عدد القراءات: 2395

تطور هوية الأمم المتخلفة إبان التحرر

هوية المتخلف في ظل الاستعمار
أول ما بدأت الحركات القومية كان بدافع من الدول المستعمرة لاستخدام الفروق الدينية والاثنية لاحداث شروخ وانقسامات في تلك المستعمرات تسهل من إدارتها مناطقيا ويساعد على بناء هرم تراتبية اجتماعي جديد مبني على أغلبيات وأقليات تستثمر طاقتها في فرض سيطرتها أو رفض تلك السيطرة. استخدم المستعمر الغربي ذات التكتيك في تفتيت الممالك القديمة التي كانت تهدد مصالحه. أشعل البريطان الفتنة بين الهندوس والمسلمين في الهند كما أشعلوا القومية العربية في السلطنة العثمانية. ولاحقا تمت تذكية الفتنة في مستعمرات الاتحاد السوفيتي وحديثا في البلقان بذات الأسلوب ولذات النتيجة.


النظرة الذاتية لتلك الجماعات على الأسس القومية أسست لصراعات داخلية عصفت بتلك المناطق لعقود ومازالت تعصف ببعضها إلى هذا اليوم. إلا أن دورها لم يقتصر على إذكاء النزاعات الداخلية بل أن من نتاجها أيضا ظهور حركات التحرر من الاستعمار الذي أطلقها ظانا أنها سوف تحكم قبضته. لقد أطلقت هذه النظرة الذاتية؛ التقييمية في طبيعتها؛ شرارة بناء الهوية الفريدة في شعوب قضت مئات السنين ترزح تحت وطأة الغزاة والمتسلطين. لأول مرة بدأت هذه الجماعات بالنظر إلى نفسها وتعريف هويتها وما يميزها عن الآخر بطريقة مختلفة. لقد كانت هذه المجتمعات على الدوام متمايزة وغير مندمجة رغم قدرتها على التعايش المشترك والفعال لقرون طويلة. ما فعله المستعمر كان إذكاء لنزعة تمايزية بين تلك الأقوام ودافعا لها على تعريف نفسها بغنى عن الجماعات الأخرى وتحديد مصالح مشتركة وبناء رؤية تتبعها الدائرة الصغيرة تلك لاعتلاء دفة قيادة محلية. تخيل البريطان أن الصراع الهندوسي المسلم سوف يلهي المجتمعت المحلية لقرون قادمة وسيحول دون تنامي شعور النقمة وتوسع دائرة التمرد، إلا أن تفاقم ازمة الهوية وما فتحته من تطلعات لدى الفرقاء المحليين كان سببا مباشرا في تطور الحراك الهندي الذي بدأ بشغب شعبي وتطور ليكون مجلس حكم ذاتي (المؤتمر الهندي الوطني) قاد الهند وباكستان نحو التحرر.
الوضع العربي بدأ مختلفا نوعا ما. فالتدخل الأجنبي في المحيط العربي بدأ متأخرا بالمقارنة بالإدراك الداخلي للشعوب العربية بهويتها وقوميتها. لقد بدأ الشعور القومي العربي بالتنامي في منتصف القرن التاسع عشر، والفضل في ذلك يعود الى حركة التجارة الواسعة التي اتاحت الفرصة للعرب للاطلاع على حركات التحرر القومية في اوروبا، شاهد العرب شعوب أوروبا التي اخذت تحارب من أجل استقلالها وتناله لتبحث بعدها عن هويتها، على إثر هذا التأثر بدأت تتشكل الجمعيات السرية والمنتديات الادبية في المهجر أولاً ومن ثم في قلب الأمصار العربية. لقد انطلقت حركة الوعي العربي وفي ذات الوقت أخذت الاسباب التي تدعوهم للتمرد والثورة تظهر وتتراكم.

 

حركات التحرر وصراع الهوية الجديدة
حين دفعت بريطانيا النزعة العروبية في عقل حسين بن علي الهاشمي (الشريف حسين) لم تكن تضع في حسبانها أن الثورة العربية الكبرى لن تخلع فقط عدوهم العثماني بل ستكمل ولو بعد عقدين من الزمان لكف يدهم عن المناطق التي استندبوا أنفسهم عليها. ولكم خاب أمل الفرنسيين الذين احتضنوا المؤتمر العربي الأول في حزيران عام 1913. كانت الامبراطورية العثمانية قد خسرت الكثير من مناطقها الاستراتيجية في القرن التاسع عشر بعد خروج محمد علي باشا عليها واستقلاله بمصر وزحفه الذي وصل الأناضول قبل أن تسعى بريطانيا وفرنسا للصلح بينه وبين السلطان محمود الثاني خشية سقوط الامبراطورية العثمانية في يد الروس أعدائهم. اعتقدت بريطانيا وفرنسا أن بداية القرن العشرين فرصة مواتية للإطاحة بما تبقى من الدولة العثمانية، وبدأوا بتأليب العرب والأرمن والأكراد على السلطنة العثمانية. وقد أعطت الامبراطورية العثمانية كل الأسباب لقيام ثورات ضدها في المناطق التي كانت تحكمها بعدما أمعنت في سلبها وتوريط أبنائها في حروب الاستعراض ضد اوروبا وكنتيجة طبيعية لعشرات المجازر التي قامت بها الدولة العثمانية ضد فئات أثنية ودينية محددة كمجازر ديار بكر و مجزرة أضنة ومذابح سيفو بالإضافة لحملات السفر برلك وغيرها التي دفع الرعايا الغير أتراك فيها ثمناً غاليا دون أن يكون لهم أي خيار ولا قرار.

 

انتقل العالم العربي فجأة من قبضة السلطة العثمانية إلى يد الاحتلال البريطاني الفرنسي. وبالرغم من تعيين البريطان للحسين بن علي ولإبنه على بعض الأقاليم المنفصلة إلا أن الإدارة الفعلية في بقيت في يد البريطانيين. سرعانما أعلن الحسين بن علي نفسه خليفة وأميرا للمؤمنين وبدأ بسلسلة طلبات من البريطانيين ليعينوه على القضاء على بعض المنافسين السياسيين له؛ وهو بالضبط ما كان العثمانيون يفعلونه حيث يطلقون على أنفسهم الألقاب الرنانة ويسعون لشراء الولاءات وبناء التحالفات للفتك بمنافسيهم في المنطقة. وبالتدريج تم تقسيم الأفاليم العربية إلى دول غير متجانسة الجغرافيا أو الديموغرافيا؛ معلنة بذلك نهاية الحلم العربي المشترك ومؤسسة لفترة زمنية قاتمة حاولت فيها تلك الأقاليم بناء هوية فريدة لكل منها.
نتيجة الاحساس المستمر بالظلم والتهميش وإدراكاً منها للخيانة التي أوقعتها بها أوروبا، قامت الدويلات الحديثة بالانتقال إلى حالات التمرد والعصيان المدني تباعاً. جاءت هذه الحركات الشعبية بالتوازي مع تمرد من قبل الحكومات المحلية التي انتدبتها الدول المستعمرة لإدارة الشؤون المحلية تحت اشرافهم. لقد حاولت الدول المستعمرة استمالة البرجوازيات المحلية و التأثير عليهم فكرياً وربطهم بها مالياً وثقافياً، في ذات الوقت التي بدأت فيه باستخدام الضغط في بعض الأحيان والقوة في أحيان أخرى لتغيير التعليم في المدارس وتغيير مواقف المؤسسات الدينية وسن القوانين التي تحارب ذات النزعة الفكرية القومية التي خلقتها في السابق. سرعانما تطورت الحراكات الشعبية إلى عصيان مدني شامل ومواجهات مسلحة أدخلت الأقاليم المنتدبة في دوامة عنف أدت في نهاية المطاف إلى فك الارتباط بتلك الدول المستعمرة. كانت معظم الأدبية المنادية بالثورة ضد الاستعمار ذات طابع قومي عربي وتكلمت في معظمها عن وحدة الوطن العربي أرضا وشعبا. كانت في غالبها ذات هوى اشتراكي ولعل هذا جاء أسوى بمثيلاتها من دول شرق أوروبا و جنوب أمريكا التي كانت تخوض معاركها نحو الاستقلال والتحرير. لقد تبلورت الاشتراكية في اذهان القادة العروبيين كرد فعل على فشل الخط الإسلامي الذي تبنته تركيا لتدجين وحكم المناطق التي سيطرت عليها كما أنه جاء مناسبا لمقارعة الرأسمالية الاستعمارية الغربية التي خانت أحلامهم.
في أقل من ثلاثة عقود كانت الغالبية العظمى من دول سايكس بيكو الفتية قد نالت استقلالها. لقد بات من المكلف جدا ومن غير المجدي محاولة السيطرة عليها. أصبح في أفق الدول المستعمرة دول اخرى أكثر قابلية للاستعمار الذي بدأ يتغير من استملاك عسكري وسيطرة سياسية إلى استملاك مالي وسيطرة اقتصادية. لقد تحققت الخطوة الأولى نحو تحقيق الحلم العربي ألا وهي زوال المستعمر واسترجاع القرار الوطني المحلي. حكمت الدول الفتية عن طريق مجالس حكم مكونة من بقايا التكنوقراط التي استعملهم المستعمر لإدارة المناطق واستخدمت ذات البنى التحيتة والإدارية والقانونية في إدارة شؤونها بعد الاستقلال. ورغم التضارب الحاصل بين الهوية المرجوة للبلدان المتسقلة وبين الهوية التي حملتها أنظمة الإدارة المحلية الفتية فقد آثرت الحكومات الجديدة الإبقاء على هذه البنى الإدارية والتعليمية والصحية وغيرها. الفرق الاساسي كان في الرؤى والمقاربات الاقتصادية التي قامت بتأميم املاك الحكومات المستعمرة والاقطاعية القديمة وأضافت إليها حصة كبيرة من أملاك البرجوازية الحديثة النشأة في تلك الدول. لقد ساهمت هذه المقاربة الاقتصادية في تدعيم سلطة الحكومات الحديثة وإعطائها ما يمكنها من شراء ولاءات البعض و فرض السلطة على بعض آخر.

علِّق