عدد القراءات: 2166

هوية ما بعد الاستقلال

استمرت شعارات الوحدة العربية في شغل كل الإذاعات والصحف الحكومية في الوقت التي كانت الهوية المحلية لتلك الأوطان الفتية ما زالت تتكون. لقد حاولت كل من هذه الدول الفتية مد يدها في جعبتها التاريخية واستخراج ما يجعلها مترابطة وقديمة وأصيلة بالرغم من كل التفاوت الديني والجغرافي والثقافي بين مدنها وغياب أي تجارب مشتركة حقيقية بين مكونات شعبها.

 

استثمرت الدول الناشئة في محاولة تكوين الهوية الواحدة عبر التعليم والقوانين والإمساك بوسائل الإعلام، إلا أن نقص الخبرة وغياب الرؤية الجماعية والتعددية في تلك الحكومات؛ مضافا إليه الكمية الهائلة من المظلومية التاريخية والحديثة للأقليات والمخالفين أدت إلى خلق هويات فرعية جديدة في تلك المناطق بدلا من خلق هوية عامة جامعة لكل الفئات في كل دولة.  هذه الهويات الفرعية الجديدة رأت في أنظمة الحكم الجديدة صورة مكررة من المستبد القديم، وكان عليها من جديد أن تعيد صياغة تعريف هويتها وجماعتها.

من المفارقات الغريبة أن كل تلك الحركات التحررية التي تنجح في القضاء على المحتل ما تلبث لان تعيد انتاج نظامه الفكري والإداري والسياسي من جديد. الأمير الجديد حامل لواء الثورة العربية الكبرى يرتدي ثياب السلطان الذي ثار عليه. حركات التحرر العربية التي انطلقت للحفاظ على الهوية واستقلاليتها تكمل ميرة تعليمها "العربي الحر" بذات الكتب والمناهج وتحكم المدن التي حررتها من عسكر لتعيد حكمها بعسكر يرتدون ذات الألوان ويحمبون ذات الأسلحة والعقليات. إن تجربة الاخوان المسلمين وأحزاب المعارضة في دول الربيع العربي شاهد آخر على هذه الدورة العبثية من التكرار والاجترار الفكري دون أدنى تمحيص.


بالرغم من كون الأمر مفاجئاً للكثيرين إلا أنه نتيجة متوقعة من المعطيات المقدمة. لقد ركزت الغالبية العظمى من هذه الحركات التحررية على نواة أيديولوجية اقرب للعقدية منها للفكرية. استثمرت هذه الحركات جهدها ووقتها في التجييش ضد المستعمر أو المستبد ولم تصرف أي جهد في تعريف مطالبها وأهدافها. اكتفت ببعض الشعارات الرنانة التي ناسبت المزاج العام لمجتمعات لم تضطر يوما لاتخاذ قرار وتحمل تبعاته بل قضت قرونا طوال يفعل به ما يشاء دون أدنى ممانعة أو مساءلة.  لم تكن هناك منظومة فكرية فريدة مجهزة مسبقاً لتحل محل المنظومة المنقلبة عليها. من الرؤية الاستراتيجية إلى الأهداف قصيرة المدى وطويلة المدى إلى القوانين والقواعد والدساتير؛ تهمل كل الحركات التحررية كل ما سبق ذكره وتقوم بالتسديد على هدف واحد هو قلب نظام الحكم. ما يأتي بعد نجاح المرحلة الاولى لا يأتي بشكل مفاجئ؛ بل إن تلك التحديات هي أساس الثورة وسببها المباشر. الانطلاق من نقطة الهوية السلبية (الهوية المبنية على رفض الشيء كهوية معاداة الامبريالية) دون بناء هوية ذاتية لها منطلقاتها وأسسها سينعكس سلباً على طابع الدولة الحديثة وبنيتها و آليات إدارتها.
حالة الفراغ التي خلقتها الهوية السلبية للأمم المتخلفة أثناء نضالها نحو التحرر سيقودها إلى ملئ هذا الفراغ بسرعة فور انتهائها من مهمتها الأولى في انهاء التبعية وإسقاط حكم ما. وستكون أسرع الطرق وأسهلها هي اجترار ما كان موجوداً في تلك المنظومة بحرفيته وعنصريته. تتجمل الدساتير بمصطلحات جديدة ويبقى القانون هو ذاته. تتعرب المناهج لتبقى القيم غريبة والعلوم منفصلة عن المعارف. من نظام المرور إلى نظام التسجيل العقاري إلى قوانين الصيرفة والقضاء؛ آلاف الملفات التي يجب على الحكومات الفتية الإتيان بما يملؤها. وباجترار المنتج السابق يتكرر الظلم السابق على أيديهم. وتقضي تلك الحكومات وقتها وجهدها في الدفاع هذه المنظومة المعادة التدوير ومن ثم القتال دونها. لا يمكن انتاج بديل لإرث بني على مدى عقود أو قرون في خلال شهور قليلة.


ضعف التعليم و غياب الفكر والانغلاق على الذات ومحاربة ما هو جديد وغريب؛ كل تلك هي سمات الحالة الفكرية للأمم المتخلفة. تخرج من تلك الأمم ثورات تقدم الآلاف من الأوراح قرابين للخلاص ولكنها تبقي على مقتلها الذي كان سبب فشلها وانحطاطها في المقام الأول. تلك الحالة الفكرية لا تستطيع الرؤية أبعد من مسافة يومها الحالي. تؤمن بالتواكل وتطرب بالترنح في رياح التغيير التي تعصف حولها دون أن تحصد منه سوى الدمار. إنه الإفلاس الفكري ما يعيد تلك الأمم إلى نقطة أقرب للبداية في نهاية كل جولة وتغدو تضحياتهم بلا أي معنى ودون أي نتيجة حقيقية. شيئا فشيئا يتكشف للعامة هذا الفقر و يتضح أن ما ينظرون إليه في الهوية الجديدة إنما هو إعادة ترتيب للهوية القديمة. والعرف الاجتماعي الجديد تم توزيعه هو ذاته مرة أخرى، ومرة أخرى تلقى لهم هوية العبيد فيما يرتقي على أكتافهم المستبد الجديد.

علِّق