عدد القراءات: 2745

النهضة الأوروبية من الدم إلى الحلم....هل سنعيش نهضتنا-1 .؟

سادت الحروب ذات الطابع الديني أوروبا في القرون الوسطى، حيث كان الدافع الرئيس لهذه الحروب منطلقاً من اختلافات دينية تم توظيفها بشكل سياسي لتكون قضية شعبية يموت دونها الكثيرون دون تردد.

دخلت أوروبا القروسطية في ثورة فكرية ضد السلطة الدينية الحاكمة وعاشت زمن عصر النهضة رحلة دموية نحو التنوير والخلاص من الإرث القديم، استمرت ثلاثة قرون قتل فيها الأوروبيون من بعضهم الملايين على خلفيات دينية وعرقية. كانت هذه العوامل ذاتها التي قادت القارة العجوز لدخول الحروب السابقة التي لم يعتبر ملوك وحكام أوروبا منها، من رحم تلك الفترة الدموية ومن أشلاء الإنسان "الهمجي النبيل" خرج فكر تنويري سلط الضوء على الأصالة ومميزات الانفصال عن الماضي.

كان عصر التنوير وما أنتجه من أفكار حداثية عقلانية وليد تجربة النهضة التي انطلقت من فلورنس لتجتاح القارة القديمة، وشكلت تلك الحقبة ملهماً لعدد من الثورات الاجتماعية والسياسية شهدتها أوروبا لقرون طويلة أسفرت عن قيام الدولة الحديثة. ارتكز قيام هذه الدولة على وجود بيروقراطية وقيام جيش كمؤسسة قوية ومتمتعة باستقلال نسبي للمرة الأولى في التاريخ، وقد ساد جو من العقلنة في التنظيم جعل قرارات الحرب والسلم براغماتية للمرة الأولى. وشهدت القارة الأوروبية لأول مرة تراجعاً في حروبها الداخلية والأهلية التي كانت في السابق تحصد أي بشائر مستقبل مبشر قبل أن يولد، سرعان ما تخلق في أوروبا عقب مخاض حقبة التنوير قوة عسكرية متفوقة غذت طموحاً استعمارياً قديماً؛ نقل عيونها مرة أخرى إلى خارج حدودها الجغرافية، أعادت أحلام التوسع إلى أذهان الأوروبيين أمجاد اليونان والرومان القديمة، وموجهاً طاقة هذه الأمم نحو الخارج  بدل دول الجوار التي بدأت تتبادل السفراء والممثليات وتوقع الاتفاقات التجارية والهدن العسكرية. وفي حال كان هنالك داع للمواجهة بين تلك الممالك أصبح لديها ساحة مفتوحة خارج حدودها تضمن للطرفين الحد الأدنى من الدمار الداخلي العمراني والسياسي. استفادت أوروبا من الفجوة التي تكونت بينها وبين أمم أقل تطوراً لتعيد الدورة الاستعمارية مرة أخرى وتغزو عوالم وأصقاع لم تصلها قبل ذلك.

كسابقاتها من الأمم المستعمرة؛ كان تركيز الامبراطوريات الأوروبية وقتها على زيادة مواردها المالية ما أمكن، وفرض سيطرتها العسكرية على أكبر مساحة من الأراضي في أصقاع الأرض. تعاملها الفوقي مع تلك الأمم وتركيزها على بناء مركزها الباهظ الكلفة قد ساهم في تكرار مأساة أوروبا القورسطية الفكرية والاجتماعية في أفريقيا والشرق الأوسط والشرق الأدنى والأقصى؛ بل وجاوزه ليصل إلى قارات العالم الجديد لتحدث فيه تدميراً لم يشهد له التاريخ الاستعماري مثيلاً من قبل من حيث الأثر المادي أو الثقافي على الأمم المحتلة. وبدأ العصر الذي شرعت فيه البشريه بخلق هوة متزايدة في الاتساع بين الأمم السابقة واللاحقة حيث خلق هذا الاستعمار عالمين متوازيين، يعيش أحدهما في ظل دولة حداثية ونهضة علمية بينما يفرض على الآخر العيش في العالم القديم تحت أقدام ملكيات بالية وظروف اجتماعية وفكرية مقفرة. كان الاستعمار القديم بشكل عام مصوباً نحو فرض طابع ديني ثقافي وعمراني موحد بين عاصمة المحتل وأطراف الممالك التي يحتلها. فترى المدرجات والمعابد الرومانية تنتشر عبر حدود سيطرة تلك الامبراطورية بشكل متناسق، وترى التنظيمات الإدارية والعسكرية موحدة عبر كل الولايات الخاضعة لسيطرة تلك السلطة. في المقابل ركز الاحتلال الأوروبي للعالم القديم والحديث على إبقاء فوارق شاسعة بين مراكز تلك الامبراطوريات المتمثلة في الدولة الأوروبية الأم وبين الممالك القاصية التي احتلتها، مستفيدة من إبقاء تمايز ديني وثقافي لغوي بينهما والذي ساعده وجود بعد وانقطاع جغرافي بين مركز الامبراطورية وتلك المستعمرات. ومع تقدم الوقت ازدادت تلك الفجوة اتساعاً زاد في وطأته استمرار العرف القديم في السرقات الممنهجة للموارد الطبيعية والبشرية من الدول المستعمرة نحو الدول الغازية.

جاء العصر الصناعي الأوروبي ليسارع وتيرة بناء الفجوة بين العالم المقهور الرازح تحت الاحتلال وبين العالم المستعمر. استطاعت أوروبا من خلال تدفق الثروات والخبرات من مستعمراتها تحقيق نمو مطرد وقدرات علمية وعسكرية وسياسية واجتماعية سخرتها لزيادة قدرتها على تسريع ذلك النمو وزيادة قدرتها على السيطرة على العالم المستعمَر وزيادة اهتمامها بموارده الطبيعية. رافق العصر الصناعي تبلوراً مهما لبنية الدول الحديثة في الغرب المتقدم مؤسساتها وقوانينها في وقت كانت ترزح الدول المحتلة تحت إدارة خارجية وحكم قبلي أو عرفي وسرقة ممنهجة للثروات يشرف عليها أبناء القبيلة مقابل حصة بسيطة يتلقفونها من أيدي المستعمر. وبدأ الفارق بين العالم المتقدم والمتخلف يظهر بشكل جلي واستمرت الهوة بالاتساع لقرن أخر حتى حلت حقبة التحرر من الاستعمار. لم تخلق هذه الهوة من التقدم السريع للدول الغازية وتفوقها العسكري الذي حقق لها تقدماً اقتصادياً وبنيوياً فحسب، بل أتى على حساب خلق حالة تخلف وتراجع في الدول المحتلة تم تعزيزه عبر الإفقار الممنهج وسحب كوادر البلد المحتلة بذات الاتجاه الذي تذهب به مواردها الاقتصادية، مما خلق فقراً في الكوادر البشرية والخبرات في البلاد المحتلة إضافة إلى فقرها لملكية الموارد ووسائل الانتاج الاقتصادية. 

خلقت الفوارق الفكرية والثقافية قطبية خطيرة أثرت بشكل هدام على المفكرين والعقلاء وحتى التقنيين الذين قدر لهم أن ينتموا لدولة محتلة، حيث يرون مظاهر تقدم واضحة في محتلهم بينما يعيشون واقعاً فكرياً متدنياً في بلادهم الأم. نجد في بداية عصر الاستعمار كيف أن البحارة والأطباء العرب والمسلمين الذين لم يعد بمقدور بلادهم الاستفادة منهم والذين لم يستطيعوا الالتحاق بالمجتمعات الأوروبية الرافضة لكل من هو غريب؛ نجدهم وقد انضموا إلى سفن المستكشفين وتجار الذهب والعبيد بحثاً عن عالم أفضل وهرباً من واقع مؤلم حل في بلادهم الأم. هذا النزوح الذي لم يكن له وجهة معينة بل كان أقرب إلى الهرب من واقع مفروض فرضته القطبية التي بدأت تتنامى وتتمايز في العالم بين دول الحداثة الاستعمارية والدول والممالك المحتلة.

لقد خلقت حركة نزوح النخب الاجتماعية من المجتمعات والأمم المحتلة حالة فراغ لم تعطل بها عملية التنمية الاقتصادية فحسب بل ساهمت في تعطيل حركة التنمية الاجتماعية والسياسية والفكرية. إن عملية التنمية الاقتصادية  –القادرة على رفع مستوى المعيشة إلى الأعلى- لا بد لها من توفر أشخاص لهم القدرة على هذا، المنظم لا يضبط فقط حركة التنمية الاقتصادية فحسب بل يمتد تأثيره على حركة التنمية الاجتماعية وينعكس على البيئة السياسية الحاكمة.

بحلول النصف الثاني من القرن العشرين وفي ضوء حركات التحرر من الاستعمار ونشوء الدول الجديدة بدأت مجتمعات ما عرف بالعالم الثالث بمواجهة مشكلات حضارية لم تكن قد تطرقت إليها خلال القرون السابقة. لم يكن لدى المتحررين الجدد إدراكاً لتحديات ما بعد التحرر السياسي الذي كان جل تركيزهم وهدف كل ما يعملون. في اليوم التالي من التحرر ظهرت أمامهم مئات الملفات التي لم تكن حتى في حسبانهم، وكان الكثير منها أهم من التحرر السياسي وبالتأكيد أصعب حلاً وإدارة منه. تنوعت هذه القضايا من الاقتصاد والصناعة مروراً بالصحة والتعليم والمرافق العامة ووصولاً إلى إشكاليات البنية السياسية والاجتماعية. كان على هذه الدول الفتية الإتيان بحلول سريعة تسد تلك الهوة السحيقة في البنية التحتية كما في البنية الحضارية لتلك المجتمعات- ما خلق مقاربات فريدة لهذه المشكلات، تبلورت لاحقا لتكون ما عرف بعلم اقتصاد التخلف وعلم اجتماع التخلف. وبينما تفاوت مستوى الاهتمام ببناء البنى التحتية والمؤسسات التي تعمل على حل تلك الإشكاليات الناشئة في هذه الدول الحديثة، فإن الاهتمام بالمواطن والعنصر الإنساني ظل منعدماً بشكل متساوٍ بين دول الشرق الأوسط خصوصاً وبين دول العالم الثالث بشكل عام.

كما مجتمعاته ومؤسساته فإن إنسان أي مجتمع يتبع لمنظومة التخلف والتطور ذاتها بل ويحتاج -كما تلك المؤسسات- إلى جهد حثيث في تطويره وبنائه. بل إن تنمية هذا العنصر الإنساني تفوق أهمية التنمية الاقتصادية والسياسية وحتى الاجتماعية. فمهما لمع بريق المشاريع التنموية وعظمت إمكاناتها وتكلفتها فإنها لن تنجح في تعزيز بنية المجتمع والارتقاء بذلك الإنسان. التخلف الإنساني هو نمط وجودي له ديناميكية خاصة اجتماعية ونفسية خاصة به.  ينشأ الإنسان المتخلف تبعاً لبيئة سياسية اقتصادية واجتماعية معينة يحاول جاهداً المحافظة عليها. وبينما تسعى الدول الناشئة إحداث تغييرات مفاجئة وجذرية في تلك المجتمعات فإن إخراج الإنسان من دائرة التركيز في العمل على ذلك التغيير، تجعل منه أحد عوامل تحدي وإعاقة حدوث ذلك التغيير. لقد أدى إهمال العنصر البشري في معادلة التطور إلى تحويله إلى عنصر ممانعة وقيمة سلبية في تلك المعادلة.

إن الإنسان وليد بنيته الاجتماعية وهو أهم عوامل دعم وجودها واستقرارها، والأمثلة على الظواهر البشرية الاجتماعية التي حافظ عليها الانسان وأبقاها في معزل عن التطور الذي أصاب مجتمعه ومحيطه.

 

-- نهاية الجزء الأول--

 

علِّق