عدد القراءات: 5652

المسلمون وهل انتهت صلاحية دينهم !!!


حتى هذه اللحظة يسجل المسلمون انسحاباً  من منتدى الحضور الفاعل في الحياة العالمية الراهنة؛ فثمة حيثيات متشابكة في بلاد العرب والمسلمين  تجمع بين التخلف العام والاستبداد السياسي؛ والمهانة والقصور في استخدام التقنية وفك شيفرتها؛ ويضرب المسلمون مثالاً واضحاً ومقنعاً على التقهقر العام؛ وفقدان الشرعية السياسية و الهوية المجتمعية  والروابط المتجذرة .
هذه المظاهر  وغيرها أسهمت في ترابط موجع بين المسلمين وبين الجهل والتخلف؛ فحتى دينهم لم يعد عنصراً أساسياً في بناء المجتمعات بل حول كثير من المسلمين (الدين)  إلى أداة تخريب وتدمير.
وعلى الرغم من كون (الدين) يمثل تاريخاً وتراثاً لشعوب المنطقة إلا أنه وبفعل المسلمين وليس بسبب الاسلام  فقد الدين  ألقه في الداخل أيضاً ؛ ولم يحسن المسلمون  عرضه في الخارج ولا  حتى المحافظة عليه في  عمق ديار العرب والمسلمين.


وقع الإسلام في رهق متعدد؛ تجلى في: 
[ قصور الأتباع ؛ والاساءة في التعريف بالإسلام،  وقوة  وتفوق غير المسلمين ]...
فالإسلام في عقلية الكثير من الأبناء إما [منقوص الفكرة]؛ أو يتم [ الصمت عن معناه الكامل] وهو ما يمكن تسميته ب[التبعيض].
التبعيض علة وآفة  تصيب المتدينين، {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)} (البقرة:85).
ولأن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)  كما يقول علماء الأصول  أي: إذا ورد لفظ عام وسبب خاص، فإنه يحمل على العموم، ولا يختص بالسبب؛ فكل عامٍّ ورَد لسبب خاص - من سؤال أو حادثة - فإنه يُعمَل بعمومه، ولا عبرة بخصوص سببه.
يفسر الإمام الآلوسي هذه الآية  : أفتؤمنون ببعض كتاب العقل والشرع قولا وإقراراً وتكفرون ببعض فعلاً وعملاً فلا تنتهون عما نَهَاكُم عنه) ج1/ص  314
ان مرض التبعيض غير مخصوص بأمة سابقة وبشريعة ماضية؛ وان عذاب من ارتكب تلك العلة ( الذلة والافتضاحفي الحياة الدنيا ) المصدر السابق .

جدلية التقهقر وارتباط ذلك بتزوير الدين ينبغي أن يسلط  الضوء عليها، لما يلحق ذلك مِن أضرار على الحياة العامة وعلى الدين أيضاً .
ولعل من أعمق ما طرحه سيد قطب قوله :
(إن الإسلام كل لا يتجزأ فإما أن يوخذ جملة و إما أن يترك جملة، أما أن يُـستفتى الإسلام في صغار الشؤون، وأن يهمل في الأسس العامة التي تقوم عليها الحياة والمجتمع، فهذا هو الصغار الذي لا يجور للمسلم – فضلاً عن عالم الدين – أن يقبله للإسلام، إن جواب أي استفتاء عن مشكلة جزئية من مشكلات المجتمعات التي لا تدين بالإسلام، ولا تعترف بشريعته أن يقال: حكـّموا الإسلام أولا في الحياة كلها ثم اطلبوا بعد ذلك رأيه في مشكلات الحياة التي ينشئها هو، لا التي أنشأها نظام آخر مناقض للإسلام) .
وعلى العكس مما علق الاستاذ احمد الريسوني حول هذه العبارة حيث قال (والحقيقة أن هذا التفكير وذاك الشعار الذي يغذيه، إنما ينبثقان من تفكير سياسي بحت، ليس من الإسلام وأدلته في شيء.
فالإسلام جاء بفعل الخير وطلب الإصلاح بأي درجة كانت، وفي أي ظروف سنحت، ولم يشترط حتى على الأنبياء ألا يقيموا الإسلام في الناس حتى يقبلوه كله ويكون تطبيقه عليهم كاملا، بل كان شعار الأنبياء جميعا هو قوله تعالى: «إنْ أرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطعْتُ» (هود: 88)، وهو الشعار الذي عمل به يوسف، عليه الصلاة والسلام، حين وُلِّي منصبا قياديا في نظام غير إسلامي، ونفذ من خلاله خطة جزئية للأمن الغذائي، وهي مفصلة في سورة يوسف)...
ان كلام الاستاذ قطب ينطر الى عمق الأزمة، ولا يمتع الجهد الاصلاحي من التراكم، ولكن لا يمكن في عملية الإصلاح ان يحمل الاسلام أوزار الفشل السابق وان يزج في مساومات تفقده هيبته وكلمته...

ارتطم الاسلام  وبسبب قصور المتدينين في محنة (التبعيض)؛ أي تجزئة الاسلام؛ ولم يقدم الإسلام في صورة شاملة تعالج الخلاص الفردي والإصلاح المجتمعي ؛ وحتى عبادات الاسلام اقتصرت على تفسيرات جزئية تمس العالم الاخر( يوم القيامة )  ؛ ولا تلامس الواقع المعاش إلا نادراً...
(الصيام)  تم اختزال مقصده  على أنه طهارة وتقوية لأحاسيس المؤمن وشعوره بالفقراء؛  وهذا جزء من معنى الصيام ولكن غاب عن المبعضين  أن الصيام ارتباط بمفهوم الوحدة المجتمعية الذي يكرس مصلحة عامة والتزاما بها وأول المصالح المجتمعية  وجود حكم سلطة جامعة وعادلة تضبط وتنظم سير ومسيرة المجتمع .
ولأن العبادات مثل سلسلة واحدة فقد فسرت عبادة الصلاة غايتها  في قوله تعالى: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت:45)، روى ابن أبي شيبة (13 / 298) بسند حسن عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مسْعُود رضِي اللهُ عَنْه قَالَ : " لاَ تَنْفَعُ الصَّلاَةُ إِلاَّ مَنْ أَطَاعَهَا "
يقول الامام ابن عاشور فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر ، فإن الله قال ( تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) ولم يقل تصد وتحول ونحو ذلك مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر .

ثم الناس في الانتهاء متفاوتون ، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل ، ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ . وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس ، وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة لها .
ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة ، يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.
روى أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق ، فقال : ( سينهاه ما تقول ) أي صلاته بالليل .

واعلم أن التعريف في قوله ( الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) تعريف الجنس ، فكلما تذكر المصلي عند صلاته عظمة ربه ووجوب طاعته ، وذكر ما قد يفعله من الفحشاء والمنكر ، كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء والمنكر " انتهى .
"التحرير والتنوير" (20 / 178-179)
فعبادة الصلاة  تعني تحرير المسلم من المنكرات الفردية والفواحش الجماعية و من المفاسد الاقتصادية والمنكرات السياسية والنفسية والاجتماعية والأخلاقية  ورأس المنكرات الفساد الَذِي يصيب  الرأس السياسي وذلك  بضياع خدمته للشعب ضياع الدين والدنيا فيكون قد تأصَّل الفحش والمنكر   ...
والصلاة تحولت بفعل التبعيض من عبادة وشعيرة إلى طقوس!!!
ان السلطان المستبد أقر بفتح المساجد وسمح بالصلاة ولم يمتنع عن الصلاة أيضاً وصور نفسه على انه يبكي ويعتمر ويصلي أيضاً لكنه منع ان نقول إن  لفظة الاذان الاولى  ( الله اكبر ) تعني لا مواطن صغير في مجتمع يحكم بالعدل الكبير ...
وحصرت الصلاة في فكرة جزئية فحسب تعنى بالظاهر  ( افعال مخصوصة تبدأ بالتكبير وتحتم بالتسليم) ان فكرة التبعيض تحصر الاسلام في صور ضيقة تتنافى مع معنى الاسلام الذي أقام دعائمه على حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة.
إن التبعيض أوصل الاسلام الى مأزق خطير  ليس بسبب نصه بل بسبب فهوم المسلمبن التي كانت تراعي الواقع على حساب فكرة الاسلام العامة .
لقد أشاع الكثيرون ان التخلف مرهون بالإسلام؛ بل حتى ان البعض تساءل لماذا يتحدث المسلمون عن دينهم أكثر من كل اهل الارض ومع هذا فهم من اكثر اهل الارض تخلُّفا  
يلفت الشهيد القائد عبد الرحمن الكواكبي الى ناحية مهمة وهي ان الدين لا يملك عصى سحرية تحول الواقع الى عالم مثالي ، بل انه جهد يبدأ بصلاح النفس وينتهي باصلاح المجتمع يقول الكواكبي (  نعم! الدين يفيد الترقّي الاجتماعي إذا صادف أخلاقاً فطرية لم تفسد، فينهض بها كما نهضت الإسلامية بالعرب، تلك النهضة التي نتطلبها منذ ألف عام عبثاً.
وقد علَّمنا هذا الدهر الطويل –مع الأسف- أنَّ أكثر الناس لا يحفلون بالدين إلا إذا وافق أغراضهم، أو لهواً ورياءً، وعلمنا أنَّ الناس عبيد منافعهم وعبيد الزمان، وأنَّ العقل لا يفيد العزم عندهم، إنما العزم عندهم يتولّد من الضرورة أو يحصل بالسائق المجبر. ولا يستحي الناس من أن يُلزموا أنفسهم باليمين أو النذر. بناءً عليه؛ ما أجدر بالأمم المنحطّة أن تلتمس دواءها من طريق إحياء العلم وإحياء الهمة مع الاستعانة بالدين والاستفادة منه بمثل: إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ، لا أن يتَّكِلوا على أنَّ الصلاة تمنع الناس عنهما بطبعها.) من تعاليم القائد الشهيد ص ٣٢ .
إن فكرة التبعيض، وقصور الاتباع عن فهم معالم وملامح الاسلام   جعلت الاسلام يحيا في جانب واماتته في جوانب عدة وهذا ما أرهق الاسلام حقاً وشوه الصورة الكاملة له ...


..... يتبع

علِّق