عدد القراءات: 3272

فلسفة القهر في ظل الاستبداد (2)- إدارة القهر

تفريغ القهر في المحيط

قد يبدأ الانسان المقهور بلوم ذاته سراً لكنه بعيد برهة من الزمن يبدأ بإسقاط (projection) اللوم والعيوب على مثيليه من المقهورين، بطريقة تشوبها الكثير من البرود الانساني ويغيب عنها التعاطف بين الأفراد المقهورين.

تتخلق بين تلك الطبقة مشاعر ازدراء متبادل ضمني سري حينا وطافٍ على السطح عند كل نازلة. يبدأ المقهور في محاربة المقهور لأنه يمثل له كل السلبية التي كان يراها في نفسه ولأن احتقاره طريقة آمنة ومريحة له لتفريغ كبته.

يصب المقهورون على بعضهم كل مشاعر العار والضعف ويرمونهم بكل تهم العجز والرضوخ؛ متخلصين من آلام العار المعنوية، ومحافظين على ما بقي لهم من قيمتهم الذاتية. تتجلى علاقة التفريغ تلك بقهر كل الضعفاء مبتدئة بأهل المنزل؛ فتبدأ دورة الانفجار بظلم المرأة والغلظة في تربية الأبناء الذين لا يسمح لهم التعلم من أخطائهم دون تنكيل أهلهم والحاقهم بدائرة الملامة والتحقير بغض النظر عن أعمارهم وأدوارهم, وتختصر المرأة – رمز العار وسبب الشقاء – لخادمة واداة مصاهرة وانجاب. ينطلق الانسان المقهور بعدها لمعاداة أشباهه في المجتمع فيحتقر إرثهم التاريخي وقيمهم ويرى في أي ما يقومون به سبباً للمظلمة التي يعيشها المجتمع سواء أكان ذلك فناُ او نشاطاً ذا طابع تجديدي أو عملي مجتمعي. يرى المقهور خطراً في أي عمل يقوم به المقهور الأخر كونها قد يحرك راكداً ويجر عليهم جميعاً العقوبة والوبال. يعيش كل مقهور وهم أن الأمور – على سوئها – مستقرة وأن لديه القدرة على التنبؤ بمآلها والتكيف معها. وذاك كان وهم المقهور وحلمه منذ القدم، ويغفل قاصداً أو غير قاصد عن تنامي الهوة وتراجع مكانه في الهرم المجتمعي.

 

أمره كل خير
التفاعل الشعبي مع ما حصل مع اللاجئين السوريين الغرقى في البحر المتوسط وبعده ضحايا سقوط الرافعة في الحرم المكي وسقوط أكثر من 107 ضحية، وضع فكرة أنسنة المصائب على المحك كما وضع العقل المتخلف أمام تحد ذاتي. الطبيعة / القدر / المصائب / الأب الصارم قد عاقب المذنبين في إعصار كاترينا و تسونامي أندونيسيا واليابان.

لقد عاقب القدر أمريكا ب أحداث 11 أيلول وبعدها بانهيار الأسواق المالية 2007. أما وقد وقع علينا الوبال اليوم؛ وبما أننا نحن محتلفون عنهم؛ فنحن المؤمنون وهم الكافرون؛ فلابد أن يكون في هذا الأمر خير. إن هذا القدر لهو الحب القاسي للأب، لا يمكن رؤيته إلا كذلك. ولا يجوز الامتعاض مما حصل أو الحزن على الضحايا والخسائي فهي مكاسب كبيرة لنا.
لا يمكن وضع أي حادثة تقع على المجتمعات المتخلفة إلا كجزء من التفاعل بين الأب القاسي (الله أو الطبيعة أو القدر) وبين الفسطاطين. لا ينظر لأي أشكال تفاعل أخرى في هذه المعادلات. يمكن اختزال كل الأمور على انها خير وشر. ويجب رؤية كل ما يحصل في مجتمعات التخلف على أنه خير إن أمكن ذلك. وإلا فهو الاعتراف بأنه العقاب السماوي الكبير. قد يتمثل هذا العقاب بمجازر جماعية كالتي تحدث في سوريا وفي أفريقيا وقد يكون انهيار الصحة والتعليم أو تفشي مرض كالإيبولا. يجب تهميش كل العوامل الأخرى فهي تفاصيل محيطة وجانبية لا تؤثر في جوهر الأمر ولا تلعب دورا في حدوثه. ليس تسلط الحاكم ولا إهماله سببا ولا طعم لانتقاده ومجابهته. هو ليس إلا أداة لتحقيق القدر وليس سوى تمثيل لرغبة الطبيعة أو الرب.

 

سبب وهمي.. أمل الكاذب..
كل محاولات تفريغ القهر تعطي مفعولها لزمن محدود لكن استمرار القهر لا يترك مجالاً لتجاهل مصدر القهر الذي يزداد قوة وسطوة مع الزمن. هنا يبدأ الإنسان المقهور بإيجاد أسباب يلومها على ما هو عليه ويحاول حلها ليتخلص من بلائه. يبدأ العقل المقهور بخلق مجموعة من الأسباب التي أدت إلى كل مشكلة يعاني منها، على هذه الأسباب أن تكون خارج دائرته الاجتماعية. هذه الأسباب كلها شريرة وورائها من يتربص به. لا تنقص هذه الأسباب الطابع الشخصي في علاقتها مع العقل المقهور في تريده هو وحده من بين الجميع. على هذه الأسباب أن تكون خارجة عن إرادته و لا تخلو من جانب مجهول. عليها أن تكون مبهمة وغير متوقعة، لا بد أن تكون كذلك ولهذا سيكون من الصعب السيطرة عليها وذلك.
يبزغ في تلك المرحلة أسلوب جديد في التفكير، إنها مرحلة جديدة على العقل المقموع المرور بها. تعم في تلك المرحلة أفكار خرافية يخلقها العقل المقموع، فيصبح الحسد والسحر هو أحد اللاعبين في مصير تلك المجتمعات. وتغدو مؤامرة الدول الغريبة هي الإجابة الأمثل لانها الأعقد والأبعد والأصعب تفسيراً. التطير قد يساعد في حل تلك المشاكل. في هذه المعادلة الجديدة يصبح الجميع متهماً محتملاً وهنا يجب الشك والحذر من الجميع، الأحجية والرقى تحمي من العين والحسد الذين هما سبب في الفقر والشقاء وتخفف الخوف من المجهول. بدل من العمل بالأسباب ودراسة السبب والتأثير يصبح الانسان إما محظوظاً أو منحوساً والجميع حوله يسعون لجعله في الخانة الثانية،  هنا تسقط مسؤولية التقصير الذاتي على الآخرين فالفشل ليس بسبب سوء التدبير بل هو حسد وتربص الآخرين. بعد أن يقوم بعزل جميع من حوله عن حياته ويستمر "الحظ" العاثر يبدأ العقل المقهور بالتوسع في بحثه عن أسباب الحظ العاثر الذي يراه على مدى الأفق بين كل من حوله، يدرك أن هنالك أمراً أعم وأشمل. تغدو مؤامرة الدول الغريبة هي الإجابة الأمثل لانها الأعقد والأبعد والأصعب تفسيراً.

يقوم المتسلط بالبناء على تلك النظرية الجديدة وتجد فيها العامة تفسيراً أسهل بلعاُ من معاداة السلطة أو محاسبة انفسهم. إن هذه الممارسات تساعد على إسقاط مسؤولية التقصير الذاتي على الآخرين. آخرين لا يمكن أن نطالهم هذه المرة. قد تساعد هذه النظرية في تخفيف المأزق الوجودي لتلك الفئة المقهورة إلى حين إلا أنها تعجز عن طرح حل مباشر أو فاعل لمشاكلهم المزمنة. تخلق هذه المؤامرة  علاقة تقارب بين المتسلط والمقهورين فالعلاقة لم تعد اضطهادية محضة فهم الآن يشتركون في قهر أكبر يشملهم – والمتسلط معهم- لن يستطيعوا التصالح والتعاطف بشكل كامل مع المتسلط، تتأرجح العلاقة بين الحب والحدب تارة وبين العداء والكره تارة أخرى، يساعد العامل الخارجي على إبقاء تلك الشعرة الرقيقة بين الطرفين حتى تأتي لحظة الوعي بمصدر المأساة الحقيقي، خصوصاً حينما تتقاطع خطوط الحياة ويتضح أن المقهور والمتسلط ليسا على جانب واحد من المؤامرة الكونية. في الواقع أنه لا يمكن وضعهما على جانب واحد في أي معادلة متخيلة. وينكشف أن المؤامرات الكونية ماهي إلا مستوى آخر من منحنى الظلم الذي يسكن المقهورون قاعه منذ الأزل. لقد حان وقت الانفعال...... إنها لحظة الانتفاضة.

علِّق