عدد القراءات: 17002

الولاء والبراء

تنتشر اليوم ضمن الوسط المثقف العربي دعوات للانشقاق عن الطوائف والملل، والتخلي عن الانتماء إليها، لصالح الانتماء للوطن، كرد فعل متوقع على ما نواجهه من أزمات، ليس آخرها الاحتلال الروسي لسورية، وما تبعه من موقف للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، أو أخبار داعش وأفعالها، عدا عن ما آل إليه وضع البلاد نتيجة الاستبداد.

وتبدو هذه الدعوات محصلة طبيعية لتداخل واختلاط التوجهات الإيديولوجية، بين حدود الانتماء الديني والمذهبي والقومي مع الانتماء السياسي، حيث اختفت الفوارق بين الأمة والوطن وبين حدود الدين وحدود سلطة الدولة، فمن يعارض الدولة المدنية يؤمن أنها دولة كافرة تتعارض مع الدين، ومن يعارض الدولة الدينية يرى أن حقوقه المدنية معدومة فيها، لكن اللبس الحاصل في فهم جوهر الدين هو السبب وراء هذا اللغط، وما نتج عنه من جهل المواطن العربي عموماً والسوري خصوصاً بمعنى المواطنة والوطن، وبالتالي تحديد ولائه وانتمائه. فالإسلام كدين عالمي خاتم، يقوم على الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62)، يدخل تحت مظلته معظم أهل الأرض بمختلف مللهم وقومياتهم وشعوبهم، تميزهم التقوى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِير} (الحجرات 13)، والتقوى هي علاقة شاقولية مع الله وعلاقة أفقية مع الناس، يعبر عنها من خلال القيم الإنسانية.

وهذا التعريف أعلاه يتعارض مع ركن أساسي من أركان الثقافة الإسلامية الموروثة وهو مصطلح "الولاء والبراء"، ومع رأي ابن تيمية "الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض"، ومعيار الشرك والتوحيد هنا حاد كالسيف، وبالتالي الولاء هو لمن يتفق مع ابن تيمية في تعريفه للإسلام، لذا يقسم أهل السنة والجماعة الناس إلى مؤمنين ومشركين، كذلك تنقسم الديار إلى دار الإسلام ودار الكفر، بناءً على حديث مزعوم "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين".

أما الشيعة فالولاء الديني لدى بعضهم، تحول إلى ولاء مطلق للولي الفقيه المعصوم عن الخطأ، وبالتالي هو فوق المساءلة والنقد، فيما ولاء البعض الآخر للمرجع ريثما يعود الإمام المعصوم صاحب الزمان. والباحث في التنزيل الحكيم، يجد معنى مغاير لمصطلح "الولاء والبراء"، حيث الولاء علاقة إنسانية اجتماعية تبدأ عند الفرد فكراً نظرياً حين يقرر اتخاذ ولياً يتبعه ويأتم به {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} (البقرة 148)، ثم تصبح سلوكاً عملياً يجسد ذلك الفكر، فإن أصبح الولي المتبع واحداً عند جماعة من الناس وتجانس السلوك، صار الولاء جماعياً وأصبح اسم الجماعة في التنزيل "أمة" {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} (البقرة 128).

والولاء هو سلوك فطري لدى الإنسان، ابتدأ بأخذ أشكال جديدة مع ارتقائه ككائن اجتماعي، فكان الولاء الأسري {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} (هود 45)، ثم الولاء العشائري {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشعراء 214)، والولاء الأسري والعشائري أقوى أنواع الولاء، وهو ينتقل من الأصول إلى الفروع {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة 124) فإبراهيم بحكم الولاء الفطري أراد لذريته أن يكونوا أئمة، لكن الله تعالى أعطى موقفاً واضحاً في العلاقة معه {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ونفهم أن ابن الملك يمكن أن يكون ملكاً، أما الإمامة فلا تورث، وليست امتيازاً ينتقل بالنسب. ثم يأتي الولاء القبلي، حيث القبيلة وحدة سياسية اقتصادية تقوم على الارتباط بين أفرادها، ثم الولاء للشعب، والشعب هو مجموعة تعيش ضمن وحدة اجتماعية واقتصادية وقانونية ضمن أرض اسمها الوطن، وهو أرقى تجمع انساني، لاحتوائه على قوميات وأمم يوحدهم النظام الاقتصادي والقانوني، والقوم تجمع إنساني تربط بين أفراده لغة واحدة {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} (إبراهيم 4).

فقد تجتمع عدة قوميات في الشعب الواحد، كما الشعب السوري، فيه العربي والكردي والشركسي والأرمني والآشوري وغيرهم، كذلك قد ينتشر نفس القوم في أمم مختلفة، فمثلاً العرب كقوم يشكلون 22 شعب، وفيهم من أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد (ص)، والرسالات السماوية بدءاً من نوح وانتهاءً بمحمد جاءت عموماً لتهذيب هذا الولاء الفطري وضبطه، ضمن إطار من التعارف والتواصل والعيش المشترك {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِير} (الحجرات 13)، والرسول الأعظم ابتدأ دعوته في مكة {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ثم اتسعت هذه الدعوة تدريجياً لتشمل الإنسان، بغض النظر عن لونه وعرقه ولسانه وموقعه الاجتماعي {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107)

وهذا الولاء الجديد تجاوز كل الولاءات السابقة دون أن يتضارب معها، علماً أن كل الولاءات اختيارية لا إكراه فيها ولا قهر، وتختلف أولوياتها من إنسان لآخر. أما البراء في التنزيل الحكيم فقد ورد في معنيين، الأول بمعنى خلق على غير مثال، وهو ليس موضوع بحثنا، والثاني بمعنى خلا من العيوب وخلص من التهم {بَرَاءةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} (التوبة 1)، ومنه تبرأ من الشخص أي أنكر علاقته به {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ الله تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} (التوبة 114)، وبهذا المعنى البراء كالولاء علاقة إنسانية اجتماعية اختيارية تبدأ عند الفرد فكراً نظرياً يقرر فيه الفرد التبرؤ من فكر يتعارض مع ثوابته السلوكية، ثم يتحول هذا القرار الفكري النظري إلى سلوك عملي.

لكن من يتصفح كتب التراث يجد أن المنظومة الفقهية استعملت الولاء الديني بالمعنى السياسي السلطوي، منذ يوم السقيفة وقبل أن يوارى النبي (ص) في مثواه الأخير، حيث تم استبعاد الأنصار من إمكانية تولي رئاسة الدولة وحصرها في قريش، ودعم هذا السلوك بحديث مزعوم عن العشرة من قريش المبشرين بالجنة، وإني أتصور لو أن الرسول حقيقة روى هذا الحديث في حضور الأنصار، ما سيكون موقفهم وكيف سيكون رده، إذ أن قائمة العشرة تلك تظهر الله تعالى متعصباً لقريش كما لو أنه خاص بهم، ثم تلى ذلك عدة أحداث ساهمت في إفساد العقيدة الإسلامية، وقتل عدد كبير من المسلمين المؤمنين لأهداف سياسية بحتة، مثل حروب الردة، والفتنة الكبرى بين بني هاشم وبني أمية، والاغتيالات التي طالت الخلفاء الراشدين، ثم معارك الجمل وصفين، ثم ظهور الخوارج، وكلها نتائج للولاء السياسي، كرست في الذهن العربي اقتران الولاية بالحكم والسلطنة، فالوالي والولي لم يعد الهادي والراعي والكفيل {الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} (البقرة 257)

بل أصبح الوالي هو الحاكم، وأصبح ولاة الأمور هم الأمراء والسلاطين، وارتقى الولاء السلطوي ليكون الأهم في الدولة، وجرى تحريف مفهوم الولاء الديني وجعله محصوراً بالولاء للسلطة والحكم، وإبعاده عن معناه في التنزيل الحكيم، وتحول نظام الحكم من خلافة بالانتخاب والشورى إلى ملك وراثي يحكمه النسب.

أما الأساس في اعتبار أن الولاء الديني يتم بمعاداة الآخرين، فقد جاء من تفسير الإيمان والكفر في الآية {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَإِلَى الله الْمَصِيرُ} (آل عمران28)، حيث أركان الإيمان بالنسبة للمنظومة التراثية هي الشعائر، وبالتالي كل من لا يؤدي الشعائر هو كافر، لا ينتمي للجماعة، وهذه القراءءة القاصرة ابتعدت عن معنى الإسلام كدين، حرية المعتقد فيه هي كلمة الله التي سبقت لكل أهل الأرض {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 256)، حيث الكفر بالطاغوت هو عكس الإيمان بالله، وبالتالي من يؤمن بالله لا يتخذ من يؤمن بالطاغوت ولياً، والعامل الأساسي الذي يبنى عليه الولاء الديني هو موالاة المشتركين معه بالقيم نفسها، والبراء من كل من يؤمن بأفكار الطغيان وقمع الحريات.

كذلك تستند المنظومة التراثية إلى قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة51)، فنتج عن تفسيرها لهذه الآية مجتمعات مريضة، لا تعرف كيف تتعامل مع الآخر، وهو أخ في الوطن والقومية، ولم ينتبه السادة المفسرون أن هذه الآية من القصص المحمدي، وتتابع ما جاء قبلها وتتحدث عن نصارى ويهود في عصر النبوة حرفوا ما جاء به عيسى، وليس النصارى واليهود عبر العصور. ما أريد قوله أن الولاء الديني يجب ألا يتعارض إطلاقاً مع أي ولاء آخر، إذ أنه في حقيقته قناعة فردية تبنى على علاقة شخصية بين الإنسان وربه، يفترض أن تنعكس على سلوكه إيجاباً نحو الآخرين.

والإسلام دين الإنسانية جمعاء، وكلما ارتقى الإنسان ابتعد عن انتماءاته الضيقة للملل والطوائف والمذاهب. كذلك فإن إبعاد مفهوم الولاء الديني عن السلطة يمكن أن يحقق الدولة المدنية الديمقراطية الليبرالية، أي دولة المواطنة، حيث حقوق جميع مواطنيها مصانة، بمختلف قومياتهم ومللهم، والمرجعية الأخلاقية فيها هي القيم الإنسانية التي أرسلها الله تعالى واجتمع عليها كل أهل الأرض.

وفي النهاية أحدد ولائي وفق عدة مستويات:

- ولائي كمسلم أني مؤمن بالقيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام، وأتعامل مع الناس على أساسها.

- ولائي كمؤمن أني أصلي مع المؤمنين إلى القبلة، وأزكي وأصوم وأحج.

- في القومية أنا أتكلم لغتي، وضمن هذا المستوى لا يوجد ولاء وبراء، وإلا أصبح تعصباً قومياً، فولائي لقوميتي العربية يجب ألا يجعلني أتبرأ من باقي القوميات.

- في الشعب ولائي للقانون السائد وليس لأي شخص، وهذا الولاء يتغير بتغير الوطن.

أما البراء، فأنا كمسلم مؤمن، إن كنت أعيش مع المشركين، فأنا بريء مما يشركون لا منهم، لأن علاقتي معهم علاقة تعارف دائماً، وأقول هذا الكلام للمسلمين المؤمنين الذين يعيشون في الغرب، فعلاقتكم مع الناس علاقة الوطن والمواطن والقانون، وأنتم بريئون مما يشركون، لا منهم، وعند أداءكم لقسم الجنسية فأنتم تأخذون عهد الله بأن تكونوا مخلصين لوطنكم الجديد.

مشكلتنا الأساسية في الوطن العربي أن ولاءنا للأشخاص وليس للوطن، ونحن الآن في طريقنا لتشكيل مفهوم الوطن.

التعليقات

كلام جميل

علِّق