات المتحدة أن تعترف بهذه الحقيقة وتوقف القتال من أجل إعادة إقامة حدود مصطنعة تعود إلى عهد الاستعمار.

يرتبط هذا النهج ارتباطاً وثيقاً بالمناطق الآمنة التي وعد الرئيس ترامب بإنشائها. إن الخطوط العريضة لهذه الفكرة ليست واضحة بعد، ولكن يبدو أن على الولايات المتحدة مساعدة وكلائها (أي الميليشيات الموالية لها) على تأمين مساحات جغرافية يمكن للولايات المتحدة بعد ذلك تجميدها وحمايتها بطريقة يمكنها معالجة المشكلة الأساسية. لم نرَ أو نسمع حتى الآن تفسيراً متماسكاً عن كيفية تحقيق هذا المسعى أو ما هي المشاكل التي ستُعالج بالتحديد، ولكن المفهوم يفترض أن المناطق الآمنة ستؤمن خطوطاً مستقرة من شأنها أن تضع حداً للحرب الساخنة في سوريا، وبالتالي القضاء أو التقليل إلى حد كبير من الدعم المقدم لتنظيمي داعش والقاعدة.

يعاني هذا النهج من مشكلة منطقية تتمثل في تبديل الوسائل بالغايات، فسعي الرئيس للمناطق الآمنة (وسيلة)، ويعتقد كثير من الناس بوجوب تقسيم سوريا (وسيلة)، والجمع بين هذه الأشياء سينتج بطريقة أو بأخرى (غايةً) تحقق الأمن القومي الأمريكي.

 

أ- سوريا اليوم ليست مقسمة

إن المشكلة الأكبر في هذه الحجة هي فرضيتها الخاطئة. سوريا ليست مقسمة. فالقوات الموالية للنظام وتنظيم القاعدة وداعش وجماعات المعارضة العربية السنية المختلفة والأكراد والأتراك والإيرانيون والروس يقاتلون في جميع أنحاء البلاد. الجيوب العرقية الطائفية منتشرة في جميع أنحاء سوريا. ولا وجود لخطوط جبهة واضحة تفصل بين المتنازعين. لذلك لا مكان في سوريا كلها تقريباً لإنشاء منطقة آمنة متجانسة.

وعلاوة على ذلك فالأطراف المتحاربة لا تُقاتل لإنشاء مثل هذه المناطق المتجانسة. تقريباً لا يرغب أي طرف في تقسيم سوريا. تعارض كلٌّ من القاعدة وداعش ونظام الأسد وإيران هذه الفكرة وبشدة وهي أقوى الجماعات المسلحة على الأرض. من جهتها ترغب وحدات حماية الشعب الكردية بالتقسيم ظناً منهم بأنه سيعطيهم حكماً ذاتياً أو حتى استقلالاً. إلا أن هذه الرغبة تضع وحدات حماية الشعب على خلاف مع الجميع في سوريا، مما يحد من قدرتها على تجنيد العرب السنة لمحاربة داعش. ولا يُظهر أي من هؤلاء الفُرقاء علامةً على التخلي عن أهدافهم العظمى.

سيكون تقسيم سوريا في الوضع الحالي كارثياً على الولايات المتحدة هذا لو كان ممكناً في الأساس. فالميليشيات الإيرانية وحلفاؤها وتنظيم القاعدة وتنظيم داعش يسيطرون حالياً على الأغلبية الساحقة من الأراضي السورية خارج المناطق الكردية. لقد سقطت المعارضة المعتدلة بسقوط حلب باستثناء بعض الجماعات في أقصى جنوب سوريا والتي لا سيطرة لها خارج مناطقها. إن تقسيم سوريا سوف يعني بالضرورة مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية لإيران لكي تُسيطر على جزء من سوريا ومساعدة القاعدة للسيطرة على الجزء الآخر. ولا توجد طريقة لجعل هذا النهج متفقاً مع المصالح الأمريكية.

 

ب- إطلاق يد إيران في سوريا عن طريق التقسيم

إن رغبة الإدارة الحالية الواضحة في مواصلة نهج سابقتها تجاه إيران في كل من العراق وسوريا لهو الجانب الأكثر إثارة للدهشة في المناقشات الحالية حول الاستراتيجية الأمريكية. لقد رأت إدارة أوباما أن إيران شريكٌ بحكم الأمر الواقع في محاربة داعش وتنظيم القاعدة وسعت لتحويل إيران من عدو إلى صديق عن طريق الاتفاق النووي وغيره من المبادرات. لقد رفض الرئيس أوباما العمل العسكري ضد نظام الأسد حتى بعد تخطيه للخط الأحمر الذي وضعه أوباما نفسه، ثم رفض التصرف ضده بأي شكل من الأشكال منذ ذلك الحين، وحرّم على شركاء الولايات المتحدة العمل ضد الديكتاتور الذي كان يعمل على إبادتهم كما ذُكر أعلاه.

إن توسيع استراتيجية أوباما لا يُغير هذا النهج بأي حال من الأحوال. إنه يترك غرب سوريا لإيران ونظام الأسد ويركز فقط على ضرب داعش بقوة أكبر. إن تقسيم سوريا سيتطلب العودة إلى نظام الأسد بشكل ما فهو يُصر على أنه يحكم سوريا كاملةً ويحتفظ بحاميات في المناطق الكردية وفي جنوب شرق سوريا في قلب مناطق تنظيم الدولة. ومع ذلك فإن أي تقسيم بحسب الخطوط الحالية سوف يترك للنظام السيطرة على دمشق وحلب ومناطق الساحل العلوية والمدينتين الهامتين على طريق دمشق - حلب وهما حمص وحماة. ومن المرجح أن يُصر النظام والإيرانيون على استرجاع محافظة إدلب الواقعة بين حلب والساحل على الحدود التركية، والتي أصبحت الآن مركز الجماعات المنتسبة إلى القاعدة، حيث أن هذه المنطقة تهدد مركز المناطق العلوية وسيبقى القتال في غرب سوريا مشتعلاً إلى ما لا نهاية.

إن السماح للنظام باسترجاع كل هذه المناطق سيعطي إيران وروسيا كل ما تحتاجانه في سوريا. ستبقي روسيا قاعدتها الجوية والبحرية الدائمة على البحر المتوسط، وسيكون لإيران القاعدة والعمق الاستراتيجي الذي تحتاجه لدعم حزب الله في لبنان في عملياته ضد إسرائيل في الجولان. وحقيقة أن إيران ترفض فكرة تقسيم سوريا وتقاتل ضدها لا تعني في الواقع أنها لن تستفيد كثيراً من هذه النتيجة.

لقد أضفنا علامات اقتباس حول كلمة "النظام" لأن كثيراً من النقاش الاستراتيجي ينطلق من فرضية خاطئة أُخرى، وهي أن هناك في الواقع نظاماً حقيقياً تابعاً للأسد وجيشاً سورياً والحقيقة أن لا وجود لأي منهما. لقد اخترقت إيران وروسيا، إيران في المقام الأول، الحكومة السورية تماماً بحيث لم يعد بوسعها أن تقف وحدها دون مساعدة. أما الائتلاف الموالي للنظام فهو عبارة عن بيت من ورق بنواة صغيرة من الجيش العربي السوري المتمركز حول دمشق، ومجموعة من الميليشيات السورية الممولة والمتحكم بها من قبل أفراد من الطبقة الغنية السورية، وبضعة آلاف من مقاتلي حزب الله اللبناني التابعين لقادتهم في إيران، وعشرات الآلاف من الميليشيات الشيعية العراقية التي تمولها إيران وتتحكم بها، وبضعة آلاف من الجنود الأفغانيين والباكستانيين الذين جلبتهم إيران. كما نشر الإيرانيون جزءاً من قواتهم البرية التقليدية في حين أرسل الروس عدداً محدوداً من جنود القوات الخاصة.

لن ينجو الأسد لو غادرت القوات الإيرانية. لو تُرك إلى أجهزته الخاصة فلن يتمكن من الدفاع عن عاصمته أو حتى قصره، ناهيك عن الأراضي التي تُسيطر عليها قوات النظام الآن. وبالتالي فإن تقسيم سوريا بأي شكل من الأشكال يستلزم بقاء القوات الإيرانية وميليشاتها من جميع أنحاء المنطقة للدفاع عن ما تبقى من نظام الأسد. وبالتالي فإن أي محاولة لتقسيم سوريا تتنافى مع استراتيجية الولايات المتحدة الهادفة إلى احتواء إيران.

 

الأهداف

ما الذي يجب فعله؟

تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية جديدة في العراق وسوريا. فتعديل نهج أوباما ليس كافياً وتقسيم سوريا غير ممكن. يجب أن تستند الاستراتيجية الجديدة إلى الوضع على الأرض والمتطلبات الحقيقية للأمن القومي الأمريكي. وهذا يشمل ما يلي:

- هزيمة تنظيم القاعدة وكذلك داعش.

- طرد قوات إيران العسكرية وميليشياتها من سوريا.

- الحد من السيطرة الإيرانية على الحكومة والمناطق في سوريا

- تسهيل نشوء قوة مسلحة عربية سنية وهياكل حكم سياسية تتمتع بالشرعية في عيون المجتمعات العربية السنية في سوريا والعراق ولديها القدرة والاستعداد على طرد داعش والقاعدة وإبقائهما خارجاً.

- وضع نهاية للحرب في سوريا والعراق ذات مخرجات مستقرة ودائمة وذلك لمنع تكرار الظروف التي تسمح بإعادة تشكيل الجماعات السلفية الجهادية المسلحة أو الميليشيات الإيرانية في أي من البلدين.

- تخفيف المنافسة بين تركيا وروسيا وإيران ودول الخليج تلك المنافسة التي ساعدت على تمزيق سوريا.

- إعادة توطين اللاجئين السوريين.

لا يمكن للولايات المتحدة تحقيق هذه الأهداف إلا بوضع حد للحرب التي تجتاح سوريا والعراق تلك الحرب التي تخلق بيئة مناسبة للجماعات السلفية الجهادية. كما يتعين عليها تحقيق الاستقرار في هذه البلدان في ظل الظروف الصحيحة وليس الظروف الأكثر منفعة.

يجب على الولايات المتحدة في نهاية المطاف تعزيز الشركاء الفعالين والمقبولين في المعارضة السورية والراغبين في التفاوض مع نظام الأسد. ينبغي لتسوية قابلة للتطبيق بين نظام الأسد والمعارضة أن تُيسر عملية نقل السلطة وتحول النظام لدولة لكل السوريين، وعليها العمل على إصلاح مؤسسات الأمن ونزع السلاح، وسحب القوات الأجنبية، وإعادة توطين اللاجئين والنازحين السوريين. يجب أن يكون الاتفاق قابلاً للإنفاذ ومقبولاً من دول المنطقة وأن يُساعد على الدفع بعملية إعادة الإعمار في سوريا نحو الأمام.

وتشمل متطلبات الوصول إلى نتيجة مستقرة في العراق وجود حكومة ذات سيادة ومقبولة من كل العراقيين وتمثل مختلف طوائف المجتمع العراقي وتقود جهاز أمن محترف وغير طائفي قادرٍ على احتكار استخدام القوة ويستطيع تأمين البلاد بفاعلية. يجب وضع العراق أيضاً على مسار إعادة البناء الاقتصادي والنمو على المدى الطويل.

 

- مساعدة السنة على رفض الحركة السلفية الجهادية

إن أهم عنصر في النهج الصحيح ينبع من فكرة واحدة هي أن الحرب ضد الحركة السلفية الجهادية يجب أن يقوم بها وينتصر فيها المجتمع السني نفسه. تُعتبر القاعدة وداعش مظهراً من مظاهر تمرد عالمي يسعى فيه المسلمون السنة إلى تفكيك الدول ذات الأغلبية السنية وتدميرها وإنشاء حكومات جديدة خاصةٍ بهم بدلاً عنها.

إن الولايات المتحدة تُحول الحرب على الإرهاب إلى حربٍ لمكافحة التمرد. يجب أن يتوقف ذلك. إن محاربة التمرد لا تعني بالضرورة نشر مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين. وكما قال الجنرال ديفيد باتريوس مراراً إن زيادة القوات الأمريكية في العراق أمرٌ حيوي، ولكن فقط لأنه يدعم نهجاً جديداً لمكافحة التمرد يُركز على السكان. على الولايات المتحدة أولاً أن تُفكر في إطار استراتيجية لمكافحة التمرد تتركز على السكان في سوريا والعراق ويمكنها بعد ذلك النظر في حجم القوات الأمريكية المطلوبة لتنفيذه متوقعةً أن تكون الأرقام أقل بكثير مما كان مطلوباً في العراق وأفغانستان أثناء الاجتياح.

يجب أن يعترف النهج الجديد بأن استراتيجية الولايات المتحدة الحالية تُساهم دون قصد في تأجيج التمرد السلفي الجهادي العالمي. فالسنة في جميع أنحاء العالم يرون أن الولايات المتحدة متحالفة بحكم الأمر الواقع مع إيران وروسيا والشيعة والعلويين والأكراد الذين يحاولون جميعاً إعادة إخضاع العرب السنة في العراق وسوريا إلى الأنظمة التي تُسيطر عليها إيران (ويتجنبون بطبيعة الحال التمييز بين العلويين والشيعة). هم ليسوا على خطأ لقد كانت هذه استراتيجية الولايات المتحدة بحكم الأمر الواقع. لدينا مشكلةٌ حقيقية وليست مجرد خيال.

ويستفيد كل من داعش والقاعدة من هذا التصور من خلال إظهار أنفسهم على أنهم المدافعون الوحيدون عن السنة ضد التهديد الوجودي الذي يستهدفها. وتستفيد القاعدة بدورها من وحشية داعش. وتصور نفسها على أنها الجماعة السلفية الجهادية "المعتدلة" العاقلة التي لا تفرض أيديولوجيتها على من لا يرغب من السكان ولا تقطع الرؤوس ولا تُحرق الأسرى أحياءً والمقبولة بالمجمل لدى السكان الذين يتوقون لوجود مقاتلين أشداء يدافعون عنهم ضد أعدائهم الذين يسعون إلى تدميرهم.

إن هذا التصور قبل كل شيء هو الخطر الرئيسي الذي يُهدد الولايات المتحدة. إنه يدفع بأتباع الطائفة السنية نحو التطرف في جميع أنحاء العالم ويخلق بيئة خصبة تسمح لداعش والقاعدة بالعمل في تجنيد الأتباع أفضل من أي وقت مضى.

لذلك من الضروري أن تُغير الولايات المتحدة مقاربتها للوضع. يجب أن تتوقف عن مهاجمة المجتمع العربي السني من الخارج باستخدام وكلاء وميليشيات موالية لها وبدلاً من ذلك عليها أن تندمج مع هؤلاء السكان كمدافعة عنهم. يجب أن نظهر مرة أُخرى استعدادنا للقتال والموت بجانب العرب السنة ضد أعدائهم وأعدائنا مثل داعش والقاعدة وإيران. يجب علينا أن نُعيد اصطفاف الدول العربية وراء القيادة الأمريكية. وعندها فقط يمكن أن يكون لدينا أمل في تأمين مصالحنا الوطنية الحيوية والحد من الرغبة العالمية للمنظمات الداعمة للإرهاب في تدميرنا.

إن تصميم أي مسار عمل يمكنه تحقيق كل هذه الأهداف من خلال حملة واحدة هو أمر مستحيل. لا يمكن للولايات المتحدة أن تُكرر تجربة عام 2007 في العراق، عندما أدى تغيير الاستراتيجية والنهج مدعَّماً بقوات أمريكية إضافية إلى تغيير حاسم في مسار الصراع. إن الوضع في كل من العراق وسوريا اليوم أصبح معقداً للغاية وصعباً على أي تغيير سريع من هذا النوع.

لقد نسي الكثير من الناس أنه حتى زيادة القوات في العراق اتخذت شكل حملات متعددة استمرت لعامين. الحزمة الإضافية الأولى من القوات ذهبت إلى "حزام" بغداد من أجل تعطيل مناطق دعم العدو. الحزمة التالية ذهبت إلى بغداد نفسها. وازدهرت صحوة الأنبار تماماً جنباً إلى جنب مع هذه الضمانات وبمساعدة منهم. وأدت الحملات اللاحقة إلى تطهير محافظة ديالى إلى الشمال الشرقي من بغداد وبعد ذلك الموصل. ومع ذلك لم يكن الوضع قد استقر تماماً حتى منتصف عام 2008 بعد سلسلة إضافية من المعارك العنيفة ضد الميليشيات الشيعية في جنوب العراق. ولا يمكننا أن نتوقع أكثر من إرسال الحزمة الأولى في الصراع الحالي في سوريا، وهو كل ما كنا نستطيع فعله في العراق عام 2006.

لا يمكننا أن نحدد بدقة سلسلة الحملات اللاحقة اللازمة للانتقال من الالتزام الأولي الموصوف أدناه إلى النجاح الشامل. هناك الكثير من الصدف والحالات الطارئة التي تمنعنا من التنبؤ بمسار العمليات بعد نقطة معينة. ولقد لعبت الولايات المتحدة هذا الدور المقيد في الحرب حتى الآن، على عكس الدور الذي لعبته في العراق بين عامي 2003 و 2006، لأننا ببساطة لا يمكننا أن نعرف بالضبط ما الذي سيحدث لو انخرطت الولايات المتحدة أعمق وأعمق في الصراع.

نحن نفترض أن القبائل العربية السنية المضغوطة من جميع الأطراف ستقاتل جنباً إلى جنب مع قوات الولايات المتحدة الأمريكية ضد داعش وحتى القاعدة في مقابل الوعد بالدعم ضد هؤلاء وضد نظام الأسد. ولكننا لا نستطيع التأكد من صحة هذه الفرضية إلا بتجربتها. وفي حال ثبت خطأ هذه الفرضية فإن العملية المقترحة أدناه ستظل تضرب في الخطوط الخلفية لداعش وتسهل إعادة السيطرة على الرقة ووادي الفرات، ولكن لن يكون لها الأثر المنهجي اللازم لتحويل مسار الصراع.

إن نطاق مسار العمل المقترح هنا محدود لأسباب أخرى أيضاً. لن تستفيد الولايات المتحدة من خوض حرب ساخنة الآن مع روسيا أو إيران. لقد بحثنا في أمر حملة كبيرة تهدف للإطاحة بالأسد ولكننا رفضناها لأسبابٍ عدة: لأنها ستؤدي إلى حرب مباشرة مع هاتين الدولتين، ولأنها ستقوي من حضور القاعدة في البيئة الحالية، وربما يؤدي انهيار النظام إلى حدوث إبادة جماعية للسكان العلويين في سوريا، ومازالت القوة المطلوبة لإنجاز هذه المهمة تزداد باستمرار. وكذلك بحثنا ورفضنا إنشاء مناطق آمنة لعدة أسباب: المناطق الآمنة بالقرب من دمشق ستؤدي إلى حرب ساخنة مع روسيا، المعارضة المعتدلة انهارت في حلب، تحتاج الولايات المتحدة إلى حماية المعارضة ليس فقط من القوات الموالية للنظام بل أيضاً من القاعدة التي تعمل على إزالة الجماعات المعتدلة، كما أن كلاً من المخاطرة المصحوبة والقوة المطلوبة لإنجاز هذه المهمة تزداد أيضاً. لذلك اخترنا مسار عمل يُقلل من احتمالية نشوب صراع مباشر مع روسيا وإيران في حين يضع الولايات المتحدة على أسس أكثر صلابة تُمكنها من العمل بحرية أكبر في سوريا والعراق مع مرور الوقت.

وعلينا أن ندرك أخيراً أن كل لاعب رئيسي دخل هذا الصراع معتقداً أن تدخلاً حاداً خفيفاً من شأنه أن يحول مسار الصراع اكتشف أن المهمة أصعب بكثير مما كان يتوقع. حاول نظام الأسد عدة مرات سحق الثورة والمعارضة في عامي 2011 و 2012، إلا أنه لم يتمكن من ذلك بل على العكس وجد أن الثوار استطاعوا التمسك بالأرض بل ومواصلة تحقيق المكاسب. لقد مرت إيران بمراحل عديدة من التدخل وإرسال قوات إضافية بداية من حزب الله اللبناني، إلى ميليشيات عراقية وأخيراً أرسلت أجزاء من قواتها البرية التقليدية وكانت في كل مرة تتوقع نتائج حاسمة إلا أنها لم تستطع أن تُحققها. تدخل الروس أيضاً في عام 2015 على أمل إحداث تحول سريع في ساحة المعركة إلا أنه وبالرغم من وحشية القصف الجوي الروسي فقد استغرق الأمر ما يقرب أكثر من ستة أشهر للاستيلاء على حلب فقط، ولا يزال الوضع متقلباً وغير مستقر. وكان للتدخل العسكري التركي أثر محدود أيضاً.

يجب أن لا تفترض الولايات المتحدة أن تدخلها سيكون مختلفاً. إن زخم الصراع كبير لدرجة أنه لا يمكن تحويل مساره بضربة قوية واحدة. يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لممارسة ضغط مستمر لسنوات من أجل دفع الحرب نحو نتيجة مقبولة. وبالتالي فإن النهج الموصى به هنا مدروس على أساس فِعلٍ يمكن له أن يستمر بدلاً من موجة قوات كبيرة يجب سحبها بسرعة نسبياً.

ولكل هذه الأسباب فإن مسار العمل هذا هو الخطوة الأولى في الحملة الأولية من أجل تحقيق أهداف الولايات المتحدة الشاملة. إنه هجوم مضاد محدود يستهدف استعادة حرية العمل الأمريكية ويقلل من تراجع الولايات المتحدة ويهيئ الظروف لعكس اتجاه التراجع وتحويله نحو النصر. وهو يعرض بإيجاز الحملات اللاحقة التي قد تكون مطلوبة على الأرجح، ولكنه لن يحاول أن يُنجز المهمة المستحيلة بوصف هذه الحملات بالتفصيل.

 

مسار العمل المُقترح

المهمة

يُوصي معهد دراسات الحرب (ISW) ومشروع دراسة التهديدات الخطيرة التابع لمعهد المشاريع الأمريكي (CTP) باتباع مسار العمل المبين في هذا التقرير كمرحلة أولى لإنشاء استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط. لا يمكن لمسار العمل هذا أن يُعالج جميع مشاكل الولايات المتحدة في المنطقة، ولا يُقدم حلاً شاملاً للحرب في سوريا. ولكنه اللبنة الأساسية على طريق التقدم للأمام. إنه يُعين المخاطر الأكثر إلحاحاً، ويحاول استغلال الفرص المتاحة، ويُهيئ الظروف المواتية للمراحل المستقبلية، ويُقلل التكاليف على الولايات المتحدة وعلى السكان في سوريا.

يُؤكد مسار العمل هذا على الوجود الأمريكي على مسرح الأحداث، بغض النظر عن الجهات الفاعلة الأُخرى، وعلى النية في العمل على بناء قوة عربية سنية شريكة للولايات المتحدة في الحرب على السلفيين الجهاديين ومنعهم من إعادة ترتيب صفوفهم والعمل أيضاً على إعادة توطين اللاجئين. يُركز مسار العمل بدايةً على إنشاء قاعدة أمريكية آمنة للعمليات في جنوب شرق سوريا ومهاجمة الخطوط الخلفية لتنظيم داعش على طول حوض الفرات في المنطقة الشرقية في سوريا. هذا التحرك سيساعد الولايات المتحدة على تخفيف المخاطر المتزايدة من اضطرارها لتقليل تواجدها أو انسحابها تماماً من العراق.

لا يتضمن مسار العمل خطة فورية لاستعادة المدن الكبيرة في محافظة الرقة. إن الخيارين المطروحين الآن لإعادة السيطرة على الرقة سيقويان إما من العناصر الموالية للقاعدة أو وحدات حماية الشعب الكردية، مما سيزيد الوضع سوءاً وسيزيد الدعم المقدم للعناصر السلفية الجهادية. كلا الخيارين مرفوضان عند الولايات المتحدة. يوصي مسار العمل بإيقاف تقدم وحدات حماية الشعب والقوات العربية المشاركة معها بعد أن أتموا عزل مدينة الرقة وذلك بهدف خفض التوتر بين تركيا والقوات الموالية للولايات المتحدة والحفاظ بذلك على المكاسب الإقليمية.

يتجنب مسار العمل التدخل الأمريكي الفوري في شمال سوريا. إن من شأن عملية كبرى في الشمال السوري بما في ذلك إنشاء منطقة آمنة على الحدود مع تركيا أن تزيد من اعتماد الولايات المتحدة على الشركاء الحاليين أو أن تعود بالنفع على الجماعات السلفية الجهادية، وذلك بحسب المنطقة التي ستجري فيها مثل تلك العملية. كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى تصعيد النزاع مع روسيا قبل أن يكون لدى الولايات المتحدة النفوذ والقوة اللازمة لإدارة التصعيد. فعلى سبيل المثال إنشاء منطقة حظر طيران ذات مصداقية يحتاج إلى وضع قوة عسكرية في مسرح الأحداث كافية لردع الانتهاكات الروسية ولديها الاستعداد لإسقاط الطائرات الروسية. كما أن الولايات المتحدة نفسها لم تُهيئ الظروف للهجوم على شمال غرب سوريا بغض النظر عن المسألة الروسية. لقد أسست القاعدة تواجداً قوياً لها بين السكان هناك، ومن المرجح أن يُؤدي التدخل العسكري للولايات المتحدة في تلك المنطقة إلى نتائج عكسية. كما أن مسار العمل يتجنب كذلك التدخل المباشر في جنوب سوريا الأمر الذي يحمل مخاطر التصعيد السريع بسبب تهديده للمناطق الحرجة بالنسبة لروسيا ونظام الأسد.

يُمثل مسار العمل المقترح هذا أفضل خطة مستقبلية للولايات المتحدة حددها فريق البحث (ISW,CT) على أساس تقييم مصالح الولايات المتحدة، ودراسة الديناميات السياسية الأمنية الحالية، والتنبؤ بخطط الجهات الفاعلة المختلفة. وتشكلت عن طريق عملية تخطيط مستمرة بدأت في تشرين الثاني من عام 2015. اختبرت عملية التخطيط هذه الخيارات الأمريكية المحتملة في مواجهة داعش والقاعدة في سوريا وسط تصاعد التوترات المحلية والإقليمية والعالمية.

اختبر فريق البحث المعد لهذه الدراسة (ISW,CTP) خمسة عشر مسار عمل مختلف لتدمير داعش والقاعدة دون تعريض المصالح الأمريكية لأخطار كبيرة أو تحمّل تكاليف لا لزوم لها. لم نحكم مسبقاً على الوضع النهائي في سوريا. فقد تتبعت مسارات العمل المختلفة العديد من النتائج المحتملة، بما في ذلك الوصول إلى تسوية عن طريق التفاوض، والتقسيم، ومهمة محدودة طويلة الأجل لمكافحة الإرهاب. كما درست مسارات العمل إمكانية العمل مع عدة شركاء في سوريا، بما في ذلك روسيا وإيران بالإضافة إلى عدد كبير من الجماعات المسلحة المحلية.

لقد فشلت كل عمليات المحاكاة الأُخرى. حتى أن فريق البحث درس أيضاً المزج بين عدة مسارات للعمل. ولكنها فشلت أيضاً أو أدت إلى تحديات أكبر، معظمها فشلت لإنها إما تُعزز من قوة السلفيين الجهاديين، أو تقوض قدرة حلفاء الولايات المتحدة، أو تعزز من نفوذ روسيا وإيران على حساب الولايات المتحدة، أو تطيل أمد الحرب في سوريا بشكل يُعرض الأمن القومي الأمريكي للخطر. لقد ثبت أن التقاعس والتراجع والدخول إلى "الحصن الأمريكي" هو الخيار الأخطر.

لا يستطيع الرئيس ترامب إنهاء الحرب في سوريا بسرعة وحماية المصالح الأمريكية في نفس الوقت. عليه أولاً أن يطلق يد الولايات المتحدة من القيود التي كبلها بها شركاؤها المزيفون أو الذين لا يُعتمد عليهم والذين لا يملكون نفس أهداف الولايات المتحدة، ثم عليه أن يُنشئ وضعاً أمريكياً مستقلاً، وأن يضع أهدافاً قابلةً للتحقيق على المدى القريب. ينبغي أن تشمل هذه الأهداف التحضير لهزيمة الشبكة السلفية الجهادية الواسعة وتوسيع فضاء الحرية الأمريكية للمناورة وتعزيز النفوذ الأمريكي لدى الشركاء والحلفاء والأعداء. إن مسار العمل المعروض هنا سيساعد على ترميم استراتيجية الولايات المتحدة وتمكين الرئيس ترامب من إيجاد مقاربة للنزاع تحت الشروط الأمريكية.

 

الأهداف المقترحة على المدى القريب

الأهداف التالية يُمكن تحقيقها في غضون سنة واحدة وهي إذا ما تحققت يمكنها أن تُعيد توجيه الأمور لصالح متطلبات الأمن القومي الأمريكي. إنها تُركز على سوريا حيث تصرفات الولايات المتحدة أقل تقييداً من العراق، ويمكنها أن تُعيد تشكيل مسرح الأحداث في الشرق الأوسط وتضع الولايات المتحدة في موقف يمكّن الولايات المتحدة من اتخاذ إجراءات حاسمة لصالحها في العراق. كما أنها تُركز على إعادة توجيه سياسة الولايات المتحدة نحو محاربة القاعدة بالإضافة إلى داعش. وأخيراً فهي تتجنب العراقيل التي وضعتها كل من روسيا وإيران وتركيا وتركز على استقلال الولايات المتحدة لإطلاق يد الرئيس ترامب في المفاوضات المستقبلية.

لا يمكن لأي استراتيجية مهما كانت رائعة أن تنهي الحرب الأهلية في سوريا أو تُخرجها من الصراع الإقليمي والعالمي الدائر عليها. بيد أنه من الضروري تغيير مسار الصراع الحالي بعيداً عن احتمالات تصاعد الحرب الإقليمية أو العالمية. هذه الأهداف توفر السبيل لذلك بأقل قدر ممكن من المخاطر والتكاليف.

  1. الدمج بين استراتيجيات مكافحة داعش والقاعدة لوضع الولايات المتحدة على طريق هزيمة التهديد السلفي الجهادي الواسع.

  2. الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة على المناورة وتوسيعها.

    1. احتواء وتقليل انتشار قدرات منع الوصول إلى المنطقة في الإقليم وخصوصاً إيران.

    2. خلق موقف أكثر استقلالية يمكنه دعم العمليات في سوريا والعراق.

    3. تعزيز مؤسسات الدولة العراقية.

    4. منع توسع إيران وخلق الظروف لاحتواء وسائل إيران التدخلية، بما في ذلك شبكة ميليشياتها، وقدراتها العسكرية التقليدية، وتدريبها العناصر وإرسالها الخبراء، وتطويرها لأسلحة الدمار الشامل، وتعزيز برنامجها للسلاح النووي، ونظام الإمداد.

    5. خفض التوتر بين تركيا والأكراد.

  3. كسب النفوذ عند كل من تركيا وروسيا ونظام الأسد وإيران ووحدات حماية الشعب الكردية.

  4. استعادة حرية العمل.

  5. إنهاء الاعتماد على وحدات حماية الشعب الكردية.

  6. التخفيف من آثار الخسارة المحتملة لامتيازات القاعدة الأمريكية في العراق.

 

مسار العمل المقترح

تسيطر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها المقبولون على قاعدة في جنوب شرق سوريا مثل البوكمال مثلاً ويخلقون منطقة آمنة بحكم الأمر الواقع. من هناك يبدؤون بتجنيد وتدريب وتجهيز المقاتلين وبناء شراكة مع القوى العربية السنية المحلية المعادية لداعش ويبدؤون بالتجهيز لشن هجوم ضد داعش. إن هذه القوى العربية السنية المحلية المستقلة تشكل أساس الحركة لتدمير داعش والقاعدة في سوريا والعراق على مدى سنوات عديدة. يجب أن يكون بناء الشريك العربي السني المناهض لتنظيم داعش هو المقياس الذي يقيس التقدم المنجز في وادي نهر الفرات. يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تقاتل جنباً إلى جنب مع شركائها للحد من ضعف الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها السنة المحتَملين. يجب أن لا يكون هؤلاء الشركاء المحتَملين داعمين للسلفية الجهادية أو الميليشيات الإيرانية أو الأكراد الانفصاليين.

 

 إن عملية في جنوب شرق سوريا بدلاً من الرقة ستكون مفيدةً لأنها:

1- ستحد من التصعيد مع روسيا ونظام الأسد على المدى القريب لأنها ستركز على الجغرافيا غير الحرجة لأي منها.

2- تخلق موضع قوة للولايات المتحدة في منطقة أخرى مستقلة عن الحلفاء الحاليين.

3- تمكن الولايات المتحدة من تخفيض حدة النزاع التركي الكردي.

4- تخفف من خطر فقدان امتيازات القاعدة الأمريكية في العراق.

5- تهيئ الظروف للانتصار في المعركة ضد داعش في المدن التي يسيطر عليها وذلك لأنها تمكن الولايات المتحدة من استهداف الخطوط الخلفية لداعش.

6- تمكن الولايات المتحدة من المنافسة على الشرعية في المدن والمناطق العربية السنية.

7- تحد من تهديد داعش للأردن.

إن بلدة البوكمال التي تسيطر عليها داعش بالقرب من الحدود السورية العراقية تُعتبر هدفاً جيداً لهذه العملية، لأنها المنطقة الأساسية التي تحتلها داعش ولم تستهدفها القوات المنخرطة في عملية العزم الصلب (OIR) المدعومة أمريكياً لمحاربة داعش في حملتها البرية بعد. وقد قدرت غرفة العمليات المشتركة في حزيران 2016 أن السيطرة على البوكمال "ستحد من التدفق السريع للتعزيزات والإمدادات والمقاتلين الأجانب بين سوريا والعراق، مما يزيد الضغط على ما يسمى دولة الخلافة". إذا سيطرت الولايات المتحدة وحلفاؤها على مدينة البوكمال في أوائل عام 2017 ستحقق الهدف المذكور. كما أنه سيمكن الولايات المتحدة من عرقلة قيادات داعش، الذين انتقلوا إلى القائم قبل معركة الموصل الجارية حالياً، وفقاً لتقارير مفتوحة المصدر.

هناك عدة خيارات لتنفيذ هدف هذه العملية. الأول هو الاستيلاء على كامل مدينة البوكمال ومطارها القريب. بهذا يجب على الولايات المتحدة أن تستولي وتؤمن وتوسع مطار حمدان العسكري شمال البوكمال لتحويله لقاعدة عمليات. يمكن للقوات الخاصة الأمريكية أن تُجري إنزالاً عسكرياً على المطار أو بالقرب منه قبل الزحف نحوه والاستيلاء براً. بعد ذلك سيكون على الولايات المتحدة أن تبني المرافق الضرورية في المطار بحيث تدعم الإقلاع المروحي والحربي، فضلاً عن تواجد وحدات كبيرة من القوات الخاصة التي تؤمنها القوات التقليدية الضرورية. وعلى القوات الأمريكية أن تبحث في استخدام الوحدات البحرية المجهزة بطائرات أوسبري خلال المرحلة الأولى وذلك لزيادة قطر قاعدة العمليات بحيث يمكنها دعم الوحدات الخاصة وعمليات الاستهداف الأخرى في الأنبار العراقية وغرب نينوى بالإضافة إلى مناطق داعش في شرق سوريا. وستعمل القاعدة في نهاية المطاف على دعم الخطوط الأمامية على طول الطريق باتجاه دير الزور وربما إلى محافظة الأنبار العراقية.

يمكن للقوات الأمريكية بدلاً من ذلك أن تُنشئ قاعدة عمليات كبيرة في شمال شرقي الأردن تضع فيها المقر الرئيسي وعناصر القوات والدعم اللوجستي التي كانت من المفترض نشرها في سوريا وفق الخيار الأول. كما يمكن للولايات المتحدة أن تشن الغارات من داخل الأردن أو من قاعدةٍ في غرب العراق. يمكن للولايات المتحدة أن تُخفض عديد القوات العسكرية اللازمة للاستيلاء على البوكمال عبر الاستغناء عن فكرة الاستيلاء وتأمين القاعدة الجوية والاستفادة بشكل أكبر من الدعم والموارد المخصصة لمركز القيادة المتقدم في الأردن. يمكن لهذا النهج البديل أيضاً أن يمكّن الولايات المتحدة بمساعدةٍ أردنية من إنشاء منطقة آمنة تحيط بمخيمات اللاجئين على طول الحدود الشمالية الشرقية للأردن والتي أصبحت مؤخراً هدفاً للهجمات العسكرية وحملات التجنيد من قبل داعش.

 

حجم القوات اللازم للمهمة

لم يكمل فريق البحث في هذا التقرير دراسة حجم القوات اللازمة للمهمة وترك الأمر للخبراء العسكريين فيما يتعلق بنوع وحجم القوات المطلوبة.

جهود الدعم ومرحلة بناء الاستقرار (المرحلة الصفرية)

بعد تنفيذ هذا المسار يتعين على الولايات المتحدة أن تطلق عمليات تحرير في كلا الاتجاهين على طول نهر الفرات باستخدام القوات الأمريكية وحلفائها من المعارضة السورية والقبائل السورية وقوات العشائر العراقية وقوات الأمن العراقية. على الولايات المتحدة أن تباشر بتنفيذ 12 خطوة من أجل ترسيخ مسار العمل المقترح وتهيئ الظروف للعمليات اللاحقة. تشمل هذه الخطوات عمليات فتاكة وغير فتاكة لمساعدة المهمة في سوريا على النجاح وتمكين الولايات المتحدة من الاستفادة من نتائجها.

 

العمليات الفتاكة

1- محاربة إيران في العراق.

2- زيادة الغارات المباشرة لتشتيت صفوف داعش في كل من سوريا والعراق والتركيز على حوض الفرات.

3- مواصلة عملية الموصل وبذل جهد أكبر في تدريب وتجهيز قوات شرطة الموصل تحت سلطة الحكومة العراقية التي يمكنها منع داعش من العودة إلى الموصل.

4- وقف تقدم قوات سوريا الديمقراطية نحو الرقة بعد أن أتمت عزل المدينة واعتماد موقف دفاعي في تلك المنطقة. استخدام وحدات حماية الشعب لاستعادة سد الطبقة من داعش إذا لزم الأمر، ولكن التأكد من أن العناصر السنية العربية في وحدات حماية الشعب هي التي تسيطر على السد وليس قوات سوريا الديمقراطية. الإبقاء على وضع القوة الحالي في الشمال السوري.

5- مواصلة تقديم المساعدات الفتاكة السرية لمجموعات المعارضة المعتدلة في جنوب سوريا وشمالها الغربي من أجل تأخير توطيد القاعدة لسيطرتها والحفاظ على الخيارات مفتوحة لعمليات مكافحة تنظيم القاعدة في المستقبل.

6- زيادة وتيرة العمليات الخاصة للقيادة المشتركة ضد أهداف القاعدة في سوريا لتعطيل حرية تنظيم القاعدة في العمل والسيطرة. والإبقاء على وضع الاستعداد لشن غارات مباشرة ضد أهداف التنظيم.

7- البقاء على أهبة الاستعداد لدعم العاهل الأردني الملك عبد الله ضد هجمات التنظيمات السلفية الجهادية وضد النشاط العسكري الإيراني وصيانة شرعية الحكومة الأردنية.

8- البقاء على أهبة الاستعداد للدفاع عن القوات الأمريكية وقوات التحالف في العراق ضد هجوم قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران.

 

العمليات غير الفتاكة

9- تهيئة شروط مرحلة الاستقرار (المرحلة الصفرية) حسب الضرورة.

10- تنفيذ عمليات استخباراتيةٍ محكمة.

11- تنفيذ عمليات مساعدة إنسانية في المناطق التي تعمل فيها القوات البرية الأمريكية.

12- دعم المساعدات غير الفتاكة لعناصر المجتمع المدني التي مازالت صامدةً في مناطق المعارضة ولجماعات المعارضة المعتدلة في جنوب سوريا لتوفير حافز مستمر لهم للبقاء مستقلين عن تنظيم القاعدة.

 

النتائج المرجوة على المدى القريب

ستُعتبر الولايات المتحدة ناجحةً في تنفيذ هذا المسار إذا استطاعت:

- السيطرة على البوكمال ومنع الجماعات السلفية الجهادية من التسلل إليها مجدداً.

- تنفيذ ضربات عسكرية سريعة من مطار حمدان العسكري بما في ذلك الطيران الحربي والمروحي.

- الانتقال إلى المرحلة التالية والتي تعمل فيها الولايات المتحدة على تجنيد وتدريب وتجهيز والتحالف مع القوات المحلية المناهضة لداعش بهدف توسيع السيطرة على طول وادي الفرات.

- إرسال المساعدات الإنسانية إلى البوكمال والمناطق المجاورة.

- إعادة بناء البوكمال بما في ذلك إعادة الخدمات.

 

فرضيات الخطة

لأغراض هذا التقرير وضعنا فرضيات من شأنها إذا أثبتت خطأها أن تنفي صحة مسار العمل. وأهم هذه الافتراضات هي:

1- لن تحاول روسيا إسقاط الطائرات الأمريكية.

2- لن تضطر القوات الأمريكية وقوات التحالف إلى الانسحاب من العراق بسرعة بحيث تُجبر على التراجع تحت نيران العدو.

3- سيحفز التدخل الأمريكي في جنوب شرق سوريا السكان العرب السنة على قبول التدريب الأمريكي، والقتال جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة.

4- سيدعم الملك عبد الله هذه العملية.

5- لن تقبل الولايات المتحدة بالقيود المفروضة على الأنشطة الأمريكية كورقةٍ في المفاوضات الدولية من أجل تسوية الحرب في سوريا.

6- لن تشن إيران حرباً إقليمية كاملة ضد السعودية أو إسرائيل.

 

تخفيف المخاطر

يمكن أن تؤدي التحركات المضادة المحتملة من قبل بعض الجهات الفاعلة الأخرى في سوريا إلى خلق مخاطر غير مقبولة على طاقم العمل الأمريكي وعلى نجاح مسار العمل المقترح. الأهم من ذلك، أن مخاطر بعض التحركات المضادة المحتملة هي أنها يمكن أن تستثير الولايات المتحدة وتدفعها إلى الإفراط أو التفريط في الاستجابة وأكبر هذه المخاطر هي:

- محاولة روسية لإسقاط طائرة أمريكية في جنوب شرق سوريا. لقد افترض فريق البحث المُعد لهذا التقرير (فريق ISW-CTP) أن التصعيد الروسي في مناطق جنوب شرق مدينة دير الزور أقل احتمالاً لأن تلك المناطق ليست ذات أهمية استراتيجية للنظام السوري. ولذلك افترضنا أن روسيا لن تحاول إسقاط طائرة أمريكية هناك. ومع ذلك فإن الأمر ممكن وخطير بما يكفي لوضع خطة طوارئ.

- يجب على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لضرب كامل الدفاعات الجوية للعدو إذا لزم الأمر واستخدام أوراق ضغط بديلة للتأثير على بوتين ومنعه من استهداف القوات الأمريكية. يجب على الولايات المتحدة أن تضع حزمة كاملة من الضربات والدفاعات الجوية في مسرح الأحداث قبل بدء العمل بهذا المسار المقترح لتعزيز قدرتها على الردع. يجب أن تكون هذه الحزمة قادرة على تحقيق التفوق الجوي في جميع أنحاء مسرح الأحداث وتحقيق السيادة البحرية في البحر المتوسط إذا لزم الأمر.

- لا يمكن للقوات الروسية الصمود في وجه حملة أمريكية جوية شاملة. وعلاوة على ذلك لا يستطيع بوتين أن يستبدل القوات الجوية والبحرية التي نشرها في الشرق الأوسط. وبالتالي فالتحدي الذي يواجه الولايات المتحدة ليس قتال روسيا ولكن إقناع بوتين بأننا سنقاتله ونهزمه تماماً إذا لزم الأمر للحفاظ على حرية الولايات المتحدة في العمل وذلك دون الدخول في صراع عسكري مباشر مع روسيا.

 

مهاجمة وحدات حماية الشعب لتركيا متجاوزة عتبة العنف الحالي.

- يجب أن تكون أولوية الولايات المتحدة هي خفض التوتر بين تركيا ووحدات حماية الشعب متى كان ذلك ممكناً، ولكن بعض عتبات الصراع أكثر خطورة من غيرها. فإذا تورطت وحدات حماية الشعب بهجوم مباشر على المنشآت التركية الحكومية أو قوات الأمن التركية فهذه خطوةٌ تُغير من مسار الصراع ومن المرجح أن تُؤدي إلى تصعيد هائل. يجب على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لاستخدام أوراق نفوذها لدى وحدات حماية الشعب مثل استمرار الدعم الجوي ضد داعش، لردعها عن التصعيد ضد تركيا حتى لو كان ذلك رداً على العدوان التركي في سوريا.

- يحدد القسم التالي من هذا التقرير المتطلبات الأمريكية للتوسط في صفقة بين تركيا ووحدات حماية الشعب/ حزب العمال الكردستاني كأولوية في المرحلة الثانية. يجب على الولايات المتحدة تسريع الانخراط السياسي مع تركيا في هذه القضية إذا كان التصعيد وشيكاً في شمال سوريا.

 

إطلاق داعش عملية كبيرة للاستيلاء على دير الزور من يد قوات النظام.

لقد شن تنظيم الدولة العديد من الهجمات الفاشلة للسيطرة على المناطق المتبقية بيد النظام في داخل مدينة دير الزور وعلى القاعدتين العسكريتين التابعتين للنظام في محيطها. لقد فشل حتى الآن ولكن من المرجح أن يحاول مرة أخرى. يجب على الولايات المتحدة تجنب دعم القوات الموالية للنظام ضد داعش في شرق سوريا، حتى بغرض الدفاع ضد هجوم داعش. إن أي دعم للقوات الموالية للنظام سيعزز من قوة تنظيم داعش والقاعدة لأنه سيبدو "إثباتاً" لروايتهم القائلة بأن الولايات المتحدة متحالفة بالفعل مع روسيا وإيران والأسد. على أقصى تقدير، يجب على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة للسماح للقوات الموالية للنظام بإجلاء الأفراد والمعدات من دير الزور.

مهاجمة نظام الأسد للقوات الأمريكية. إن احتمال شن نظام الأسد هجمات على القوات الأمريكية في جنوب شرق سوريا ومناطق سيطرة وحدات حماية الشعب باستخدام القوات الجوية العربية السورية هو احتمال ضعيف ولكنه يبقى وارداً. يجب على الولايات المتحدة أن تُنشئ تهديداً قوياً بغارات جوية ضد القوات الموالية للنظام لتشكيل رادع قوي لها.

 

المخاطر التالية لها تأثير على إجمالي حجم القوات اللازمة لمسار العمل المُقترح وعلى الوقت اللازم لتحقيق تقدم إلى ما بعد البوكمال:

- وصول قوات تنظيم القاعدة إلى دير الزور لخوض معارك ضد القوات الأمريكية. ترغب القاعدة في إعادة توحيد الحركة الجهادية العالمية، وبالتالي تظل هناك مساحة للتفاوض بينها وبين داعش. بالإضافة إلى أن القاعدة تُدين عملية العزم الصلب (OIR) وتصفها بأنها حرب ضد الإسلام السني. وعلى الرغم من الخلاف بين القاعدة وداعش إلا أن القاعدة قد تسعى إلى قتال القوات الأمريكية في جنوب شرق سوريا جنباً إلى جنب مع داعش. هذا الاحتمال يُعرض نجاح مسار العمل المُقترح للخطر لأن القاعدة لديها دعم محلي كبير في غرب سوريا وبإمكانها حشد الدعم ضد الولايات المتحدة، مما يقوض قدرة الولايات المتحدة على بناء قوة عربية سنية شريكة لها. يجب أن تكون الولايات المتحدة على استعداد لزيادة مخصصات الموارد للعمليات الجوية ضد تنظيم القاعدة واتخاذ إجراءات مباشرة لمنعها من شن هجوم قوي ضد قوات الولايات المتحدة في جنوب شرق سوريا إذا لزم الأمر.

- تسلل العناصر السلفية الجهادية إلى القوات العربية السنية المزمع بناؤها في دير الزور. من المرجح أن يحاول كل من تنظيم القاعدة وداعش التسلل وتخريب القوات العربية في دير الزور عندما تتحرك الولايات المتحدة قدماً في عمليات لاحقة. هذا الخطر كان موجوداً في جميع البعثات التدريبية الأمريكية في سوريا، ولكنه سيزداد عندما تُوسع الولايات المتحدة نطاق التجنيد والتدريب. يجب على الولايات المتحدة العودة إلى نظام الفحص الصارم للمقاتلين المقبولين في برنامجها على أساسٍ شخصي - بدلاً من فحص قائد الوحدة فقط - للتخفيف من هذا الخطر.

- دعم داعش لتمرد كبير في البوكمال التي تُسيطر عليها الولايات المتحدة. يمكن لداعش أن تضع استهداف القوات الأمريكية في البوكمال كهدف رئيسي لها، ربما تجعله أولوية لها تفوق دفاعها عن الموصل أو الرقة. يجب أن يكون لدى الولايات المتحدة القوة التقليدية الكافية والقوة الجوية ووحدات الدعم القتالية للدفاع عن البوكمال ضد هجمات داعش المستمرة أو ضد التمرد. يجب أن تكون مستعدة لتعزيز تمسك قواتها بمدينة البوكمال في حال كانت داعش قادرة على مواصلة التمرد. يجب أن تُعطي الولايات المتحدة الأولوية لجهود بناء شريك لها بسرعة من أجل إنشاء قوة سورية قادرة على تخفيف الضغط عن القوات الأمريكية من جهة وإضفاء الشرعية على الوجود الأمريكي من جهة أخرى.

- مهاجمة إيران للقوات الأمريكية في العراق. يمكن أن تُصعد العناصر المدعومة من إيران عملياتها ضد الوجود الأمريكي في العراق قبل بدء مسار العمل هذا أو حتى انتقاماً منه. وقد أوضح المتحدث باسم حزب الله جعفر الحسيني هذا الخطر عندما قال: "نعتبر أمريكا عدونا الأول، ومصدر كل الشرور على الأرض" وأضاف "إن المصالح الأمريكية في العراق تحت أنظارنا وفي مرمى نيراننا.... بإمكاننا استهداف قواعدهم متى شئنا". يجب على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة للدفاع عن قواتها وقوات حلفائها ضد الهجوم وأن تضع خطة طوارئ تكفل لها مواصلة العمل في عراق متنازع عليه (لم نأخذه بعين الاعتبار هنا).

- مهاجمة الميليشيات المدعومة إيرانياً للحكومة العراقية. يمكن للميليشيات الإيرانية أن تهاجم مؤسسات الدولة العراقية بدلاً من الخيار السابق للدفع بحكومة العبادي نحو الانهيار. من غير المرجح أن يُثير مسار العمل المقترح هنا ردة الفعل هذه مقارنةً بالسياسات الأمريكية الأُخرى ضد إيران في المنطقة، ومع ذلك فإنه من الخطورة بمكان ليبرر وضع خطة طوارئ له مقدماً، يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لدعم عمليات قوات الأمن العراقية للدفاع عن المناطق ضد الميليشيات الإيرانية بما في ذلك البرلمان العراقي والمنطقة الخضراء.

- انتقام عالمي على يد روسيا أو إيران. يمكن أن تلجأ إيران وروسيا للتصعيد ضد الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها حول العالم رداً على الإجراءات المقترحة في سوريا. من المرجح أن تلجأ إيران للتصعيد في الخليج العربي أو اليمن. روسيا بدورها ستصعد في أوكرانيا أو البلطيق. يجب على الولايات المتحدة أن تضع خططاً فرعية تشمل احتمالات أن تتطلب الردود الروسية والإيرانية تخصيصاً كبيراً للموارد الأمريكية أو تغييراً كبيراً في الاستراتيجية في الشرق الأوسط (لم تؤخذ بعين الاعتبار هنا).​

 

العمليات اللاحقة

يجب على الولايات المتحدة أن تبني على تدخلها في البوكمال، الذي لن يصمد منفرداً، بالطبع يجب أن تُجري الولايات المتحدة عمليات تحرير للقرى والمدن على طول وادي نهر الفرات من قبضة داعش ابتداءً من القاعدة الجديدة في البوكمال، وأيضاً عليها في نفس الوقت أن تضع في الاعتبار تحقيق بعض الأهداف متوسطة المدى في منطقة غرب سوريا بما في ذلك:

- توسيع نطاق حرية العمل في سوريا.

- الحفاظ على التشكيلات المقبولة من المعارضة السورية وتعزيزها.

- احتواء وتدمير داعش وتنظيم القاعدة في جنوب غرب سوريا.

- خفض التوتر بين تركيا والأكراد.

- على الولايات المتحدة والقوات المستعدة للتحالف معها القيام بالعمليات التالية بعد الانتهاء من خطوات مسار العمل المتعلق بالاستيلاء على البوكمال وتأمينها.

 

الخطوات التالية ضد داعش

- عملية تحرير حوض الفرات: العراق. يجب أن تعمل الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية على نشر وحدات قوات الأمن العراقية في الأنبار بعد الموصل، ويجب عليها أن تعمل مع هذه القوات أيضاً على السيطرة على مدينة القائم وبقية المناطق التي تُسيطر عليها داعش في حوض الفرات. يبدو أن العمل جارٍ على وضع التشكيلات القتالية من أجل عملية عسكرية قادمة لتحرير حوض الفرات منذ آذار 2017. في حال فقدان الولايات المتحدة لامتيازات قاعدتها في العراق وكانت الحكومة العراقية غير قادرة أو لا تُريد الشراكة مع الولايات المتحدة في عملية تحرير حوض الفرات فعلى الولايات المتحدة أن تضع في الاعتبار خُطة بديلة (لم تُؤخذ بعين الاعتبار في هذا التقرير).

- عملية تحرير حوض الفرات: سوريا. على الولايات المتحدة أن لا تبدأ بتجنيد وتدريب وتسليح قواتٍ مناهضة لداعش في دير الزور إلا بعد الاستيلاء على البوكمال وتأمينها وذلك لتجنب إرسال تحذير مسبقٍ للعدو عن العملية. ثم على الولايات المتحدة أن تعمل مع هذه القوات لتوسيع مناطق السيطرة من البوكمال باتجاه الرقة. ومع ذلك على الولايات المتحدة أن لا تتسرع في تنفيذ العمليات التكتيكية. يجب أن يكون بناء الشريك العربي السني هو المعيار المحدد لمدى التقدم. ومع زيادة المناطق المحررة من داعش على الولايات المتحدة أن تُنشئ قاعدة عمليات متقدمة واحدة أو أكثر إلى الشمال الغربي من البوكمال على امتداد وادي الفرات للحفاظ على زخم العمليات باتجاه الرقة.

- وضع خطط فرعية لهزيمة داعش في دير الزور.(لم تُؤخذ بعين الاعتبار في هذا التقرير). إن متطلبات عملية عسكرية لاحقة تهدف لهزيمة داعش في دير الزور ستعتمد على الوضع هناك بعد استعادة البوكمال وعلى نتائج مسار العمل الأمريكي بما في ذلك سلوك الجهات الفاعلة الأخرى في ساحة المعركة.

- التوسط في صفقة بين أردوغان وحزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب. يجب على الولايات المتحدة أن تعمل على إنجاز مثل هذا الاتفاق بعد أن تكون قد أسست لها قاعدة مستقلة في البوكمال. من الممكن أن تعرض الولايات المتحدة إنشاء قوة مراقبة دولية أو بعثة مراقبة متعددة الأطراف مثل القوة الثلاثية الأمريكية العراقية الكردية المستخدمة على طول الحدود الداخلية المتنازع عليها في العراق عام 2009.

- يجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تحث أردوغان في نهاية الأمر على التخلي عن اعتبار المجموعات السلفية الجهادية شركاء له في سوريا. يجب على الولايات المتحدة أن تطلب انسحاب الجماعات السلفية الجهادية مثل أحرار الشام من الأراضي التي تحتلها تركيا كشرط في أي صفقة محتملة.

- إن هزيمة داعش على طول حوض الفرات لن تقضي على التنظيم تماماً. تُسيطر داعش على مناطق في جنوب غرب مدينتي الرقة ودير الزور بما في ذلك دمشق، وتقوم بعمليات هجومية ضد قوات النظام وحلفائها في شمال دمشق. ومع ذلك فإن هزيمة داعش على طول حوض الفرات من شأنه أن يقلل القدرة القتالية للتنظيم. ستحتاج المراحل اللاحقة التي فصّلنا بعضها أدناه إلى تعزيز القوة الشريكة المحلية الجديدة في جنوب شرق سوريا وربطها مع عناصر المعارضة الأخرى المقبولة من الولايات المتحدة وذلك بغرض بناء شريك أكبر وأقوى وأكثر قدرة على مواجهة داعش والقاعدة.

 

الخطوات التالية في جنوب سوريا

على الولايات المتحدة أن تُنشئ منطقة حظر جوي كامل على طول الحدود السورية الأردنية وذلك للأسباب التالية:

- إظهار التزام الولايات المتحدة بمعالجة مظالم السكان الخاضعين لسيطرة الجماعات الجهادية.

- تحفيز وتمكين جماعات المعارضة الصديقة من هزيمة تنظيم داعش والقاعدة في المنطقة.

- منع قوات النظام وحلفائها من إعادة التركيز على الجنوب.

- منع الحرس الثوري الإيراني من حشد قواته في الجولان.

- إعادة توطين اللاجئين السوريين الذين كانوا في الأردن.

- التوسط وفرض وقفٍ حقيقي لإطلاق النار في جنوب سوريا كتدبير يهدف إلى تهيئة الظروف من أجل حل سياسي يضع حداً للحرب في سوريا في نهاية المطاف.

- إن منطقة حظر الطيران ضرورية ولكنها غير كافية من أجل تحفيز وتمكين جماعات المعارضة المقبولة في سوريا من تدمير داعش وتنظيم القاعدة في المنطقة. يجب على الولايات المتحدة فوق ذلك أن توفر المزيد من الأسلحة والتدريب لهذه الجماعات لتمكينها من النجاح في الحرب ضد الجماعات الجهادية بينما تدافع في نفس الوقت ضد هجمات قوات النظام. يجب أن يكون الدعم مشروطاً باستعداد هذه الجماعات للالتزام بوقف إطلاق النار مع قوات النظام.

- على الولايات المتحدة أن تحاول الجمع بين القوة الجديدة في البوكمال والمقاتلين الحاليين الذين تدعمهم في جنوب سوريا لإنشاء شريك واحد قادر على تأمين المناطق من الجهاديين والدفاع ضد هجمات القوات الموالية للنظام ودعم تسوية سياسية للأزمة السورية.

- يجب على الولايات المتحدة أيضاً تحديد الفرص واستغلالها على مسرح الأحداث. قد يترك نظام الأسد أو تنظيم القاعدة فرصةً للولايات المتحدة لتستغلها وتُعيد تقييم الأوضاع بعد أن يتخذ أحدهما قراراً بالرد على استيلاء الولايات المتحدة على البوكمال. قد تتضمن مثل هذه الفرصة أهدافاً مهمة لتنظيم القاعدة أو نقطة ضعفٍ في نظام الأسد تسمح للولايات المتحدة بالضغط على الرئيس السوري بشار الأسد ودفعه للتفاوض. ينبغي أن تكون الولايات المتحدة على استعداد لاستغلال تلك الفرص، التي من المرجح أن لا تدوم طويلاً.

 

الوضع النهائي

يجب أن تهدف العمليات العسكرية الأمريكية إلى وضع حل سياسي للنزاع. يجب علينا أن نرفض ونعارض جهود نظام الأسد وروسيا وإيران لفرض تسوية بالقوة على المعارضة التي لا ترغب بذلك. إن أي حل من هذا النوع سيكون مؤقتاً فقط وسيعزّز من فكرة الهجوم الوجودي العالمي الذي يستهدف الطائفة السنية، مما يخلق بيئة أكثر خصوبة تساعد تنظيم داعش والقاعدة على تجنيد الشباب في جميع أنحاء العالم.

إن إيجاد حل سياسي يعني أن تجري المفاوضات في نهاية المطاف. ولكن لا يمكن للمفاوضات أن تنجح إلا إذا تهيأت الظروف وخاصة العسكرية منها بشكل صحيح. إن دراسة أوجه النجاح والإخفاق في الجهود الرامية إلى حل الصراعات الأخرى التي بدت مستعصية على الحل قد أسفرت عن مجموعة من الدروس المستفادة التي ستساعدنا على تهيئة الظروف الأولية وإنجاح المفاوضات ذاتها. ولذلك فقد أوضحنا في تقرير سابقٍ من هذه السلسلة الحدَّ الأدنى من المتطلبات اللازمة لحل هذا الصراع بما يتفق مع أمن ومصالح الولايات المتحدة وهي:

- تدمير داعش والنصرة والجماعات السلفية الجهادية في سوريا.

- تحديد وتعزيز ممثلي المعارضة السورية الفاعلين (من السنة في الغالب)

 

  • تسهيل التفاوض على التسوية بين النظام السوري والمعارضة ويتضمن ذلك:

    أ-إصلاح أساسي في أجهزة الأمن السورية

  • ب- تغيير كامل للنظام بما يتفق مع رغبات جميع المجموعات السكانية الرئيسية
    • ت- اتفاق متبادل على مقاييس المُساءلة والعفو

    • ج- آليات نزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم في المجتمع

    • ح- انسحاب القوات العسكرية الأجنبية واستبدالها أو إعادة تنظيمها

    • خ- إعادة توطين اللاجئين​

    • الحصول على القبول الإقليمي للحل السياسي ونتائجه.

  • إنشاء آليات لتحقيق السلام.

  • إعادة بناء مؤسسات الدولة بما في ذلك خدمات الأمن الفعالة.

 

الحد الأدنى من المتطلبات اللازمة لتحقيق نتيجة مستقرة في العراق هي:

- التأكد من أن قوات الأمن العراقية كبيرة وقادرة ولديها الدوافع اللازمة لضمان بيئة آمنة ومستقرة في العراق وتعمل تحت قيادة وسلطة الحكومة العراقية الرسمية.

- إخضاع قوات الحشد الشعبي لعملية نزع سلاح وتسريح وإدماج، وإدخال عناصرها تحت سيطرة الحكومة العراقية، وإبطال مفعول الجهود التي بذلتها إيران من أجل تحويل هذه القوة إلى عميل إيراني أو قوة طائفية إثنية أو حزبية مسلحة.

- تسهيل تشكيل حكومة ذات شرعية وتمثيل وفعالية كافية في الانتخابات المحلية والبرلمانية القادمة يجب أن تكون هذه الحكومة محايدة أو تستجيب للنفوذ الأمريكي وترفض التدخل الإيراني.

- ضمان وصول العراق إلى الحد الأدنى من الجدوى الاقتصادية لدعم شرعية الحكم والتمثيل الشعبي.

- تسهيل عملية إعادة الإعمار والمصالحة الكافية للسماح بعودة اللاجئين.

يُركز مسار العمل المقترح في هذا البحث أولاً على أهم المتطلبات وهي إيجاد وتقوية الممثلين السنيين الذين يمكن التفاوض معهم على تسوية مقبولة ودائمة. لقد حظي هذا الشرط بأقل قدر من الاهتمام من الاستراتيجية الأمريكية ولم تكن جهودنا ناجحة حتى الآن ولكنه مع ذلك هو الأكثر أهمية.

ما لم تنشئ قيادة سنية يراها المجتمع السني العربي ذات شرعية وترفض هي كلاً من داعش والقاعدة فإن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على تحقيق أهدافها أو تأمين شعبها.

 

خاتمة

يجب أن يواكب صناع القرار الأمريكي التغيرات التي تحصل على الساحة العالمية. تواجه عملية وضع وتنفيذ سياسات سليمة الكثير من التحديات مع بذل أعداء الولايات المتحدة الأمريكية لمزيد من الجهد من أجل تسريع انهيار النظام العالمي. يجب أن يرقى قادة الولايات المتحدة إلى مستوى التحدي. على الولايات المتحدة أن لا تسمح لزخم الأحداث الحالية بدفعنا إلى الأمام. كما علينا أن لا نسمح لطرق التفكير القديمة أو الاختلافات السياسية بالتشويش على نقاشنا حول ما هو مطلوب حقاً لتأمين حياة الشعب الأمريكي وازدهاره وطريقته في الحياة. ستفشل الاستراتيجية الأمريكية في الأمور الثلاثة السابقة معاً. وقد لا تكون عواقب هذا الفشل فورية ولكنها ستستمر.

إن تكلفة احتواء هذا الفشل ستتجاوز بكثير تكلفة الإجراءات التصحيحية الفورية المقترحة. التغيير ضروري ولكن فُرص التغيير ستستمر بالتضاؤل طالما بقيت الولايات المتحدة تنتظر دون أن تتصرف. سيكون ذلك صعباً. ولن يكون طريق النصر في سوريا والشرق الأوسط ذا خط مستقيم. سيتطلب ذلك إعادة التقييم والتكييف مراراً. وستكون هناك خسائر ونكسات، ولكن النجاح ممكن.

إن الولايات المتحدة هي الجهة الفاعلة الوحيدة القادرة على تأمين مصالحها. وهي أيضاً الجهة الفاعلة الوحيدة القادرة على توفير القيادة المطلوبة لعكس الاتجاهات السلبية في المنطقة. وحدها الولايات المتحدة لديها الموارد والقدرات اللازمة لوضع الشرق الأوسط على طريق الاستقرار وخلق شركاء في المناطق التي نواجه فيها الآن أعداءً. لقد حان الوقت لنعقد العزم على ذلك.

 

 

 

 

 

علِّق

المنشورات: 104
القراءات: 850158